سؤال لن تسأله لنفسك ولا للآخرين !
الخميس / 7 / جمادى الأولى / 1447 هـ - 19:21 - الخميس 30 أكتوبر 2025 19:21
هناك أسئلة يتجنب البعض البحث عن إجابتها حتى وإن باتت في بعض الأوقات أمرا ضروريا لمحاصرة الذات بالأسئلة لتهذيب النفس والكف عن بعض الممارسات الخاطئة.
إصرار البعض على تجنب التطرق إلى الأسئلة ليس فقط هروبا من استيضاح واقع، ولكنه تجنب لتنشيط المخاوف الأزلية التي تنشأ في جوهر الإنسان وتجعله غير سعيد بما يفكر فيه.
ومع كل ذلك الهروب المصطنع، تظل الأسئلة تجول في الذات بحثا عن موقف أو حادثة معنية تحرك المياه الراكدة وتقلب المشاعر على جمر الخوف من الآتي خاصة عندما يتعلق الأمر بالبحث عن إجابة السؤال التالي: 'ماذا بعد؟'.
هل فكرت يومًا أن تسأل نفسك في أي عمر من الزمن سوف تترجل من على صهوة حصان الدنيا ؟، بالطبع إجابات الكثير منا ستكون بـ'لا'، وبعضنا الآخر، يرفض الحديث عن هذا الأمر جملة وتفصيلا، ويرى بأن التعرض إليه هو جزء من بث لروح التشاؤم غير المبرر ذكره في سعة النجاحات والانتصارات والإنجازات التي يعيشها الفرد في الحياة، ولذا وجب تشييد سد منيع يجعل الإنسان لا يتناول أمر 'الموت' وفقدان كل شيء في الحياة بسهولة.
ربما المنطق يدفعنا نحو السكون النفسي ومتابعة الأمور عن قرب، لكن مشاغل الحياة لا تعد للبعض فرصة في المراجعة أو المحاسبة وإنما السير بنفس الخطى حتى النهاية.
إن عدم تفكير معظم الناس في حتمية الموت تأتي من خلال تبني فكرة البعد عن إيقاظ المخاوف الداخلية وفتح نوافذ القلق أمام النهايات، وخوفا من عدم السيطرة على المشاعر ويتحول الشخص إلى كائن بشري مختلف عما كان عليه.
لذا يفضل الكثير منا التركيز على الحاضر وما فيه من مباهج مرضية، والاستمتاع بالحياة بدلا من مواجهة الضعف والقلق وهي طريقة دفاعية لتجنب الخوض في المشاعر المؤلمة خاصة عندما يتعلق الأمر بأمور لا جدال فيها أبدا.
نصاب أحيانا بحالة من الأسى والهلع والحزن، ويجبرنا المشهد وما فيه من عظة إلى الدخول في 'صمت طويل'، تتخالط مشاعرنا مع أفكارنا فيولد في أجسادنا شيء من الرهبة، وهذه الحالة تتجلى كثيرا في أوقات الوداع الأخير لأشخاص لم نتخيل رحيلهم بهذه السهولة أو في هذا الوقت، بعض الراحلين عنا كانوا يملأون المكان بهجة وسعادة، وبعضهم كان يعلو صوته عاليا يزعج نفسه ومن حوله بما أتاه الله من خيرات، لكنه سقط فجأة ولم يعد يزمجر كعادته أو يرهب الآخرين.. كل شيء قد انتهى.
في أوقات الموت، الإنسان يصل به المكان إلى أخذ العبرة من هذا المشهد، ويستخلص الحقيقة الوجودية، ويتعلم من جديد الكثير من الدروس التي لم يتعلمها يوما في المدارس أو من الحوادث والمواقف التي ألمت به، في لحظة الفراق والوداع تنهار الكثير من القوى التي كنا نحسبها كالجبال الراسيات، فكفى بالموت واعظا.
من روائع الأدب العالمي أقف عند قول الأديب الروسي دوستويفسكي الذي يقول:'لم أرَ نظرات الحُب الحقيقية إلا على عتبات المقابر، والمستشفيات، نحن أُناس لا نتذكر من نحبهم إلا في النهاية.'، وهذا حقيقة لا جدال فيها في لحظة الانزواء والرحيل تطالعنا الأشياء على حقيقتها دون تزييف أو تأليف أو تجاهل.
يقول الإمام الشافعي – رحمة الله عليه – 'ومن نزلت بساحته المنايا.. فلا أرض تقيه ولا سماء..وأرض الله واسعة ولكن.. إذا نزل القضا ضاق الفضاء.. دع الأيام تغدر كل حين.. فما يغني عن الموت الدواء'.
إن حتمية الموت هي من أقوى الأمور التي لا نفكر فيها كثيرا؛ لأن أمل الحياة يجعلنا نؤجل هذا التفكير، ويخرجنا من عالمنا الواقعي إلى افتراضات أخرى، وبأن الوقت لا يزال طويلا أمامنا حتى نكف عن أذية الناس أو نضع أقدامنا في ماء دافئ، يخلصنا من كل طاقاتنا السلبية التي تسيطر على محيط أفكارنا.