عمان اليوم

"مؤتمرالقطاع الصحي" يناقش صياغة تشريعات تتواءم مع التحول الرقمي وتعززجودة الرعاية

تنظيم محكمة صورية تعكس واقع التحديات القانونية

 

انطلقت اليوم فعاليات مؤتمر 'القطاع الصحي في ضوء التشريعات والتحول الرقمي المعاصر: رؤية محلية وتجارب عالمية' الذي تنظمه كلية عُمان للعلوم الصحية بالكلية العسكرية التقنية ويستمر على مدار يومين، برعاية سعادة عيسى بن حمد العزري أمين عام المجلس الأعلى للقضاء، وبمشاركة نخبة من الخبراء والمتخصصين من داخل سلطنة عمان وخارجها.
يتضمّن المؤتمر خمس جلسات علمية رئيسية، إلى جانب حلقات عمل متخصصة في الجوانب القانونية للمسؤولية الطبية والمسؤولية القانونية للمتدربين الصحيين، كما يشهد تنظيم محكمة صورية تعكس واقع التحديات القانونية في القضايا الصحية الرقمية، ويأتي المؤتمر لمراجعة السياسات الحالية واستشراف أطر قانونية جديدة تتواءم مع المتغيرات العالمية و'رؤية عُمان 2040'، كما يناقش التحديات الأخلاقية في الرعاية الصحية الرقمية، إضافة إلى تعزيز الحوكمة المؤسسية، واستلهام التجارب الدولية والإقليمية.
وتحدث عبدالعزيز بن راشد الشافعي رئيس اللجنة المنظمة للمؤتمر خلال كلمته: إن المؤتمر يجمع بين القانون والتقنية والصحة في رؤية واحدة تسعى للارتقاء بالكفاءة وجودة الأداء، موضحا أن كلية عمان للعلوم الصحية تبنت هذه المبادرة إيمانًا منها بدورها في صناعة المعرفة وبناء القدرات، وفتح آفاق الحوار نحو مستقبل يواكب التحول الرقمي ويستند إلى تشريعات رصينة، ودعا المؤسسات المختصة لاعتماد هذه الفعاليات ضمن برامج التعليم المستمر، لما تحمله من أثر في تطوير الكفاءات، ليس في الصحة والقانون فحسب، بل في مختلف القطاعات.
التحول الرقمي الصحي
وقدمت الدكتورة سهام بنت سالم السنانية الرئيسة التنفيذية للمدينة الطبية الجامعية خلال الجلسة الحوارية رؤية استراتيجية حول التحول الرقمي الصحي وأبعاده الوطنية، وذلك تقديرًا لما تمثله المدينة من خبرة متراكمة ورؤية استراتيجية في رسم ملامح التحول الرقمي الصحي في سلطنة عمان والمنطقة، وسلطت على ثلاث محاور محورية تمثل مرتكزات استراتيجية للقطاع الصحي الرقمي، وهي محور توطين التقنيات الطبية وتعزيز الابتكار من خلال تبني الذكاء الاصطناع في التشخيص، واستخدام الجراحة الروبوتية، والصيدلة الرقمية، وإطلاق وحدة تحضير المحاليل الوريدية المركزية كمنصة صيدلانية رقمية تعزز سلامة المرضى، إضافة إلى محور دعم البحث العلمي التطبيقي وصناعة السياسات المبنية على البيانات عبر إنشاء منصات وطنية للبحوث والبيانات الصحية، وإطلاق برامج بحوث سريرية في مجالات دقيقة مثل العلاجات المناعية والخلوية، بما يضمن أن تتحول المعرفة إلى قرارات وسياسات وطنية فعّالة.
واستعرضت محور الرؤية المستقبلية لمدينة طبية جامعية ذكية ومستدامة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتحليلات التنبؤية، وتدار بموارد مستدامة تواكب مبادئ الاقتصاد الأخضر، تسهم في جعل سلطنة عُمان مركزًا إقليميًا للطب الأكاديمي والابتكار الصحي.
وأكدت الدكتورة سهام أن التحول الرقمي ليس هدفًا تقنيًا بحتًا، بل وسيلة لإعادة تعريف مفهوم الصحة ورافعة للتنمية الوطنية وضمان للأمن الصحي والإنتاج المعرفي في إطار من الابتكار والاستدامة، ومحركًا للتنمية الاقتصادية، مشيرة إلى أن المدينة الطبية الجامعية تجسد نموذجًا وطنيًا متكاملًا يجمع بين الرعاية الصحية والتعليم الطبي والبحث العلمي، بما يعزز مكانة عمان في مشهد الصحة الرقمية إقليميًا وعالميًا.
التحديات الرقمية
وعن أبرز التحديات الرقمية التي تواجه القطاع الصحي أفاد الدكتور سالم بن عبدالله السالمي مدير برنامج إدارة المعلومات الصحية من كلية عمان للعلوم الصحية أنها تكمن في البنية الأساسية الرقمية، حيث أوضح أنه لابد تكثيف الجهود في تطوير البنية الأساسية الرقمية للوصول إلى الرعاية الصحية الرقمية المتكاملة والربط المتكامل بين مقدمي الرعاية الصحية، والاستراتيجية الوطنية للصحة الرقمية التي سوف يكون لها دور كبير في عملية التغلب على هذا التحدي من خلال إنشاء برنامج متخصص لتطوير الأساس الرقمي الصحي في القطاع.
وأشار السالمي إلى أن التوصيات التي يخرج بها المؤتمر من المؤمل أن يتم من خلالها التعرف على الفجوات الممولة حاليا في الأنظمة التشريعية ووضع المقترحات لسدها.
أوراق العمل
افتتح المؤتمر بجلسة عامة بعنوان 'التحول الرقمي في القطاع الصحي: إنجاز اليوم..رؤية الغد'، تلتها جلسات حول الإطار التشريعي والتحولات الرقمية، كما تضمن المؤتمر ورقة عمل بعنوان الحوكمة الصحية في ظل الممارسات الرقمية.
كما تضمن المؤتمر معرض مصاحب يشارك فيه عدد من المؤسسات والشركات الرائدة في مجالات الصحة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء الطبية، بهدف تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتحفيز الابتكار بما يتوافق مع التشريعات الوطنية.
تجربة بلجيكا
واستعرضت الدكتورة إلهام لطيفي استاذ مساعد من المعهد العالمي للتجديد العربي بلجيكا ورقة عمل بعنوان الأطر الأخلاقية للوساطة الثقافية في الصحة الرقمية البلجيكية من التطيب عن بعد إلى الرؤية الاستشرافية، وأن النظام الصحي البلجيكي تحولاً رقمياً متسارعاً عبر اعتماد السجلات الطبية الإلكترونية، التطبيب عن بُعد، وتطبيقات الصحة الذكية (mHealth) والذكاء الاصطناعي، ما يفتح آفاقاً واسعة لتحسين جودة الرعاية وتوسيع الوصول، لكنه يثير في المقابل تحديات أخلاقية تتعلق بالخصوصية والعدالة الرقمية والموافقة المستنيرة، موضحة بأنه في ظل التعدد اللغوي والثقافي في بلجيكا، تبرز الوساطة الثقافية كآلية أساسية لضمان شمولية الخدمات الرقمية، إلا أن الانتقال إلى الفضاء الافتراضي يفرض على الوسطاء تحديات جديدة تقنية وتواصلية وأخلاقية، كما قارنت في ورقة عملها بين التجربتين البلجيكية والعُمانية؛ حيث تتقدم بلجيكا تشريعياً ومؤسساتياً، بينما تعمل سلطنة عُمان ضمن 'رؤية عُمان 2040'عبر نظم مثل Al Shifa وTarassud+، وتشير المقارنة إلى أن بلجيكا تقدم خبرة تقنية متطورة، فيما تستند سلطنة عُمان إلى تجذر مجتمعي قوي، ما يفتح المجال لشراكات ثنائية تعزز العدالة والشمول في الصحة الرقمية عربيًا وأوروبيًا.
وقال أحمد المجيني مشرف إدارة معلومات صحية من وزارة الصحة: إن المؤتمر يهدف إلى ترسيخ دور التشريعات الوطنية والعالمية ودورها في التحول الرقمي في المجال الصحي، حيث تناول جلسات حوارية ناقشت فوائد إدخال الذكاء الاصطناعي في المجال الصحي، مشيرا إلى أهمية أن تكون هناك قوانين مشرعة تحمي انتهاك المعلومات الصحية لمتلقي الخدمة الصحية، وطرح عددا من المشاريع المشتركة بين القطاعات والتي سوف تساهم بدورها بتذليل التحديات التي من الممكن حدوثها مستقبلا وتسهم في تسهيل دورة حياة متلقي الخدمة في المجال الصحي.
وأفادت شهد الرواحية محامية ومشاركة في المؤتمر: التعايش المجتمعي مع التقنية لابد من أن يستند فيه المجتمع على كتف تنظيمي وقانوني واضح وذلك لن يتأتى إلا بضرورة تعديل المنظومة التشريعية بما يتناسب وسرعة التحول الرقمي، ولذا لابد من معالجة النظام التشريعي لنتمكن من مواكبة العصر التقني فمن خلال التحاور والنقاش المعروض في الجلسات نستشف ضرورة إيجاد نصوص قانونية تحقق التوازن بين حماية خصوصية الأفراد في ظل هذا التطور.
ويُنتظر أن يخرج المؤتمر بتوصيات عملية تدعم صياغة سياسات وتشريعات وطنية مرنة، تسهم في تعزيز جودة الرعاية الصحية وضمان سلامة الممارسات الرقمية، بما يواكب التحول الرقمي المتسارع ويلبي تطلعات سلطنة عمان في بناء منظومة صحية متطورة ومستدامة.