«تجاوب» تعزز جسور التواصل بين المواطن والحكومة للارتقاء بالخدمات
السبت / 4 / ربيع الثاني / 1447 هـ - 16:58 - السبت 27 سبتمبر 2025 16:58
كتب ـ سهيل بن ناصر النهدي
تكرس سلطنة عمان جهودها الرامية إلى بناء مزيد من جسور التواصل بين الحكومة والمواطنين، سعيا إلى تحسين مستوى الخدمات العامة، والرقي بها وتحقيق مبدأ الشفافية في التعاطي مع كافة الجوانب المتعلقة بخدمة المواطنين، والوقوف على احتياجاتهم، وضمان تسخير الجهات لتقديم خدمات سهلة وميسرة.
وتأتي المنصة الوطنية (تجاوب) للمقترحات والشكاوى والبلاغات، لتكون واحدة من ضمن حزمة مبادرات لتحقيق مزيد من التواصل بين المجتمع والحكومة، وتوفر جسر تواصل يستطيع من خلاله المواطن تقديم الشكاوى والمقترحات والبلاغات.
ودشنت وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، مؤخرا التطبيق الإلكتروني لمنصة تجاوب، الذي يوفر مميزات تحديد الموقع الجغرافي للملاحظة والبلاغ، وتقديم الطلبات بسهولة وسرعة، وتقييم تفاعل المؤسسة مع الطلب وإرفاق الملفات الداعمة وشمولية أكبر لضمان الوصول لجميع فئات المجتمع بما فيهم ذوي الإعاقة ويوفر التطبيق إشعارات فورية لمتابعة أي تحديث في الطلب.
وعبر عدد من المواطنين عن ارتياحهم من وجود (المنصة)، داعين إلى استغلالها بالطريقة المثلى التي تتماشى مع الأهداف الوطنية التي أنشئت من أجلها، في تحقيق النزاهة والشفافية والتواصل مع المؤسسات الخدمية، التي تتعامل مع المواطنين والمراجعين بشكل مباشر.
ترسيخ الشراكة
وأكدت ميمونة بنت موسى الوهيبية كاتبة ومدربة في التنمية والتحفيز على أن منصة تجاوب، تعد خطوة استراتيجية في ترسيخ مفهوم الشراكة الحقيقية بين المواطن والمؤسسات الحكومية، عبر فتح قناة مباشرة وشفافة للتواصل وتبادل الآراء والمقترحات وحل الشكاوى، هذا الدور يعزز من مبدأ الفريق الحكومي الواحد، حيث تعمل مختلف الجهات وفق رؤية موحدة، يساند بعضها البعض في خدمة المواطن، بما يعكس قيم التكاتف والانسجام بين الحكومة والمجتمع، المنصة بذلك تمثل جسرًا حيًا يربط المؤسسات بآمال المواطن وتطلعاته.
وقالت الوهيبية: إنه يمكن الاستفادة من المنصة في تعزيز الأداء في المؤسسات عبر رصد الملاحظات والتحديات التي يواجهها المواطن، وتحويلها إلى خطط عمل واقعية لتحسين الخدمات، وكذلك في تعزيز الابتكار عبر استقبال مقترحات تطويرية قابلة للتطبيق من مختلف المستويات المعرفية والكفاءات للأفراد سواء المواطنين أو المقيمين الذين بدورهم قد يرفدون المنصة بأفكار إبداعية مبتكرة وتجارب خارجية تم تطبيقها وإثبات نجاحها مسبقا.
وأشارت إلى أنه يمكن عبر استبانات دورية لقياس مستوى الرضا المجتمعي عن أداء المؤسسات، ما يتيح مؤشرات دقيقة لتحسين جودة الخدمات وتحفيز المؤسسات للتنافس البناء وتحقيق أعلى نسب الأداء، ويمكن للقطاع الخاص الاستفادة منها باعتبارها أداة لقياس انطباعات المستفيدين عن مستوى التكامل بين القطاعين الحكومي والخاص بالتالي ضمان نمو وتطور أكبر وتنوع أشمل في القطاعات الاقتصادية التي يتطلبها المجتمع الاقتصادي والاجتماعي المحلي.
وأكدت أن الرسالة من إنشاء هذه المنصة سامية ومقدرة من الأفراد والمجتمع وهي تحمل معاني ذات أبعاد أهمها أن المواطن هو محور التنمية، ومن واجب المؤسسات والموظفين التعامل مع كل بلاغ أو مقترح بروح المسؤولية الوطنية، وأن يدرك الجميع أن تجاوبهم يعكس صورة الحكومة بأكملها وأن الحكومة تريد أن يكون المواطن شريكا فاعلا في بناء الوطن وخدمته، وأن يرى بالأدلة الواضحة أن صوته مسموع ورأيه محل اهتمام وتقدير.
وأوضحت أنه يمكن القول: إن الجهود الحكومية تمضي بخطى واثقة، إذ سخرت كافة السبل التقنية والتشريعية والإدارية لتقديم خدمات ترتقي إلى طموحات المواطن، وإطلاق منصة تجاوب في الجلسة الثالثة من ملتقى معا، هو دليل عملي على التوجه نحو حكومة رقمية متكاملة تسعى لتسريع الإنجاز ورفع مستوى الشفافية والتكاملية بين المواطنين والحكومة واضعين نصب أعيننا أن تكون عمان في مصاف الدول المتقدمة.
عدالة الخدمات
من جانبه قال ناصر بن محمد بن سيف الجابري رجل أعمال: إن المنصة الوطنية (تجاوب)، خطوة لتعزيز ثقافة الشراكة بين الحكومة والمجتمع، وتحمل في طياتها العديد من المفاهيم الساعية إلى تحقيق العدالة في تقديم الخدمات.
وأوضح الجابري أن رجال الأعمال يستفيدون من هذه المنصة لتقديم مقترحاتهم في تطوير العمل الحكومي، والسعي نحو التطوير والرقي بالخدمات، وتحقيق شراكة مجتمعية بين كافة الأطراف.
ودعا الجابري إلى ضرورة الاستفادة من وجود المنصة، عبر الإسهام في أفكار مبتكرة تخدم تطوير العمل والرقي بها.
وأكد على أن المستقبل يضع مسؤوليات لدى الجميع مواطنين ومؤسسات، للنهوض بالعمل والإسهام بالفكر من أجل خدمة الوطن، وتطوير العمل الخدمي في البلاد.
سرعة الاستجابة
من جانبها أكدت خضيرة بنت حمد الغدانية عضو جمعية الاجتماعيين العُمانية أن تقييم الجهود التي تبذلها الحكومات في خدمة المواطنين يرتبط بعدة جوانب أساسية، من أبرزها مدى قدرتها على تحقيق التوازن بين الكفاءة والعدالة في تقديم الخدمات، كما يتوقف التقييم على مدى مواكبة هذه الجهود للتطورات التكنولوجية الحديثة، بما يضمن سرعة وجودة الاستجابة لاحتياجات المواطنين. وإلى جانب ذلك، يظل مدى فاعلية الحكومة في معالجة الشكاوى وتلبية متطلبات المجتمع بشكل مستدام مؤشرًا مهمًا على نجاحها في تعزيز ثقة المواطن بخدماتها.
وقالت: إنه يمكن تطوير المنصة من خلال التوسّع في آليات التواصل مع المواطنين، وذلك باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتسريع الاستجابة وتحسين دقة الخدمات. كما يمكن تعزيز مبدأ الشفافية عبر نشر تقارير دورية علنية تكشف مستوى الإنجاز ونسب الاستجابة، الأمر الذي يسهم في كسب ثقة المواطنين ورفع مستوى رضاهم.
ومن جانب آخر، يُمكن تحقيق التكامل التقني عبر ربط المنصة بتطبيقات وخدمات حكومية مختلفة، مع توحيد قاعدة البيانات لتمكين المواطن من متابعة جميع معاملاته بسهولة وفي مكان واحد. كما يمكن إضافة خدمات استباقية، مثل تنبيه المواطن بانتهاء صلاحية وثائقه الرسمية، أو تزويده بآخر القوانين والمراسيم الصادرة ذات العلاقة.
وأوضحت الغدانية أنه يمكن توسيع قنوات التفاعل عبر توفير خاصية البث المباشر والتواصل المرئي للحالات الخاصة التي تتطلب متابعة مباشرة، مع الحرص على تسهيل الوصول لكبار السن، ومتحدثي لغة الإشارة، والمكفوفين، لضمان شمولية الخدمة وعدالتها لجميع فئات المجتمع.
فلسفة جديدة
من جانبها قالت فاطمة بنت عامر العمرية مختصة في الشان الاجتماعي: إن منصة «تجاوب» تمثل تحولا جذريًا في فلسفة الحكومة، حيث تنتقل من مفهوم البوابة الإلكترونية التقليدية إلى تجسيد رؤية جديدة تضع المواطن في صميم اهتمامات الدولة، وإنها رسالة حكومية واضحة مفادها أن صوت المواطن هو البوصلة التي توجه التطوير، وأن مقياس النجاح الحقيقي للأداء الحكومي يكمن في مدى رضا المواطنين، ولم يعد التجاوب مع الناس خيارا، بل أصبح أساس الواجب الوظيفي والمسؤولية الوطنية.
وأكدت أن توجه الحكومة من خلال المنصة يتمثل في ثلاث رسائل محورية للقطاع العام: الأولى هي ترسيخ مبدأ المسؤولية والمساءلة، معلنةً نهاية عصر العمل البيروقراطي الذي كانت فيه شكاوى المواطنين ومقترحاتهم تُهمل، وتفرض المنصة آلية موحدة ومراقبة تضمن وصول صوت المواطن إلى صانع القرار، وتجعل كل مسؤول وموظف مسؤولا بشكل مباشر عن الاستجابة بجدية وفعالية.
أما الرسالة الثانية، فتتمثل في اعتبار المنصة أداةً استراتيجية للتطوير الحكومي، فلم تعد «تجاوب» مجرد قناة للشكاوى، بل هي مصدر غني بالبيانات التي تمكّن من قياس الأداء وتحديد نقاط الضعف، حيث إن كل شكوى هي فرصة لتصحيح مسار، وكل مقترح يحمل في طياته بذرة للابتكار؛ إنها دعوة صريحة لتبني ثقافة التحسين المستمر القائم على التغذية الراجعة من المستخدمين الفعليين للخدمات الحكومية.
والرسالة الثالثة والأكثر عمقًا تؤكد على تعزيز ثقة المواطن في الجهاز الحكومي؛ فالهدف الأسمى هو بناء علاقة متينة من الثقة بين المواطن والدولة؛ فعندما يرى المواطن أن صوته مسموع، وأن شكواه تُعالج بشفافية، وأن مقترحاته تتحول إلى واقع، يتعزز شعوره بالانتماء والمواطنة الفاعلة، إذ أن كل تفاعل سريع وإيجابي عبر المنصة هو استثمار مباشر في رأس المال الاجتماعي للدولة، ولبنة أساسية في صرح الثقة التي لا تقدر بثمن.
وأوضحت أنه لكي تحقق منصة «تجاوب» أهدافها في بناء علاقة مثمرة بين الحكومة والمجتمع، لا بد من وجود التزام متبادل، حيث يلعب المستخدم دورًا محوريًا كشريك أساسي في عملية التطوير الحكومي، ويتطلب هذا الدور التحلي بمسؤوليات تضمن فعالية المشاركة وجديتها، كما يجب التحلي بالصدق والأمانة: حيث لابد من تجنب المبالغة أو تقديم معلومات مغلوطة، بل الدقة والموضوعية. ويتوجب على المستخدم تقديم الحقائق المدعومة بالأدلة والإثباتات، مثل المستندات والصور.
وأضافت: إنه من الأهمية تقديم الحقائق بدلا من الانطباعات الشخصية: هذا النهج يسهّل على الجهات الحكومية التحقق من المشكلة ويسرّع من عملية اتخاذ الإجراءات اللازمة. وتجنب المبالغة أو المعلومات المغلوطة يعززان من مصداقية المستخدم والمنصة على المدى الطويل، ويمنعان إهدار الموارد في التحقق من بيانات غير صحيحة، كما أنه من الضروري تبني لغة بنّاءة تركز على الحلول وليس فقط الشكوى، حيث إن الهدف من المنصة هو الإصلاح والتطوير، وليس التنفيس عن الغضب، كما يجب الابتعاد تمامًا عن التجريح أو الإساءة للموظفين، حيث إن اقتراح حلول عملية، يحوّل المستخدم من ناقد إلى شريك فاعل في إيجاد الحل، واستخدام لغة احترافية ومحترمة حيث يجب الابتعاد تمامًا عن لغة التجريح أو الإساءة الشخصية للموظفين أو المسؤولين؛ فالحفاظ على حوار راقٍ يعكس جدية المستخدم ويضمن أخذ مشاركته على محمل الجد.
تعزيز الثقة
من جانبها أكدت حليمة بنت عوض المعنية أخصائية اجتماعية أن منصة «تجاوب» تمثل نقلة نوعية في تعميق جسور التواصل بين المؤسسات الحكومية والمواطنين. والأهمية التطبيقية لهذه المنصة تكمن أولا في تعزيز الثقة المتبادلة؛ فالمواطن حين يجد أن ملاحظاته أو شكاواه ومقترحاته واستفساراته تصل بشكل مباشر إلى الجهة المعنية وتجد استجابة فعلية؛ فإن ذلك يرسخ قناعته بجديةِ المؤسسات الحكومية وحرصها على خدمته.
ومن جهة أخرى؛ فإن المنصة تُعد وسيلة عملية لتحسين الخدمات ورفع كفاءتها، إذ تتيح للجهات الحكومية الاطلاع على مواضع القصور كما يراها المستفيدين – المواطنين - وبالتالي مساعدتهم على تطوير الأداء الحكومي. إلى جانب ذلك، فإنها تعزز مبدأ الشفافية والمساءلة، كونها قناة واضحة ومعلنة وموثوقة تجعل المواطن شريكًا في مراقبة جودة الأداء.
وقالت المعنية: إن المنصة تسهم في تفعيل المشاركة المجتمعية؛ فهي لا تقتصر على استقبال الشكاوى، بل تمنح المواطنين فرصة لتقديم مقترحات وحلول، وهو ما يعكس وعيًا متزايدًا بدورهم في الشأن العام. ولا يقل أهمية عن ذلك ما توفره المنصة من تسهيل الوصول للجهات الحكومية إلكترونيًا، بما يوفر الوقت والجهد ويقلّل من الأعباء.
وبينت أنه يمكن النظر إلى المنصة باعتبارها قاعدة بيانات مجتمعية حية، تتيح لصنّاع القرار التعرف على أبرز التحديات والتطلعات، بما يساعد على صياغة سياسات أكثر واقعية وفاعلية.
وأكدت أن استفادة المواطن من منصة «تجاوب» تكمن في استخدامها بوعي ومسؤولية، عبر رفع الشكاوى والمقترحات بشكل موضوعي ودقيق، مما يضمن وصول صورة واضحة للجهات المعنية. كما يمكن للمواطن أن يسهم في تطويرها من خلال التفاعل المستمر وتقديم تغذية راجعة حول سهولة الاستخدام وجودة الاستجابة، إضافةً إلى نشر ثقافة الاستفادة منها في محيطه الاجتماعي الواقعي وكذلك الافتراضي من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. وبذلك، لا يقتصر دور المواطن على كونه مستفيدًا، بل يصبح شريكًا فاعلاً في تحسين أداء المنصة، وضمان استمرارها كجسر حقيقي للتواصل بين المجتمع والمؤسسات.