عندما كانت مرآة الحياة «أمي»!
فضيلة بنت علي الزيدية
الجمعة / 24 / ربيع الثاني / 1447 هـ - 19:31 - الجمعة 17 أكتوبر 2025 19:31
«مرضتُ يومًا فنام الجميع، وبقيت أمي.. عندما أتكلم عن أمي.. فأنا أتكلم عن عالم مختلف في كل شيء، أتكلم عن دنيا بأكملها، وجنة تحت أقدامها، أتكلم عن وطن كبير لا حدود يفصله عن بعضه البعض، وعن حب لا يموت أبدًا مهما أكل الزمان عليه وشرب».. بهذه العبارة الخالدة في عمق الوجدان الإنساني، أبدأ الحديث عن هذه الشخصية التي لا يمكن أن تتكرر ثانية إذا رحلت عن عالمنا، بل يظل الوجد رفيقًا دائمًا لها.. فأمِّي هي ذلك النبع الصافي الذي نستمد منه أسمى مبادئ الحياة وسكون الألم وفرحة اللقاء ووجع الموت.
أتفق تمامًا مع كل الذين سبقوني في الكتابة ملايين المرات عن هذا الكائن الرحيم، كتبوا بدمائهم ونبض أرواحهم إلى أمهاتهم اللاتي يشبهن كثيرًا حديثنا اليومي عن الأشجار والطبيعة الساحرة، الأم تحتاج إلى طاقة الرسام والمصور والسينمائي والطبيب الجراح الماهر، لتجعل من عمق الروح والنفس وجهًا معجونا بالماء العذب والعطر والوفاء الذي لا حدود له بزمان أو مكان.
إذا كانت الحياة لا تدع البشر يفرحون طويلًا أو ينعمون بالراحة أكثر من أقدارهم، فإن الغياب الذي يمارسه القدر هو أصعب اللحظات التي تمر على البشر، ينزع من بين ثناياهم أشخاصًا لا نريد أن يفارقونا نحو البعيد أو يتوارون مع قرص الشمس في نهاية نهار قصير.
لكن الله منحنا الكثير من الصبر من أجل الرضا بهذه الأقدار التي هي جزء من فلسفة الحياة والموت معًا، ولذا لم تكن الأم يومًا شخصًا عاديًا أو حالة إنسانية طبيعية بغيابها لا يتأثر البناء أو نشعر بفقد عادي، بل كانت وما زالت أمهاتنا نسيجًا مخمليًا من كل شيء جميل يجري في دمائنا، فيمنحنا القوة أمام كل شيء صعب يهاجمنا في كافة حالاتنا وسكناتنا وانغماسنا اليومي مع الحياة.
يقول الكاتب تيسير أبو عودة في مقال كتبه منذ أكثر من تسع سنوات في موقع إلكتروني، اقتبس شيئًا مما تكتبه: «الكتابة عن الأم من أكثر أشكال الكتابة صعوبة وإشكالية، لأسباب كثيرة، بعضها يعود للحقيقة الوجودية لطبيعة الأم ومكانتها في الحياة، وصورتها الأنطولوجية والبيولوجية والجمالية، ولأسباب أخرى كثيرة متعلقة بطبيعة تجليات هذه الصورة مجازيًا ودينيًا وعاطفيًا.. ماذا يعني أن تحترق تلك الروح في محراب الحنين والشوق المغمّس بعطش الواقفين بباب الانتظار؟». توصيفه الدقيق قادني نحو حديث آخر لم أتوصل إلى كاتبه وظل مجهولًا بالنسبة لي، لكنه رائع كروعة الإحساس الذي كتبه حيث قال: «عندما كانت الحياة تؤذيني، كانت أمي وحدها من تخيط جروحي..»، أبعد هذا الفيض المدرار من عمق أدبي في الكلمات، أيمكننا أن نقول شيئًا جديدًا يضاف إلى ما قاله كاتب آخر: «ليس العيب أن يتربّى الرجل على يد امرأة، فكم من عظماء الرجال تربّوا على أيدي أمهاتهم فأفادوا أممًا لا أمة واحدة!».
وإذا كانت الأم هي الغطاء الذي يحمينا من برد الشتاء وقسوة الحياة، فهي نفس الغطاء الذي يحمينا من شرور الزمن، الأم ليست عبارة عن مفردة جميلة نطلقها على شخص عادي، بل هي كائن زرع الله في قلبه أشياء يفتقد إليها الآخرون.. الأم ليست مجرد كائن بشري وُجد ليحملنا في بطنها تسعة أشهر، بل هي عالم متكامل من الرحمة والشفقة والإحساس، وهي أيضًا اللغة الأولى التي تهمس بها الروح قبل أن تتعلم مفردات الحديث، وربما هي أعظم باب دخلنا منه إلى هذا العالم ونخرج منه إلى الجنة، وفي حياتها تظل الأم ذلك الظل الذي احتمينا به حين صارت الحياة سيفًا مشرعًا فوق رقابنا بكثرة الالتزامات والمسؤوليات، فعندما يصيبنا شيء ونحن في طريقنا كانت الأم هي ذلك الحضن الدافئ والملاذ الآمن.
وأخيرًا وليس آخرًا، لأن الحديث يمتد حول الأم وأهميتها في هذا الوجود، ثمة حقائق رصدها الغير ومنحها للإنسانية من أجل أن يتفكر المرء ويتدبر، وذلك قولهم: «لا شيء يعيد لنا البسمة والفرح في قلوبنا إلاّ همسات من أمي، فعندما نحزن ونتضايق يكفي أن تكون بجانبها لكي ننسى همومنا ومشاكلنا».