ثقافة

الندوة الوطنية تؤكد الالتزام بصون الموروث الحضاري وحماية المقتنيات التاريخية

كتبت ـ خلود الفزارية

 

ناقشت آليات استرداد وتوثيق الممتلكات العمانية في الخارج - 

في إطار الجهود الوطنية الرامية إلى صون الموروث الحضاري العُماني وحماية ممتلكاته الثقافية أقيمت ندوة وطنية عن استرداد الممتلكات الثقافية العمانية في الخارج، حيث أوصت الندوة بتعزيز دور المؤسسات الوطنية، بما في ذلك الجهات الحكومية والمتاحف الخاصة والمؤسسات الثقافية والجهات الأمنية، في توثيق الممتلكات الثقافية العمانية،

وحث المؤسسات والأفراد على الالتزام بتسجيل هذه الممتلكات في سجل التراث الثقافي لضمان توثيقها وسهولة إثبات ملكيتها والمطالبة بها مستقبلا، كما أكدت الندوة على أهمية الإبلاغ عن الممتلكات الثقافية العُمانية المفقودة لدى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات اللازمة لاستردادها، إلى جانب العمل على إعداد قائمة شاملة بالممتلكات الثقافية العُمانية المفقودة، بما يسهّل التعرف عليها على المستويين المحلي والدولي، ويحدّ من انتقالها إلى ملكية الغير،

نُظّمت الندوة من قبل وزارة التراث والسياحة بالتعاون مع المتحف الوطني، بمقر المتحف، برعاية سعادة المهندس إبراهيم بن سعيد الخروصي وكيل وزارة التراث والسياحة للتراث، وبحضور سعادة ياسر محمد شعبان سفير جمهورية مصر العربية لدى سلطنة عُمان، إلى جانب عدد من المهتمين والمختصين في الشؤون المتحفية،

 وألقت الدكتورة فاطمة بنت محمد البلوشية، كلمة افتتحت بها أعمال ندوة استرداد الممتلكات الثقافية العمانية من الخارج، أشارت فيها إلى أن هذا الملف يعد أحد المرتكزات الوطنية الأساسية لصون الهوية العمانية وحماية الذاكرة التاريخية، مبينة أن التراث الثقافي العماني يمثل شاهدًا حيا على عمق التاريخ الحضاري لسلطنة عمان وإسهاماتها الإنسانية عبر العصور،

وأوضحت أن الورقة الرئيسة للندوة تهدف إلى تسليط الضوء على أهمية استرداد الممتلكات الثقافية العمانية من الخارج، من خلال طرح محاور تعرف بفريق استرداد الممتلكات الثقافية، وتبين مبررات العمل على هذا الملف في المرحلة الراهنة، إضافة إلى تحديد أهداف الندوة ومخرجاتها المتوقعة، وبينت أن الفريق شكل بقرار من سعادة أمين عام المتحف الوطني في أغسطس 2025، ويضم حاليا عددا من الجهات الحكومية ذات العلاقة، تمهيدا لتوسيع نطاق عمله لاحقا وفق النتائج التي سيرفعها إلى مجلس الأمناء،

وأشارت إلى أن الممتلكات الثقافية بما تشمل الآثار والمخطوطات والتحف والمقتنيات التاريخية، تمثل جزءا أصيلا من التراث الوطني وعنصرا محوريا في تشكيل الهوية والذاكرة الجماعية، مؤكدة أن استردادها يعد خيارا استراتيجيا يتكامل مع مستهدفات «رؤية عمان 2040» في تعزيز الهوية الوطنية وصون التراث الثقافي،

وأضافت البلوشية أن لهذا الملف أبعادا تعليمية وبحثية واقتصادية، إذ تسهم الممتلكات المستردة فيدعم البحث العلمي والدراسات التاريخية، وتعزيز السياحة الثقافية والصناعات المرتبطة بها، إلى جانب توفير فرص عمل مستدامة. كما أكدت أن استرداد الممتلكات الثقافية يجسّد التزام سلطنة عُمان بالمواثيق والاتفاقيات الدولية المعنية بحماية التراث، وفي مقدمتها اتفاقية اليونسكو لعام 1970، بما يعزز حضورها الثقافي والدبلوماسي على الساحة الدولية. وشددت على أهمية توثيق وتسجيل الممتلكات الثقافية لدى الجهات المختصة بوصفه الركيزة الأساسية لأي مطالبة قانونية بعمليات الاسترداد، داعية إلى الإبلاغ عن الممتلكات الثقافية المفقودة، بما يتيح إعداد قوائم وطنية معتمدة يُستند إليها في استعادتها، بالتعاون مع الجهات المحلية والدولية.

حماية الممتلكات

وعقب كلمة الافتتاح، انطلقت الجلسة الأولى لأعمال الندوة، التي أدارها الدكتور يونس النعماني، وناقشت الأدوار المؤسسية في استرداد الممتلكات الثقافية العمانية، حيث قدمت تقية العبرية من وزارة الخارجية ورقة عمل بعنوان «دور الدبلوماسية الثقافية في استرداد الممتلكات الثقافية»، استعرضت خلالها الدور المحوري الذي تضطلع به الوزارة في هذا الملف، من خلال القنوات الدبلوماسية والقانونية، وبالتنسيق مع وزارة التراث والسياحة، والمتحف الوطني، وهيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية،

وأوضحت أن الدبلوماسية الثقافية تعد إحدى أدوات القوة الناعمة التي تعتمدها سلطنة عمان لتعزيز علاقاتها الدولية وحماية تراثها الثقافي، مشيرة إلى أن الوزارة، عبر بعثاتها الدبلوماسية، تتابع وجود الممتلكات الثقافية العمانية خارج سلطنة عمان، وتتحقق من مشروعية وجودها، وتباشر إجراءات المطالبة القانونية باستردادها، كما تطرقت إلى أبرز التحديات التي تواجه عمليات الاسترداد، وفي مقدمتها صعوبة إثبات الملكية، وبطء الإجراءات الدولية، واختلاف التشريعات، مؤكدة في المقابل امتلاك سلطنة عمان مقومات داعمة، من بينها البنية المؤسسية المتكاملة،وشبكة العلاقات الدبلوماسية، وخبرة المؤسسات الوطنية المعنية.

من جانبها تناولت فاطمة الشماخية من وزارة التراث والسياحة في ورقتها ظاهرة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، باعتبارها أحد أبرز التهديدات التي تؤدي إلى فقدان هذه الممتلكات وطمس هويتها الوطنية.

وأوضحت أن هذا النوع من الاتجار يعد من أخطر الجرائم العابرة للحدود، لما له من آثار ثقافية واجتماعية واقتصادية، مؤكدة أن التوثيق يمثل الأساس في حماية الممتلكات الثقافية واستردادها.

واستعرضت الشماخية مشروع «سجل التراث الثقافي العماني»، بوصفه قاعدة بيانات وطنية رقمية تهدف إلى تسجيل المقتنيات الثقافية المنقولة وغير المنقولة، وحمايتها من الضياع أوالسرقة، وتسهيل تتبعها واستعادتها، إلى جانب تنظيم عمليات الإعارة والبيع والإهداء والخروج القانوني للمقتنيات، كما استعرض سيف المحروقي من هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية دور الهيئة في جمع وتنظيم وحفظ الوثائق والمخطوطات الوطنية داخل سلطنة عمان وخارجها، بما يسهم في صون الذاكرة التاريخية العمانية.

وأوضح أن الهيئة تعمل على تتبع الوثائق المرتبطة بتاريخ عمان في مختلف دول العالم، وإبرام اتفاقيات ثنائية لاستردادها أو إتاحتها رقميا، مع مراعاة السياقات التاريخية والقانونية لوجودها.

وأكد أهمية تسجيل الوثائق الخاصة لدى الهيئة، لما لذلك من دور في حمايتها وتسهيل استردادها، مشيرا إلى أن الوثائق والمخطوطات العمانية المحفوظة في المكتبات العالمية تمثل رصيدا معرفيا يعكس عمق الحضور الحضاري العماني.

الإجراءات القانونية

وركزت الجلسة الثانية التي أدارها معطي المعطي، على الإطار القانوني والدولي لاسترداد الممتلكات الثقافية، حيث أشار الدكتور يونس النعماني في ورقته إلى أهمية الاتفاقيات الثقافية الدولية، مع التركيز على اتفاقية اليونسكو لعام 1970 الخاصة بحظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة، مؤكدا أن فعالية هذه الاتفاقيات مرتبطة بتاريخ التصديق عليها، وتكملها الاتفاقيات الثنائية والدبلوماسية الثقافية الوطنية.

وأوضح التحديات التي تواجه سلطنة عمان في هذا المجال، مثل نقص التوثيق الإحصائي وضعف التكامل بين الجهات المعنية، مشيرا إلى أن الاسترداد يتركز على القطع الأصلية والنادرة، بينما لا تعد القطع المتداولة أولوية قصوى.

كما اقترح إنشاء منصة إلكترونية وطنية موحدة لتسجيل وتوثيق الممتلكات الثقافية، لتعزيز الحماية القانونية وتسهيل المطالبة بالاسترداد، مؤكدا أن اتفاقية 1970 توفر أساسا قانونيا دوليا، لكنها تعتمد بدرجة كبيرة على الالتزام الطوعي للدول، من جانبه، تناول الدكتور بدر الخميسي الإطار القانوني الوطني، مشيرا إلى أن قانون التراث الثقافي العماني الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 35/2019 يحدد الطبيعة القانونية للتراث باعتباره ملكا عاما، مع استثناءات محددة للملكية الخاصة المشروطة بالتسجيل والحصول على شهادة رسمية من وزارة التراث والسياحة.

وبين أن جميع المكتشفات الأثرية في باطن الأرض ملك للدولة ويجب الإبلاغ عنها، وأن البيع أو الشراء أو التصدير أوالتصرف بالممتلكات التراثية محكوم بضوابط قانونية صارمة، مع عقوبات تشمل السجن والغرامة، منوها أن جرائم الاعتداء على الممتلكات الأثرية لا تسقط بالتقادم عند توفر الأدلة.

كما استعرض طرق الاسترداد القانونية الأربع: الدبلوماسية، والمساعي الحميدة، والتحكيم، والاتفاقيات الثنائية، إضافة إلى اللجوء إلى القضاء، مؤكدا على أهمية التوثيق القانوني كركيزة أساسية لنجاح هذه الإجراءات.

ودعا إلى إنشاء قواعد بيانات وطنية ودولية مشتركة، وتفعيل دور المجتمع والمؤسسات الثقافية في حماية التراث ومنع الاتجار غير المشروع.