هواجس متقاعد «حديثا»
عبد الرحمن بن علي الحكماني
الخميس / 9 / ربيع الثاني / 1447 هـ - 19:54 - الخميس 2 أكتوبر 2025 19:54
بعد سنوات من العمل، جاء وقت التقاعد، «الذي لا مفر منه». جاء من المجهول ليضيف شيئًا جديدًا إلى حياتي.
في الأيام الأولى كانت الهواجس تتشابك مع بعضها البعض: حزن على الرحيل، وخوف من النسيان، وقائمة طويلة من متطلبات الحياة بعد أن تم خصم جزء من الراتب الشهري، وتفكير عميق في تغير أحوال كثيرة لم أكن أدرك ثقلها مثل الآن.
لن أخفِ حزني بخروجي من صفوف العاملين وانخراطي الجديد في دفة المتقاعدين. القانون يبقى هو القانون، يُطبق علينا جميعًا، وورقة الخروج من العمل تسبق خطواتنا من الأماكن التي عملنا فيها لسنوات طويلة.
تقول مواد القانون: إن الموظف الذي بلغ عمره الستين عامًا عليه أن يغادر المكان الذي يشغله بـ «التقاعد» جبرًا وليس اختيارًا، ويترك مكانه لشخص يأتي بعده ليكمل المسيرة.
منذ فترة، التقيت بأحد الزملاء السابقين الذي لا يزال على رأس عمله، سألني عن التقاعد، وكيف أقضي وقتي؟ أحسست من نظراته وملامح وجهه أنه ينتظر مني أن أفرغ ما في قلبي من شجن أو عتب على بعض الذين انقطع تواصلهم معي بمجرد علمهم بخروجي تحت مظلة «الأشغال اليومية».
ولكن «خاب ظنه». حاولت أن أعطيه شيئًا مختصرًا، غير محبط أو متشائم، أخبرته بأن التقاعد تجربة أخرى ليست صعبة وليست بسيطة، مدللًا على حديثي بأن مرحلة التقاعد تأتي على شاكلة استعداد الطالب للامتحان.
لم يعجبه حديثي، فهو كان يتوقع أن أعرض عليه الكثير من المشكلات التي تواجه أي متقاعد عن العمل، لكن اختصار الأشياء في نقاط جعله يولي مدبرًا دون أن يأخذ شيئًا من حديثي للأخرين في عمله، عندما يحدثهم بأنه قد التقى بزميل متقاعد وحدثه بكذا وكذا.
هذه النقطة التي أركز عليها في هذا المقال: وهي ما الذي يريد أن يسمعه أو يعرفه عنك الناس؟
باختصار، هم بحاجة إلى سماع كل شيء يجعلهم يشعرون بالمعرفة، وأيضًا يعزز لديهم حب الفضول والتدخل فيما لا يعنيهم. إن قلت «حسنًا» من القول، ساءهم ذلك، وإن أسردت لهم جزءًا من معاناتك، أظهروا لك بأنهم متضامنون معك، لكن أغلبهم وجد شيئًا يتحدث فيه عن الغير!
لنذهب بعيدًا عن ذلك. لدي قناعة تامة بأن التقاعد ليس هو الموت، وإن كان كلاهما سيمر على الموظف «جبرًا» وليس اختيارًا. مع التأكيد على أن «الموت» ليس كله شقاء، فلسفيًا يقال: «إن الموت ليس هو خسارتنا الكبرى في الحياة، بل هو النهاية الحتمية والطبيعية للرحلة الحياة، فقد يكون رحمة من الله على الإنسان». كذلك التقاعد قد يكون «بداية مرحلة هدوء وسكينة بعيدًا عن ضغوطات العمل اليومية».
في عزلة نفسية، وأنا أقلب بعض المواقع الإلكترونية، استوقفني قول لم أتوصل إلى كاتبه، رغم أني بحثت عنه طويلاً، وبسبب تناثره بين المواقع لم أستدل إلى القائل الأصلي. وهذا القول هو لسان حالي الآن:
«يعلمك الغياب قيمتك عند الناس.. وتعلمك الأيام حقيقة العلاقات.. فتفضح المسافة مدّعي المودة.. ويفضح الزمن صدق العلاقات.. فمن لا يعنيه غيابك؛ لم يكن يعنيه وجودك من البداية.. المجاملة والادعاء عمرها قصير.. مهما طالت».
ولذا أؤكد على أن الغياب كفيل بأن يوضح لك مشاعر الآخرين تجاهك. ستعلم بأن ليس كل قريب منك كان يحبك، وليس كل كلمة جميلة قيلت لك في وقت ما كانت صادقة من القلب، وليس كل ابتسامة تدل على النقاء الذي كنت تظنه.