شيء من الذاكرة.. حصة التربية الفنية ؟
بدر بن يحيى السالمي
الجمعة / 17 / ربيع الثاني / 1447 هـ - 20:24 - الجمعة 10 أكتوبر 2025 20:24
كانت حصة التربية الفنية في العقد السابع من القرن العشرين واحدة من أكثر الحصص المدرسية حضورًا لدى طلبة المدرسة، وأكثرها نشاطًا وتفاعلًا، لم يكن بها تسميع قصيدة جاهلية، أو كتابة حلول لمعادلات حسابية، بل كانت خيالًا نسرح في تصويره من قلب الواقع، ولكن بألوان تحاكي امتداد البصر.
في رسوماتنا الأولى، كان الشارع رفيقًا لبعضنا، بينما كانت القلعة التي نمر بجانبها ونحن في طريقنا إلى منابع العلم، إحدى المفردات الأولى التي تقفز إلى أذهاننا لرسمها في إطار محدد وعلى ورقة بيضاء، مستخدمين ألوانًا زاهية.
أما الفلج الذي يشق القرية بمائه الرقراق، فهو شيء لا يُنسى لدى زملائي في الفصل، الحياة في عيوننا كصغار «محدودة الملامح» رغم غزارة الأشياء التي كانت تحتويها، لم نتخيل ولو للحظة أن الحياة أصبحت مع الزمن أكبر حجمًا من الماضي، في الماضي كان كل شيء محددًا ومألوفًا ومترابطًا، حتى الأسواق القديمة كانت عبارة عن «ملتقى للباعة والمشترين»، دكاكين صغيرة يديرها تجار كبار في السن.
في مرحلة البدايات الأولى من عمر النهضة المباركة، كانت القرية أو الولاية عالمنا الذي لا يخبرنا إلا بما فيه، بعض الجاليات التي سكنت قرانا، سواء من المدرسين أو الخياطين أو العاملين، كانوا يحدثوننا عن أوطانهم، كنا نسمع ونحفظ ما يقولون، ولما كبرنا تأكدنا من بعض المعلومات التي قيلت لنا منذ زمن طويل.
هواية الرسم لا تقل شأنًا عن أي هواية أخرى نحبها، والغريب أن أغلب معلمي التربية الفنية الذين درسونا في المرحلة الابتدائية أو الإعدادية يتميزون عن غيرهم بحسهم المرهف ونظرتهم إلى الأشياء بعين الفنان المبدع.
لقد كانت البيئة العمانية حاضرة في أذهاننا ونحن نرسم شيئًا من تفاصيلها، نحن خرجنا من البيئة وتعلقنا بها كثيرًا، فلم يكن هناك شيء آخر يسلينا في يومنا بعد يوم طويل في المدرسة سوى دكان القرية أو الحارة التي نعيش فيها أو المزرعة التي كانت معبأة بالنخيل وأشجار الليمون.
في الإجازة الصيفية كان أغلبنا يعمل في المزارع إلى جوار الآباء والأجداد، وبعضنا كان يذهب إلى الكتاتيب لتعلم القرآن، لم تكن الإجازة انفصالًا عن الحياة بل كانت جزءًا مهمًا من رحلة عمل وبناء للشخصية الصغيرة.
كانت الحارة القديمة جزءًا من التكوين الشخصي لكل من عاش في أزقتها وبيوتها وكل تفاصيلها المختلفة، في زمن قديم كانت البيوت الطينية واحدة من أشكال المعمار والبناء والتشييد، ومع التمدن، تغيرت الحياة وهجر بعض الناس تلك البيوت ليسكنها سكان جدد، كانت الخفافيش تستوطن تلك الأبنية العتيقة، وعندما نعبر من جانبها في طريقنا إلى السوق، كان يحلو لنا إزعاجها، ثم الهروب بعيدًا عن مطاردتها.
عندما كان الأستاذ يطلب منا رسم شيء من البيئة، لم نكن نعجز عن الرسم؛ لأن البيئة هي جزء من تفاصيل حياتنا اليومية، كل شيء كان بسيطًا للغاية، فكانت الرسومات الطفولية رائعة بمستوى أطفال لم يتوقعوا يومًا أن تتغير نظرتهم إلى الحياة.
ورغم كل التمدن والازدهار، بقيت تفاصيل بيئة الحياة العمانية حاضرة في رسومات الكثير من الفنانين المعروفين في الوقت الحالي، كما هو الحال بالنسبة إلى المصورين الذين حققوا مراكز متقدمة في بعض المسابقات الدولية بسبب التقاطهم لشكل الجمال والخصوصية التي تتميز بها بيئة سلطنة عمان، إذ إن البيئة العمانية زاخرة بالكثير من المفردات الطبيعية الجذابة حتى يومنا هذا.
كانت هبطات العيد جزءًا من اهتمامات بعض الرسامين والمصورين، وكان الأطفال هم المحتوى الذي يسحر القلوب قبل العيون ببراءتهم وسعادتهم بحضورهم هذا المحفل السنوي، أما الأسواق العمانية فهي أيضًا لوحة أخرى مليئة بالجمال والتلقائية، باختصار هناك نماذج كثيرة تعج بها البيئة العمانية، حظيت باهتمام العالم، ومنها شكل الحرف اليدوية، والأزياء العمانية، والمفردات الطبيعية الساحرة كالجبال والأفلاج والأودية وغيرها.