أوروبا فقدت حليفا عظيما واحدا.. فهل تستطيع تحمُّل أن تكون في مرمى نيران اثنين؟
الثلاثاء / 30 / ربيع الأول / 1447 هـ - 22:01 - الثلاثاء 23 سبتمبر 2025 22:01
لعقود كان الاتحاد الأوروبي يتبع خطى الولايات المتحدة في كل ما يتعلق بالصين. لم يعد هذا ممكنًا اليوم، فيما تبدو بكين منشغلة بأولويات أخرى.
لقد فقدت أوروبا بوصلتها مع واشنطن، لكنها أيضًا تائهة في علاقتها مع الصين، محاصَرة بين قوى متعارضة تدفعها وتشدّها في اتجاهات مختلفة.
كانت سياسة أوروبا تجاه الصين انعكاسًا مباشرًا لنهج الولايات المتحدة. فعندما حاول باراك أوباما في عام 2011 أن يدير بوصلته نحو آسيا ثم فشل، بعد أن ابتلعته أزمات الشرق الأوسط، أقنع الأوروبيون أنفسهم بأن علاقتهم بآسيا يمكن أن تبقى اقتصادية في جوهرها، على أن يُترَك ملف الأمن في مرتبة ثانوية.
ورغم تصاعد التوترات في بحر الصين الجنوبي وشبه الجزيرة الكورية ومضيق تايوان، ظلّت الحكومات الأوروبية تنظر إلى آسيا - بما في ذلك الصين - من منظور اقتصادي بحت. وقد بدا «الحزام والطريق» الصيني في بداياته مشروعًا اقتصاديًا بحتًا يخلو من الحوافز الاستراتيجية. لكن مع تدهور العلاقات بين بكين وواشنطن، بدءًا من إدارة ترامب الأولى ثم بشكل أوضح في عهد جو بايدن، غيّرت بروكسل اتجاهها.
لم تعد الصين تُرى فقط بوصفها شريكًا، بل منافسًا وخصمًا منهجيًا. ودخلت إلى قاموس الاتحاد الأوروبي مصطلحات جديدة مثل فحص الاستثمارات، والرسوم الجمركية، وضوابط التصدير عند الحديث عن الصين. كانت الصلة بالولايات المتحدة واضحة: فبينما رفض الاتحاد الأوروبي فكرة «فك الارتباط» مع الصين باعتبارها غير مرغوبة ومستحيلة، بدأ يتبنّى خطاب «تقليل المخاطر». وهو مفهوم لا يختلف في جوهره عن مصطلحات أوروبية مألوفة أخرى مثل «الاستقلالية الاستراتيجية» و«الأمن الاقتصادي». غير أن توقيت طرح هذا النهج الأكثر تشددًا، وطريقة صياغته، أوضحا أن النجم القطبي لأوروبا في مسألة الصين ظلّ هو واشنطن.
كان هذا الإطار يعمل طالما بقيت العلاقة عبر الأطلسي متينة ونهج واشنطن تجاه الصين واضحًا ومتوقعًا. لكن شيئًا من ذلك لم يعد قائمًا اليوم؛ فالتشدد الأوروبي لمجاراة اندفاع الصين، مثل قبول دور للناتو في شرق آسيا بل والدفع به، يواصل استفزاز بكين. لكنه لم يعد بالضرورة يحظى بقبول في واشنطن.
قد تدفع إدارة ترامب الأوروبيين إلى فرض أثمان على الصين، مثل تطبيق عقوبات ثانوية على الدول التي تواصل شراء النفط والغاز الروسي، لكنها لا تضمن أبدًا أن ترامب سيقف إلى جانب أوروبا في أوكرانيا، أو أن لدى واشنطن نية لممارسة ضغط اقتصادي فعلي على بكين. حتى الآن ظلت الصين هي الطرف الأقوى في حربها التجارية مع الولايات المتحدة. أما ترامب فيتعامل مع أوروبا بوصفها تابعة: يرضيه أن تتحمل كلفة إيلام بكين اقتصاديًا ولو على حسابها، بينما يتجنب هو دفع أي أثمان. وكما هو الحال مع معظم ملفات ترامب، يبقى الأمر رهن الصدفة: إمّا أن يصعّد مع بكين، أو يعقد معها الصفقات، وكل ذلك على حساب الحلفاء الأوروبيين والآسيويين.
ومع غياب النجم القطبي الأمريكي، يجد الأوروبيون أنفسهم أمام سؤال أساسي: ماذا يريدون حقًا؟ وكيف سيتصرفون تجاه الصين؟ هل عليهم المضي أبعد في الحماية التجارية لمواجهة الأثر السلبي لفائض القدرة الصناعية الصينية على اقتصادهم؟ أم تشجيع نقل التكنولوجيا الصينية إلى القارة وتجنّب حرب تجارية، والعمل مع شركاء آسيويين على وضع استراتيجية لإنقاذ النظام التجاري العالمي؟ هل يحتضنون التكنولوجيا الخضراء الصينية إدراكًا أن الانتقال الطاقي وتحقيق الطموحات المناخية مستحيل من دونها، أم يسعون لتقليص تبعيتهم الخضراء لبكين؟ وفي الجنوب العالمي، مع انسحاب الولايات المتحدة من ميدان المساعدات التنموية، هل يستطيع الاتحاد الأوروبي فعليًا منافسة مبادرة «الحزام والطريق» العملاقة، أم عليه أن يتصالح مع فكرة أن مبادرته «البوابة العالمية» ستكون مكمّلة لها لا بديلة عنها؟
ليس لأيّ من هذه الأسئلة إجابات سهلة. ويزداد تعقيدها بفعل معضلتين جوهريتين تمسكان بلبّ مستقبل أوروبا نفسه.
المعضلة الأولى تتعلق بمستقبل الديمقراطية الليبرالية في أوروبا. فالديمقراطية مهدَّدة في الغرب، مع صعود قوى اليمين المتطرف والقومية والشعبوية، إلى جانب تفاقم الاستقطاب والتطرف وانتشار المعلومات المضللة، مما يهدد الحريات الأساسية وسيادة القانون ومبدأ الفصل بين السلطات. الصين، بخلاف روسيا وحركة «ماغا» في الولايات المتحدة، لا تدعم هذه القوى اليمينية المتطرفة علنًا، ولا يبدو أنها تسعى لتصدير نموذجها في الحكم. لكنها، بما تمثله من نموذج أوضح لنظام سلطوي ناجح اقتصاديًا، تُلهم أولئك الذين يريدون دفع بلدانهم في اتجاه غير ليبرالي. وليس غريبًا أن تكون أقرب شركاء الصين الأوروبيين هي دول مثل المجر وسلوفاكيا وصربيا، وهو ما بدا جليًا حين حضر قادتهم (أو وزير خارجية المجر في هذه الحالة) العرض العسكري الصيني في بكين في سبتمبر الماضي. حين يتعلق الأمر بالجاذبية التي تمارسها الصين على القوى السلطوية وغير الليبرالية في أوروبا، لا يمكن للحكومات والمؤسسات الأوروبية أن تتوقع الكثير من بكين. المسؤولية تقع عليها وحدها لإثبات أن الديمقراطية الليبرالية قادرة على الإنجاز.
المعضلة الثانية تتعلق بالأمن، وبوجه خاص بالحرب في أوكرانيا. فبينما تدّعي الصين الحياد عبر الحفاظ على علاقات مع كييف وموسكو – وتدعم نظريًا السيادة ووحدة الأراضي – إلا أنها عمليًا تصطف إلى جانب موسكو. إذ تتزايد مظاهر الصداقة «بلا حدود» التي تجمع شي جين بينغ بفلاديمير بوتين، فيما بدت جهود بكين للسلام في أوكرانيا خاوية. والواقع أن الصين استفادت من الحرب استفادة واضحة، ليس فقط عبر الحصول على النفط والغاز الروسي الرخيص، بل (استراتيجيًا) على نحو أعمق: فقد أصبحت روسيا الشريك الأصغر في العلاقة.
لا تستطيع أوروبا أن تدفع الصين إلى إدارة ظهرها لموسكو، ولا أن تتوقع منها وقف تجارتها مع روسيا. لكن لو كانت الصين محايدة فعلًا، لما دعمت روسيا عبر تصدير التكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج. ولو كانت جادة في إنهاء الحرب، لمارست ضغطًا على موسكو، كما فعلت سابقًا حين حاولت كبح أسوأ اندفاعات بوتين عندما هدد بشكل غير مسؤول باستخدام السلاح النووي. خصوصا الآن بعدما أثبت فشل دبلوماسية ترامب في ملف أوكرانيا أن العقبة الحقيقية أمام إنهاء الحرب هي بوتين نفسه، وبوتين وحده.
حين كنتُ في بكين هذا الشهر، جادلتُ بأن أوكرانيا تمثل اليوم مصلحة جوهرية لأوروبا، وأن موقف الصين من الحرب هو أكبر شوكة في خاصرة العلاقات الأوروبية- الصينية. قلت إن الأمر لا يتعلق فقط بالقيم - تلك التي انهارت للأسف أي مصداقية أوروبية متبقية بشأنها منذ حرب غزة = بل يتعلق بمصالح أمنية صريحة. وكانت الردود التي تلقيتها معبّرة: فكما ينظر الأوروبيون اليوم إلى علاقتهم مع الصين من خلال عدسة روسيا، تنظر الصين إلى أوروبا عبر منظور منافستها مع الولايات المتحدة. في بكين يُعتقد أنه إذا وصلت العلاقات الأمريكية = الصينية إلى أسوأ الاحتمالات، فإن أوروبا ستقف إلى جانب واشنطن، بغض النظر عن ترامب، وعن تخلي الولايات المتحدة وخيانتها لأوروبا. ولذا، قيل لي إن إبقاء روسيا في صف الصين ضرورة استراتيجية لا غنى عنها. وفي الظروف الراهنة، تتفوق روسيا على أوروبا في حسابات بكين. من الصعب ألّا يرى المرء المنطق في ذلك.
تمثل روسيا تهديدًا وجوديًا لأمن أوروبا، وسيبذل الأوروبيون كل جهد لإبقاء الولايات المتحدة منخرطة في الدفاع عنهم. لكن من المرجح أن يفشلوا، مهما بالغوا في المديح أو التذلل لترامب. ورغم أن أوروبا قد تتمكن نظريًا من مواجهة روسيا دون الولايات المتحدة، فإنها لا تستطيع فعل ذلك بينما تجد نفسها في مرمى الصين أيضًا.
هذا يترك أوروبا أمام مأزق بلا مخرج سهل. غير أن التمني بأن تختفي المشكلة ليس حلًا.
ناتالي توتشي ـ كاتبة عمود في شؤون أوروبا بصحيفة الغارديان
عن الجارديان البريطانية
تمت الترجمة باستخدام الذكاء الاصطناعي