الأمراض النفسية .. جبالًا صماء تحجب ضوء الشمس
الخميس / 16 / ربيع الثاني / 1447 هـ - 20:18 - الخميس 9 أكتوبر 2025 20:18
بعض الأمراض النفسية قد تولد في رحم الذات القديمة، وهذه العقد المظلمة ربما يكون لها تاريخ مزمن يعود إلى وقت الميلاد، فظروف النشأة وطريقة التعاطي مع الواقع، سواء كان ذلك منبعا للحرمان أو القسوة المفرطة، أو العيش في ظروف إنسانية صعبة، كلها قد تكون جبالًا صماء تحجب ضوء الشمس، ولا تتزحزح من مكانها بسهولة.
المعاناة النفسية قد تكون جزءًا من حياة بعض الناس، وهي من أصعب الأمور التي تؤثر على حيوية البشر وتفاعلهم مع المجتمع الذي يعيشون فيه بسلام، فكلما كانت الأمراض النفسية ذات 'حدة عالية ومعقدة التفاصيل'، كلما كان الانحراف عنها بعيدًا صعبًا للغاية.
لكن بعض الأمراض النفسية قابلة للعلاج والشفاء منها تمامًا، ولكنها تحتاج إلى وقت وإرادة حقيقية، ولذا تحاول العائلات بذل كل جهودها في سبيل إخراج بعض من أفرادها من 'دائرة الخطر النفسي' التي دفعت بعضًا من الأفراد إلى الخلاص من حياتهم بسبب أنهم كانوا يعانون أمراضًا نفسية قاسية.
قد يكون الحل الأول لهذه المشكلة هو الدعم المعنوي، والعمل على تخطي مرحلة الإحساس بالهزيمة من خلال اللجوء إلى الوسائل الحديثة المنقذة للأرواح الغارقة في لجة الألم والحزن العميق، ومن المؤسف أن يعيش الشخص وحيدًا مستسلما لكل أوجاعه راجيًا الخلاص منها بالموت فقط.
أعجبني قول قرأته للكاتب المصري الراحل د. أحمد خالد توفيق: 'كنت أظن أن الذي يحبني سيحبني حتى وأنا غارق في ظلامي، حتى وأنا ممتلئ بالندوب النفسية، حتى وأنا عاجز عن حب نفسي، سيحبني رغمًا عن هذا، ولكن لا، فلا أحد يخاطر ويدخل يده في جب البئر، الظلام لنا وحدنا'.
نلتقي كل يوم بوجوه عابسة وشخصيات مضطربة، وعقول تعشعش في ثناياها العصافير، ووجوه أخرى الهروب من أمامها هو السلامة التي تجنبنا الاحتكاك بهم أو الدخول معهم في نقاش حاد، نعلم بعده أننا قد وقعنا في فخ الخطأ، ويستلزم علينا التزام الصمت والانسحاب بهدوء تام.
'تميل النفوس للشخص السمح، الهيّن، اللين، ذو الروح المنبسطة الطيبة، الذي يحوّل الأمور الصعبة إلى يسيرة، الذي يبتعد عن العقد والتعقيد، ويشعر من حوله بأن الحياة أكثر رحابةً واتساعًا وسهولة، إذا سألتم يومًا فاسألوا الله أن يضع من أمثاله الكثير في دروبكم'، هكذا هي نظرة نيلسون مانديلا للبشر الذين كان يتمنى العيش إلى جانبهم.
الأمراض النفسية باتت في عالم اليوم منتشرة جدًا في جميع المجتمعات، بعض تلك الأمراض النفسية 'القاتلة' جاءت نتيجة الظروف القاسية، وبعضها جاء نتيجة التعرض للضغوطات الصعبة التي أوجدت حاجزًا وسدًا منيعًا أمام الانطلاق في رحاب الحياة ورؤية الأشياء بعين المتفائل.
في هذا الزمن يكثر 'الحسد' الذي يصنفه المختصون على أنه وجع عاطفي يختزل في النفس البشرية وينمو كفروع الشجر، وكثيرًا ما يتحول الإحساس الداخلي إلى ألم بدني يقض مضجع الحاسد بدرجات متفاوتة، ويشغل ذهنه ليل نهار، وعندما يكون الألم حادًا يكون الحاسد مستعدًا لفعل أي شيء لتقليل شعوره بالألم النفسي والجسمي، فيعبر عن ذلك من خلال اتباع سلوك معادي للآخرين كـ'نشر الشائعات المغرضة حول المحسود، وتتمنى زوار النعم التي بها'، كل ذلك بهدف تدميره أو زوال ما لديه من أشياء.
وفي بعض المرات تقودنا أقدامنا نحو أماكن لا نعرفها أو لا نرصدها بشكل واضح أو نتحدث عنها باستفاضة، وربما هي غائبة عن أذهاننا، إنها 'العيادات النفسية' التي تستقبل كما كبيرًا من المرضى على مدار العام، هذه العيادات منتشرة لكن لا نعرف عنها الكثير، فالطبيب النفسي لا يقل أهمية عن الطبيب العام، فهذا التخصص يحتاج إلى الكثير من المواصفات والدراسات التي تعين هذا المتخصص على تفكيك الكثير من البؤر والعقد النفسية، سواء التي ترسبت منذ سنوات في ذات المريض أو التي جاءت نتيجة صدمات عاطفية أو كردة فعل صادمة كنتيجة الفقد والخسائر والهزائم.
وبعضنا لا يفرق كثيرًا ما بين الإنسان الطبيعي والمريض النفسي الذي لا يمكن تصنيفه على أنه شخص 'مجنون' أو فاقد الأهلية حتى وإن كانت بعض تصرفاته غير مسؤولة أو متزنة نتيجة ما يعانيه من اختلال في المشاعر واضطراب في الأفعال، فالحالة النفسية للشخص المصاب بها يجب أن يكون لها معاملة خاصة تجعلنا نلتمس له الأعذار.
وإذا كنا نعتبر أصحاب النفوس الضعيفة هم مرضى نفسيين بسبب كمية 'الغيرة والحسد والبغضاء' التي يشحنون قلوبهم بها، فنحن نرى بأنهم بحاجة إلى علاج وإرشاد نفسي، وأغلب هذه الأعراض ناتجة عن عدم تقبل الأفضلية للآخر، وأحيانًا تأتي في جانب النقص الديني، وهنا نؤكد أنهم، لأنهم ليسوا مرضى بالمعنى الحقيقي الواضح، بل هم مرضى نتيجة الموقف الذي يضعون أنفسهم فيه ويحدثون أنفسهم عنه بشيء من العدوانية المتعمدة تجاه الآخرين.