الاقتصادية

مبادرة "100 مليون ريال" تدعم التوظيف المستدام وتمنح القطاع الخاص مزيدا من المرونة

 

كتب – حمد الكلباني 


أكد خبراء اقتصاديون أن التوجيه السامي بتخصيص 100 مليون ريال عماني لدعم برامج ومسارات تشغيل الباحثين عن عمل يمثل خطوة استراتيجية محورية تهدف إلى تعزيز الكفاءات الوطنية ومعالجة الاختلالات المهيمنة على سوق العمل. وأكدوا أن هذه المبادرة تشكل ركيزة للتوظيف المستدام وإعادة هيكلة السوق على أسس تنافسية وعادلة، كما تمنح شركات القطاع الخاص مزيدًا من المرونة في استقطاب الموارد البشرية الوطنية وتوظيفها، وتُمكّن الكفاءات العمانية من الانخراط في مجالات ريادة الأعمال والعمل الحر والجزئي، بما يسهم في تعزيز الأمن الاجتماعي والاقتصادي في سلطنة عمان، وأشار الخبراء إلى أن نجاح هذه المبادرة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتكاملية التناغم والشفافية بين القطاعين العام والخاص، حيث يعمل هذا التناغم كمؤشر تحفيزي لزيادة معدلات التوظيف ويشجع الباحثين عن عمل على التوجه مباشرة نحو فرص القطاع الخاص.
معالجة تشوهات سوق العمل
ويقول المكرم د. محمد الوردي: إن التوجيهات السامية بمضاعفة مخصصات برنامج مسارات تشغيل الباحثين إلى 100 مليون ريال عماني تؤكد حرص جلالته على حل ملف الباحثين عن عمل، وتعد هذه التوجيهات خطوة ناجحة لمعالجة تشوهات سوق العمل في الاقتصاديات الريعية، كما هو الحال في اقتصاد سلطنة عُمان، والتي تتضح بميول شريحة واسعة من المواطنين للعمل في القطاع الحكومي لاعتباراته الاستقرارية، بينما يفضّل كثير من أصحاب العمل في القطاع الخاص توظيف العمالة الوافدة لأسباب متعلقة بالتكلفة والمرونة. وأشار الوردي إلى أن هذه الخطوة الحكومية ستعمل على ردم الهوة بين القطاعين عبر آليات عملية؛ إذ أن مشاركة الحكومة في تغطية جزء من أجور المواطنين العاملين في شركات القطاع الخاص خلال سنواتهم الأولى ستخفف من العبء المالي على أصحاب الأعمال، مما يجعل توظيف المواطنين أكثر جاذبية للشركات. في المقابل سيكتسب المواطنون من هذه المسارات خبرات ومهارات مهنية عملية مطلوبة من أرباب العمل في القطاع الخاص، مما يعزز فرص بقائهم واستمراريتهم في سوق العمل محليًا. ولهذا الأثر المضاعف، فإن زيادة توظيف المواطنين في القطاع الخاص ستنقل أثرًا إيجابيًا إلى النشاط الاقتصادي الوطني من خلال تنشيط قطاعات متعددة، وكذلك تسهم في تعزيز الأمن الاجتماعي عبر تمكين الأسر من موارد دخل مستقرة.
توظيف مستدام
من جانبه أكد سعادة محمد العنسي، عضو مجلس الشورى ممثل ولاية صلالة ورئيس لجنة سوق العمل في غرفة تجارة وصناعة عمان، أن تخصيص مبلغ 100 مليون ريال عماني لدعم برامج ومسارات التشغيل يمثل خطوة استراتيجية نحو تعزيز شراكة القطاع الخاص في تحقيق توظيف مستدام. وأوضح سعادته أن هذا التوجّه لا يقتصر على جذب اليد العاملة الوطنية فحسب، بل يهدف أيضًا إلى خلق بيئة عمل جاذبة ومنافسة تسهم في زيادة مشاركة المواطنين في مختلف القطاعات الاقتصادية. وأضاف أن هذا الدعم يشكّل ركيزة أساسية لإعادة هيكلة سوق العمل بحيث يقوم اعتمادًا أكبر على عمالة وطنية مؤهلة ومتاحة للمنافسة، مما سيفتح آفاقًا واسعة أمام الشباب للحصول على وظائف نوعية، ويعزز برامج التدريب والتأهيل التي ترفع من جاهزيتهم لسوق العمل. كما بيّن أن هذه المبادرة ستسهم في تمكين الكفاءات الوطنية في مجالات ريادة الأعمال والعمل الحر والعمل الجزئي، وهو ما يتيح خلق جيل جديد من رواد الأعمال وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ويحفز روح الابتكار والإبداع، ويرتقي بمستوى الإنتاجية داخل الاقتصاد الوطني. وأشار العنسي إلى أن هذا التمويل يُعد أحد الممكنات الرئيسة لتحقيق مستهدفات 'رؤية عمان 2040' في إحلال العمالة الوطنية المؤهلة تدريجيًا محل العمالة الوافدة، خصوصًا في القطاعات المهنية والفنية التي تتطلب مهارات متقدمة.
معالجة التحديات
من جهته قال الدكتور قيس السابعي، قانوني وخبير اقتصادي: إن الدعم بقيمة 100 مليون ريال عماني الذي أمر به صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله ورعاه - يحمل أهمية محورية في مواجهة التحديات التي تعترض الباحثين عن عمل. ورأى السابعي أن ضخ هذه الموارد سيسهم في إيجاد حلول عملية وواضحة من خلال رفد الأجور والموارد المالية للقطاع الخاص، ومن ثم إتاحة فرص عمل أكبر تقلص من حالات التسريح والبطالة. ولخص الدكتور قيس أن هذا التوجّه سيسهم في معالجة تشوّهات هيكلية في أجور السوق، بتقليص الفجوة بين الحد الأدنى والأعلى للأجور، ويمنح شركات القطاع الخاص مرونة أكبر في سياسات التوظيف والتأمين والتوطين، مما يعزز قابليتها على توظيف المواطنين. كما أنه يتوقع أن يكون لهذه الخطوة أثر مباشر على انتعاش القوة الشرائية في السوق المحلي نتيجة دخول شرائح جديدة إلى دورة الاستهلاك، وهو ما يدعم بدوره نمو الطلب على السلع والخدمات المحلية. وأضاف السابعي أن التناغم بين القطاعين الحكومي والخاص سيعمل كمؤشر تحفيزي رائد يدفع القطاع الخاص إلى زيادة عمليات التوظيف، ويشجّع الباحثين عن عمل على توجيه خياراتهم المهنية مباشرة إلى القطاع الخاص. وأكد أن دور الشراكة بين القطاعين يجب أن يستند إلى تكاملية حقيقية تقوم على التناغم والشفافية؛ ويتجلى هذا التكامل في تحسين بيئة الأعمال، وتقديم التسهيلات والحوافز لجذب الاستثمارات وتوطينها، وتهيئة الكوادر الوطنية عبر دورات عمل وبرامج تدريبية مكثفة تشارك فيها الجهات المعنية، كما أشار إلى أهمية دعم ريادة الأعمال وتمكين الشركات المحلية، لا سيما الصغيرة والمتوسطة، عبر تقديم دعم مالي وفني وتقني، واستثمار فرص النمو المتاحة من خلال المناقصات والفرص الاستثمارية المحلية والأجنبية، أو من خلال شراكات حكومية-خاصة تهدف إلى تعزيز نمو الاقتصاد الوطني وتطوير قطاعات الإنتاج كالتحويلية وغيرها.
مبادرات
وجاءت مبادرة تخصيص 100 مليون ريال عماني لدعم تشغيل الباحثين عن عمل استكمالًا لسلسلة من المبادرات الحكومية السابقة التي تهدف إلى بناء منظومة متكاملة للتشغيل والاستقرار الاجتماعي. ومن بين هذه المبادرات إطلاق وزارة العمل لمبادرة 'دعم الأجور'، التي قامت على توجيهات سامية لتشجيع مؤسسات القطاع الخاص على توظيف الخريجين الجدد لمدة عامين عبر تحمل الوزارة جزءًا من رواتبهم، ما يقلّل العبء على أرباب العمل ويمنح الخريج فرصة لاكتساب خبرة حقيقية. كما تضمنت حزمة الإجراءات مبادرة 'ساهم' التي تتيح وظائف بنظام العقود لمدة عامين في الجهات الحكومية بمختلف المحافظات، ترسيخًا لمبدأ اللامركزية وإتاحة فرص عملية للشباب في محافظاتهم. إضافة إلى ذلك، استُهدف سوق العمل بمبادرة 'المليون ساعة' التي توفر ما مجموعه مليون ساعة عمل بنظام العمل الجزئي في الجهات الحكومية التي تتطلب وظائف موسمية أو بنظام الساعات. في السياق ذاته، أطلقت الوزارة العام الفائت 'منصة توطين' كمكون رقمي يسهم في تحقيق التكامل الإلكتروني وتجسير الهوة بين الباحثين عن عمل والفرص المتاحة في السوق من خلال مواجهة الفجوات المعلوماتية وربط أصحاب العمل بالكوادر المناسبة. كما تُعدّ مبادرة 'منفعة الأمان الوظيفي' من الأدوات المكملة، إذ تهدف إلى توفير دخل مؤقت للمؤمن عليه في حال انتهت خدمته قسريًا، ويغطيها صندوق الأمان الوظيفي المختص، وهو ما يعزز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للمواطن. وتشكّل كل هذه المبادرات معًا ركيزة أساسية ضمن جهود الحكومة الهادفة إلى تعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للمواطنين وفتح آفاق أوسع للتوظيف المستدام، بما يتوافق مع تطلعات التنمية الوطنية ورؤية عمان 2040.