صناع القهوة المهرة سيختفون !
عبد العزيز المجيني
الجمعة / 17 / ربيع الثاني / 1447 هـ - 20:27 - الجمعة 10 أكتوبر 2025 20:27
لم تعد صناعة القهوة بتلك الحرفية التي كانت في وقت من الأوقات تعد على أيدٍ ماهرة رغم ضعف الإمكانيات ومنابع جلب أنواعها المختلفة، في الوقت الراهن أصبح إعداد القهوة يسيرًا للغاية وفي بضع دقائق معدودة.
أصحاب المقاهي لن يبحثوا طويلا بعد اليوم عن أيد ماهرة تقوم بإعداد القهوة بمستوى عال من الإتقان إلى الزبائن؛ لأن المصانع، والشركات استطاعت اختراع الكثير من الأشكال، والنماذج من الآلات التي تقوم بإعداد وصنع القهوة بأنواعها بكبسة «زر».
كثيرا ما نسمع كلمة «الباريستا» ولا نعرف معناها، ولكن لمن لم يتعرف على ما تعنيه هذه الكلمة فهي تعني «الشخص المحترف الذي يُعدّ ويُقدّم مشروبات القهوة بطريقة احترافية، وبحسب المصادر فإن الكلمة أخذت من مصطلح إيطالي ويعني «الساقي»، أما مهام «الباريستا» فهو من يقوم بإعداد مشروبات القهوة المتنوعة بدقة وحرفية عالية في الإتقان».
هذه المعلومات وجدتها من العم «تشات جي بي تي»؛ لأنني لم أكن -حقيقة- أعرف معناها رغم سماعي لهذه الكلمة في أماكن مختلفة، ولكن الأهم من كل ذلك، لماذا لم تعد المقاهي تهتم بجلب أشخاص متخصصين في إعداد القهوة بطريقة صحيحة، بل أصبح الاعتماد الكلي على «آلة إعداد القهوة» بأنواعها؟.
قد يكون التقدم التقني سهّل على الناس حياتهم، ولكن في نظري لا تزال الأيدي العاملة في هذا المجال هي أفضل بكثير مما تقدمه آلة المشروبات الساخنة، لقد أصبح الفيصل في الحكم على أن هذا المحل أو المقهى أفضل من غيره هو «نوعية البن» التي يعتمدها لزبائنه، بالطبع هناك (بن) بسعر مرتفع وآخر متوسط وأيضا هناك المنخفض التكلفة.
ومن العجيب أن بعض البنّ يمكن أن يتم غشه بسهولة، ويظهر بِلون يطابق القهوة، أما الطعم والرائحة فلا علاقة له بها!.
أصبحت المقاهي هي المكان المفضل لكثير من الناس، فاللقاءات وأحيانا الاجتماعات تتم في بعض المقاهي الكبيرة، وربما فنجان القهوة هو أول المشروبات التي تأتي على أذهان البعض قبل البدء في أي عمل يود القيام به.
وللأمانة فإن الماكينات الحديثة سحبت البساط من أيدي صناع القهوة الجدد، فالقهوة لم تعد هي المشكلة بالنسبة للزبون الذي يدفع شهريا «مبلغا محترما»، لكن المشكلة في نوعية البن المستخدم ودرجة تحميصه وجودته، بالطبع أسعار وأنواع القهوة تختلف من مكان إلى آخر، وأيضا الكثير من المشروبات التي تدخل القهوة كمكمل لها، إما أن تكون باردة أو ساخنة حسب ذوق الزبون فيما يختاره، ولكن محور الحديث يجعلنا ننتبه إلى الانتشار الكبير للمحالِ التجارية التي تقدم القهوة بأسعار منافسة سواء في مسقط أو خارجها.
أحد الأصدقاء أسرّ لي بأنه ينفق شهريا أكثر من مائة ريال عماني على شربه للقهوة بسبب علاقاته مع زملائه وحرصه على الالتقاء بهم بشكل دائما، وأيضا هو من ضمن الأشخاص الذين يحرصون كثيرا على الانتظام اليومي على شرب القهوة من محلات معروفة ذات علامات تجارية رائدة عالميا، وأشار إلى أن ثمن كوبين من القهوة صغيريْ الحجم يمكن أن تصل كلفتهما إلى قرابة ثلاثة ريالات عمانية، وبالطبع إذا كان في الجلسة أكثر من شخصين، فإن المبلغ يتضاعف عدة مرات، وربما يتجاوز العشرة ريالات، إذا ما تم انتقاء بعض الأشياء الجانبية مثل قطع الحلويات وغيرها.
حدثني شخص متقاعد بأنه ملتزم يوميا بالجلوس مع زملائه ممن خرجوا إلى التقاعد في أحد المراكز التجارية، أكد أنه مستمتع بالمكان أكثر من القهوة التي يتناولها، موضحا أنه رغم تدني مستوى المشروب الذي يتناوله إلا أن للمكان قيمة أخرى غير القيمة المادية للقهوة التي يتناولها يوميا.
وهذا يطرح أحيانا السر في عدم وجود أماكن شاغرة في بعض المقاهي بالمراكز التجارية الكبرى، رغم أن الذي يتم تقديمه للزبائن لا يتناسب في بعض الأحيان مع حجم طموحاتهم، وأيضا المكان الذي يقع فيه هذا المقهى هو من يرغبهم في الجلوس لساعات طويلة !.
«من أجل عين تكرم ألف عين»، هكذا حدثني أحد مدمني شرب القهوة، وإن كان هذا المثل لا ينطبق على الأماكن ولكن على الأفراد، فهو قد يكون السبب في المداومة على الحضور الشبه اليومي للمقهى والالتقاء بزملاء العمل السابقين والجلوس معهم لفترات تمتد من الصباح حتى الظهيرة.
أغلب الذين أعرفهم أكدوا أن التكنولوجيا الحديثة في صناعة فنجان القهوة أثرت سلبًا على وجود نخبة، أو أشخاص محترفين في صناعة القهوة بشكلها الجميل.