بريد القراء

شمعة أخرى تنطفي مع الريح !

 

'الحياة لا تبدأ بالولادة بل بالوعي، ولا تنتهي بالموت بل بانطفاء الروح.' هكذا يرى جبران خليل جبران الولادة التي لا تنتهي بالفناء وإنما بظلام الروح.
الانطفاء بحد ذاته عالم يعج بالكثير من الألم الجسدي والنفسي، فالإنسان يعيش دورة حياته متأملًا الوصول إلى درجاتٍ عليا في سُلَّم العمر، لكنه لا يعلم متى يبدأ في التراجع نحو درجات الفناء.
هذه المقدمة اليسيرة هي عبارة عن عناوين عريضة لأشياء يجهلها الإنسان، لكنها واقع لا بد أن يتحقق ذات يوم، فبموت أحدٍ من القربى هو انطفاء لشمعة أخرى كانت منيرة بضوئها الساطع في طرقات من يعرفها، بمعنى أن ثمة شيئًا مختلفًا يحدث الآن بهذا الانزواء نحو عالم الأحياء، الأعمار تنقضي، والكل سيستنفد أيامه، والعمر لا يعود إلى الوراء، بل يذهب بنا نحو الخاتمة، ومعها تبدأ رحلة أخرى في عالم الفناء.
في قاموس الأحياء، الانطفاء ليس معناه حالةً عابرةً تنتهي مع الوقت، ولكنه قد يكون رحلة أبدية لا نعرف متى تعود إلينا الحياة مرة أخرى، ولكن مع كل شعورٍ بالألم والبؤس والشقاء هو جزء من انطفاءات في ذات الروح، عندما تُثقلنا الحياة بأوجاع الروح لا يمكن للإنسان أن يتلمس طريقه بسهولة، وهذا ما ذهب إليه بعض الناس بقولهم: 'يَعلم المرءُ منَّا كيف يرتاح جسده إذا شعر بالتعب، ولكنها الروح، كيف للروح المتعبة من الغربة والبعد والشوق والفقد أن تطمئن؟'.
ترى ما الذي يُتعب الروح أكثر من أي شيء آخر؟ أعتقد، كغيري من الناس، أن الهزائم والفقد هما من أشد الأشياء إيلامًا للروح، ثم تأتي من بعدهما استحضار الروايات الحزينة من مخزون الذاكرة وما فيها من فصولٍ موجعة، فما أصعبه من طرقٍ يُحدثه الوجدُ بطرقه الصلبة، يكسر فيها زجاج الأرواح المتعبة. مع الذكريات والتأملات تصبح شرايين القلب أكثر استيقاظًا من أي شيء آخر، وهذا ما ذهب إليه الكاتب الروائي المصري عباس محمود العقاد عندما يقول: 'لا شيء يؤذي الروح أكثر من بقائها عالقة في مكان لا تنتمي إليه'، وهذا يقودنا إلى أن الإنسان عندما يبقى وحيدًا في أرضٍ قاحلةٍ يدرك أن كل الأخطار التي سمع عنها قديمًا سوف تعرف مكانه.
في زحمة الأحداث اليومية، قد نُصاب بحالةٍ من الزهو النفسي والثقة المطلقة وندّعي بأننا لا نهاب الفشل أو نخشاه، لكن ثمة أشياء أخرى نخفيها عن الآخرين تجعلنا نعرف أن الإنسان يعود إلى ضعفه عندما تزاحمه الخطوب من كل جانب، لذا فالإنسان في حقيقته المطلقة يهاب دومًا العودة إلى نقطة الصفر التي بدأ منها مشواره في الحياة، فإذا كانت مرحلة الضعف هي انشقاق الإنسان في جسد الحياة، فإن عودته ثانيةً إلى هذه النقطة هي التي تؤرقه بصفةٍ دائمة.
في وقتٍ من الأوقات، لم تكن المشاوير الطويلة مصدر قلقٍ لنا، فطول الأمل في الحياة ينفض من على وجوهنا غبار السنين، ولكن مع توالي الزمن نصبح أمام مفترق طريق لا عودة منه، في لحظةٍ ما نجد أنفسنا قد فقدنا رغبة المسير لمسافاتٍ بعيدة، وأيضًا أصبحنا نتنازل عن كل الأشياء التي كانت تُشعرنا بأننا أقوياء لا نهاب المخاطر أو الانكسار.. أما اليوم، فلم يعد ذلك الحماس الداخلي موجودًا أو حاضرًا في حياتنا، ولهذا أصبحت الحياة مخيفة بعض الشيء ومصدر إزعاجٍ يقلق عقولنا الضعيفة!.
كثيرًا ما يكون الحنين ليس للماضي بحد ذاته جزءًا من متعة الروح، لكن مع استذكار الفصول الماضية نشعر بأن أدوات الأمان تخفت أضواؤها، ويُخيّل إلينا بأننا نسير في طريقٍ جديدٍ لوحدنا، نحاول أن نكمل المشوار حتى وإن بات الانطفاء قريبًا منا.