الاستراتيجية العمرانية.. عُمان نحو مستقبل مزدهر للمناطق الحضرية والريفية
الجمعة / 10 / ربيع الثاني / 1447 هـ - 15:00 - الجمعة 3 أكتوبر 2025 15:00
أولت سلطنة عمان اهتمامًا بالغًا بالتنمية العمرانية، وقد تجسد هذا فيما تضمنته أول استراتيجية للتنمية بعيدة المدى من إدراك مبكر لأهمية البعد المكاني للتنمية الشاملة، تمثّل في العديد من الأهداف مثل توزيع الاستثمارات جغرافيًا، ودعم المراكز السكانية والمحافظة عليها، واستكمال هياكل البنية الأساسية، والاهتمام الكبير بالبيئة والمحافظة عليها.
وتعد الاستراتيجية العمرانية الإطار العام لتوجيه النمو العمراني خلال العشرين عامًا القادمة بما يحقق التوازن بين أبعاد التنمية الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، والتي تتجسد مكانيًا في التنمية العمرانية، لذلك تعد ممكنًا أساسيًا لتحقيق 'رؤية عمان 2040'، كما أنها تضمن تنافسية المدن وقدرتها على الصمود أمام المتغيرات المختلفة، وتتسق كذلك في أهدافها مع أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030 حيث كانت سلطنة عمان ولا تزال من ضمن الدول التي وقعت على الالتزام بتطبيق مبادئها في كافة الخطط والاستراتيجيات الوطنية.
وتمثل الاستراتيجية العمرانية على المستويين الوطني والإقليمي نتاجًا لمراحل عديدة من النهج التشاركي الذي اتسم بالتزامن لضمان التغذية الراجعة، وتحقيق التكامل فيما بينها، بالإضافة إلى التوافق مع 'رؤية عمان 2040' والتنسيق مع مختلف القطاعات الحكومية والخاصة والمؤسسات الأكاديمية، وبمشاركة مجتمعية واسعة للأخذ بتطلعات وآراء أصحاب العلاقة.
كما تعد الاستراتيجية الإطار العام لتحقيق التنمية العمرانية المستدامة بما يحقق التكامل ما بين التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية مع الحفاظ على الموروث البيئي والثقافي وبالتوافق مع الأهداف والأولويات الوطنية المتمثلة في 'رؤية عمان 2040'. ومن أهدافها تنمية متوازنة وعادلة تعزز الميزة النسبية والتنافسية للحواضر والمحافظات، وإقامة مجتمعات ممكنة تسهم في صياغة أولوياتها الاجتماعية والاقتصادية والبيئية وتعمل ضمن إطار اللامركزية الإدارية والاقتصادية، وتوفير نظام تسلسل هرمي للتجمعات السكانية بشكل فعّال يوجّه التنمية الحضرية المستدامة لاستيعاب النمو السكاني المتنامي ويوفر الخدمات والمرافق الأساسية، إلى جانب توفير وسائل نقل متنوعة وسهلة الوصول، متكاملة مع التنمية العمرانية، وبنية أساسية مستدامة عالمية المستوى، وإقامة مناطق حضرية وريفية وتراث طبيعي وثقافي يتميز بمرونة وقدرة عالية على التعامل مع المتغيرات المناخية.
وتتضمن الاستراتيجية 57 سياسة وطنية تتوزع على 7 محاور رئيسية، يتضمن المحور الأول الاستدامة والاستجابة لتغير المناخ والتكيف مع تغيراته والتخفيف من آثاره، ويشمل المحور الثاني تحقيق التنمية العمرانية الاستراتيجية تنمية متكاملة تستند إلى مقومات كل محافظة، أما المحور الثالث فيركز على تحقيق النمو الاقتصادي والازدهار الاقتصادي وتنمية إقليمية متكاملة تعزز الميزة النسبية للمحافظات. ويتضمن المحور الرابع إدارة البيئة والتراث الطبيعي والثقافي وإدارة وحماية مواقع التراث الثقافي والطبيعي، بالإضافة إلى إدارة الموارد الطبيعية وكفاءة الاستهلاك والاستخدام الأمثل للموارد وإنتاج الطاقة وكفاءة إدارة المياه والنفايات، وتوفير نظام نقل فعّال وبنية أساسية تتسم بالصمود والاستدامة.
وتسعى الاستراتيجية العمرانية إلى تحقيق تنمية عمرانية متوازنة، حيث يتم توجيه النمو في سلطنة عمان من خلال سلسلة من البوابات والمراكز، وسيؤدي ذلك إلى توجيه وتحقيق النمو الاقتصادي المستدام في المراكز المستهدفة وتوفير فرص العمل والخدمات والمرافق ومن ثم ضمان الاستقرار والحد من الهجرة الداخلية.
ومن أجل تحقيق التوازن بين حماية البيئة من جهة وعملية التنمية والتطوير من جهة أخرى، حدّدت الاستراتيجية العمرانية تصنيفًا تخطيطيًا جديدًا يضمن مستوى أعلى من الحماية للمناطق التي أنتج التفاعل بين الإنسان والطبيعة فيها طابعًا فريدًا على مر الزمن، ما أكسبها قيمة أحيائية وبيولوجية وطبيعية وتراثية ثقافية كبيرة.
ولتحقيق منظومة عمرانية مستدامة تم تصنيف التجمعات السكانية إلى عدة مستويات وفقًا للدور الوظيفي لها والقائم على العديد من الاعتبارات، ويرمي إلى إيجاد هرمية في توزيع الخدمات والأنشطة لتحقيق الفاعلية الاقتصادية والاجتماعية انطلاقًا من حقيقة أنه لا يمكن توفير مختلف الخدمات في كل التجمعات السكانية بشكل متساوٍ، بل لابد من تركيزها في مواقع معينة تكون ذات إمكانيات قادرة على تلبية احتياجات السكان في المناطق. ويتضمن هذا التصنيف توفير الفرص الاقتصادية المناسبة اللازمة من الأراضي للتنمية المستقبلية، بالإضافة إلى ضمان توفير البنى الأساسية والخدمات المجتمعية اللازمة في موقعها المناسب. وسينتج من تطبيق هذه السياسة استقرار النمو السكاني في المحافظات، وتعزيز التنمية وتوفير فرص العمل وتقليل الضغط على المراكز الحضرية الكبرى.
وتأتي المدن الكبرى أعلى التسلسل الهرمي للتجمعات السكانية في سلطنة عمان، وجاء تطويرها ضمن الاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية استجابة للأدوار الوظيفية المهمة التي ستؤديها البوابات الاقتصادية والمراكز الوطنية كمحركات رئيسية للتنمية بما يمكّنها من توفير فرص العمل وتوفير البنية الأساسية اللازمة لدفع عجلة النمو. وسيتطلب النمو الاقتصادي والسكاني الكبير الذي ستشهده هذه المدن توسعة احتوائها الحضري بحيث تتكامل مع التجمعات المجاورة لها، والذي بدوره يؤدي إلى نشوء مدن كبرى، الأمر الذي يمكّنها من توفير خدمات عالية الجودة، ويؤهلها لتكون مراكز للابتكار والإبداع والتعليم المتقدم، وتضم مختلف القطاعات التي تقدم خدماتها لنطاق أوسع من المناطق الحضرية والريفية.
وتوجّه الاستراتيجية العمرانية الاستغلال الأمثل للأراضي والمباني للأنشطة الاقتصادية المختلفة ضمن مجموعات الأعمال في البوابات والمراكز، الأمر الذي سيمكن من تحقيق النمو والازدهار على مستوى جميع المحافظات.
ويعد حماية البيئة وتعزيزها من الأهداف الرئيسة للاستراتيجية العمرانية، وقد تم تحديد المحميات القائمة والمقترحة لما تزخر به من مقومات بيئية متميزة من أجل إعطائها الاهتمام الكافي وحمايتها لتحقيق الاستدامة التي ترمي إلى الاستجابة للمتطلبات الحاضرة مع الاحتفاظ بحق الأجيال القادمة في الحصول على احتياجاتها.
ويشمل نطاق إدارة المناطق الساحلية سواحل سلطنة عمان بأكملها باعتبارها منطقة حيوية وجاذبة للكثير من الأنشطة، الأمر الذي يستدعي الإدارة المتكاملة لها بما يضمن التنسيق بين مختلف المتطلبات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. وتعد مناطق التخطيط الساحلية ذات الطبيعة الخاصة تصنيفًا تخطيطيًا جديدًا للمناطق التي تضم أهم الموارد والمقومات البحرية والساحلية المهمة، وتتطلب تطوير إطار عمل دقيق لتوجيه التنمية وضمان حسن إدارة الموارد الفريدة للأجيال الحالية والمستقبلية.
وتسعى الاستراتيجية العمرانية إلى حماية وتثمين أصول التراث الثقافي بما يتماشى مع متطلبات التخطيط العمراني والاجتماعي والاقتصادي المستدام، وإلى صياغة إطار تنظيمي لحمايتها وترميمها، وتحديد إمكانيات إعادة استثمارها وإدارتها، والحفاظ على الهوية العمانية من خلال إدماجها في عمليات التنمية العمرانية على اختلاف مستوياتها. كما تسعى إلى تحقيق نظام نقل متكامل ومستدام وفعّال ومتقدم تقنيًا يعزز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويعزز القدرة التنافسية على المستويين الإقليمي والدولي، ويعزز وسائل النقل البديلة للتنقل للأفراد والبضائع، إلى جانب تطوير بنية أساسية خضراء ومبتكرة تضمن أن تكون المصادر المتجددة لتوليد الطاقة وإمداداتها في طليعة جميع الخدمات، وأن تكون شبكات البنية الأساسية في المناطق الحضرية والريفية متاحة.
ويتم متابعة وتقييم تنفيذ الاستراتيجية العمرانية الوطنية كل خمس سنوات بناء على قياس مؤشرات الأداء الرئيسية المرتبطة بالسياسات والغايات المستهدفة، كما يتم إجراء تقييم شامل كل عشر سنوات حيث يتم تقييم جميع السياسات والإجراءات والأهداف وتحديثها بناء على البيانات السكانية والاقتصادية والإحصاءات المحدّثة. كما تتم المتابعة والتقييم على فترات مختلفة حسب اختلاف وتيرة النمو السكاني والاقتصادي في المحافظات ذات النمو السكاني والاقتصادي المتسارع مثل مسقط وجنوب وشمال الباطنة وظفار.
وتوفر الاستراتيجية معايير التخطيط الوطنية من خلال توفير أدوات تخطيطية ملائمة لتصنيف وتحديد وتنظيم استخدامات الأراضي وتوفير الأدوات التنظيمية للتطوير المستقبلي، وتوجيه وضبط الاستخدامات لضمان الصحة العامة والاستقرار للمقيمين والزوار، إضافة إلى حماية قيمة الممتلكات والأراضي ومناطق التخطيط ذات الطبيعة الخاصة بما يضمن جودة الحياة، وتنظيم وتحديد ارتفاع وحجم المباني والمنشآت الأخرى، وتسهيل توفير المرافق والخدمات العامة وضمان سهولة الوصول إليها، وتعزيز ترابط التجمعات السكانية وسهولة الوصول إلى النقل العام مع ضمان سهولة الحركة والأمان.