الاستثمار الرقمي بين الفرص والمخاطر.. وعود الربح السريع والإعلانات المضللة تحت مجهر التحذيرات
الاحد / 21 / ربيع الأول / 1447 هـ - 15:12 - الاحد 14 سبتمبر 2025 15:12
تزايدت قضايا النصب والاحتيال عبر الإنترنت، مع الانتشار الواسع للمنصات الاستثمارية الرقمية، إذ تعد وعود الربح السريع والمروجون على وسائل التواصل الاجتماعي من أبرز أدوات جذب المستثمرين
وأكد مختصون في التكنولوجيا والقانون والتسويق في استطلاع صحفي لـ'عمان' أن وعي المستثمر والتحقق من ترخيص المنصات هو الخط الفاصل بين الاستثمار الآمن والوقوع في الفخ، مشيرين إلى ضرورة تحديث التشريعات لتعزيز الحماية ومواكبة التحول الرقمي المتسارع.
وقال محمد الربيعي مهندس برمجيات ومحاضر توعوي في قضايا النصب والاحتيال: إن الاستثمار عبر المنصات الرقمية والتطبيقات الإلكترونية جزء من واقعنا الاقتصادي، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام ممارسات احتيالية تستهدف المستثمرين الأفراد وحتى الشركات.
وأوضح الربيعي أن من أبرز التهديدات التي تواجه المستثمرين المنصات الوهمية التي تنسخ واجهات منصات عالمية مع لوحات تحكم مزيفة تعرض أرباحا غير حقيقية، والاستيلاء على البيانات البنكية والشخصية عبر طلبات، والهندسة الاجتماعية، حيث يوهم المحتال الضحية بأنه 'مدير حساب' أو 'مستشار مالي' ويدفعه لضخ المزيد من الأموال، والتطبيقات المزيفة المحمّلة ببرمجيات خبيثة تسحب البيانات من الهاتف مباشرة.
وتابع الربيعي بقوله: إنه ينبغي على المستثمرين لحماية أنفسهم من الوقوع في الاحتيال التأكد أن الشركة مرخصة من الجهات الرقابية الرسمية مثل البنك المركزي أو هيئة سوق المال، وتاريخ تسجيل الموقع الإلكتروني، حيث إن المنصات الموثوقة لها نطاقات قديمة وراسخة، وتوفر بيانات واضحة عن الفريق، والعنوان، والجهة القانونية، وتجربة استثمار محدودة بمبلغ صغير واختبار إمكانية سحب الأرباح قبل الالتزام بمبالغ أكبر.
منصات الاستثمار الاحتيالية
وأشار الربيعي إلى وجود عدة أسباب تكشف منصات الاستثمار الاحتيالية وهي: وعود بأرباح ثابتة أو مبالغ فيها مثل 20% شهريا مضمونة، وغياب الشفافية وعدم ذكر بيانات قانونية واضحة، والاكتفاء بقنوات دعم غير رسمية مثل واتساب أو تيليجرام، ومحتوى إعلاني يعج بصور مروجين في وسائل التواصل الاجتماعي أو مسؤولين، وضغط نفسي وزمني لإقناع الضحية بالانضمام بسرعة.
ولفت الربيعي إلى أن الإعلانات الممولة على منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك، والانستجرام أداة رئيسية للمحتالين، حيث إنها تعطي انطباعا زائفا بالمصداقية ويجب على الأفراد التعامل بحذر مع أي إعلان استثماري ممول حتى يثبت العكس، والبحث في الإنترنت عن تقييمات وتجارب سابقة مرتبطة بالمنصة، واستخدام أدوات التحقق مثل البحث العكسي عن الصور والفيديوهات لكشف إعادة التدوير، واستشارة الجهات الرسمية المختصة قبل تحويل أي مبالغ مالية.
وأنهى الربيعي حديثه بقوله: إن المنصات الرقمية قد تفتح آفاقا واسعة للاستثمار، لكنها في الوقت ذاته تمثل بيئة خصبة للاحتيال المنظم، والفرق بين الاستثمار الآمن والوقوع في الفخ يكمن في وعي المستثمر، وقدرته على التحقق الرقمي، ورفضه لوعود الربح السريع.
المروجون
وفي السياق ذاته، قال سامي مولى مختص في التسويق ومؤسس شركة 'سين للتسويق': إن المروجين عبر وسائل التواصل الاجتماعي أصبحوا يلعبون دورا أساسيا في بناء الثقة مع الجمهور، وكشفت الأرقام أن التسويق عبر المروجين في وسائل التواصل الاجتماعي حقق عوائد كبيرة، حيث إن الشركات تكسب متوسطا بمعدل 5.7 دولار عن كل دولار تدفعه، وبعض الحملات وصلت لعائد 20 دولارا، والبضاعة نفسها وصلت قيمتها إلى 32.5 مليار دولار في 2025.
وأفاد سامي مولى أن الحملات الدعائية عبر المروجين تؤثر على قرارات المستهلكين أو المستثمرين، حيث إن حوالي 69 % من الأفراد يثقون بتوصية المؤثر أكثر من الإعلان العادي، و86 % من الأفراد اشتروا منتجا مرة واحدة على الأقل بسبب مؤثر، وجيل الشباب هو الأكثر تأثرا، حيث إن 49 % منهم اشتروا منتجا بسبب محتوى مؤثر، والمحتوى القصير أو الفيديوهات القصيرة مسؤولة عن 61 % من القرارات الشرائية، وعدد المتابعين من 10 آلاف إلى 100 ألف يحققون 60 % تفاعلا على عمليات الشراء.
وأشار سامي مولى إلى أن بعض الحملات الترويجية مبالغ فيها مثل قضية 'Chiara Ferragni' في إيطاليا عندما روجت لمنتجات تزعم أنها دعم خيري، وتبين العكس ودفعت غرامه قدرها أكثر من مليون يورو، وليتجنب المؤثر أو المروج على وسائل التواصل الاجتماعي التضليل يجب أن يوضح للمتابعين أن الإعلان مدفوع، وتجنب وعود الأرباح المضمونة، ووجود قوانين ورقابة واضحة.
وتحدث سامي مولى عن النصائح للشركات لضمان تسويق شفاف وأخلاقي عبر الإنترنت اختيار المؤثر المناسب، وعدم التركيز على عدد المتابعين، وبناء شراكات طويلة وليس فقط إعلان واحد وهو ما تركز عليه 47 % من الشركات في 2025، واستخدام الذكاء الاصطناعي للتحقق من المتابعين المزيفين، وضخ طبيعة الإعلان بدون مبالغة، والتركيز على محتوى قصصي وتجارب واقعية.
وأكد سامي مولى أنه يمكن للمستهلكين تقييم مصداقية الإعلانات قبل الانخراط في أي استثمار رقمي من خلال التأكد من حصول المنصة على ترخيص رسمي، وقراءة تقييمات حقيقية من مصادر مختلفة، والانتباه من الوعود الكبيرة والخيالية، واستشارة خبراء، مؤكدا على أن المروجين في وسائل التواصل الاجتماعي هم أداة قوية جدًا اليوم في التسويق والاستثمار الرقمي، لكن ضرورة وجود الشفافية من الشركات والمؤثرين، والحملات الناجحة تبني ثقة طويلة الأمد، والحملات المضللة ممكن أن تدمر سمعة الشركة والمؤثر معا.
المسؤولية القانونية للمروجين
من ناحيته أكد المحامي إبراهيم بن سليمان البلوشي أن الإعلانات التي يعلن لها بعض المروجين عبر وسائل التواصل الاجتماعي قد تشكل خطورة كبيرة، إذا تعلقت بشركات استثمارية أو منصات مالية غير مرخصة، موضحًا أن المؤثر أو المروج قد يكون في بعض الحالات شريكا في جريمة احتيال أو ضحية جهل بمصداقية الجهة المعلنة.
ولفت البلوشي إلى أن المسؤولية القانونية للمروجين في وسائل التواصل الاجتماعي تتحدد بحسب ظروف كل واقعة؛ فإذا كان حسن النية، فقد يفلت من العقوبة الجزائية، لكنه يظل ملزما بالتعويض المدني عند التقصير، أما إذا ثبت سوء النية، فالأمر يتحول إلى جريمة احتيال مكتملة الأركان.
وأضاف: أن الترويج لخدمات مالية غير مرخصة يعد مخالفة صريحة لأنظمة البنوك وأسواق المال، وقد تترتب عليه غرامات أو حظر من مزاولة الإعلانات.
وشدد البلوشي على أن الشهرة ليست امتيازًا فقط، وإنما التزام قانوني وأخلاقي، مؤكدًا أن كلمات المروج أو المؤثر قد تتحول إلى قرارات استثمارية تغيّر حياة الناس، داعيا المروجين للتحقق من مصداقية الإعلانات قبل نشرها وعلى الجمهور عدم الانسياق وراءها دون تثبّت.
وبين المحامي إبراهيم البلوشي أن الحماية تبدأ بالتوعية والتبليغ المبكر، مشيرا إلى أن سرعة البلاغ تساعد الجهات المختصة على تجميد الأموال واستردادها، إلى جانب أهمية وجود وحدات رقابية تتابع الإعلانات بشكل استباقي، منوها على تعزيز الثقافة المالية عبر إدخال مادة الاقتصاد في المناهج وتشديد العقوبات على المروجين.
وذكر البلوشي العقوبات التي تطال الشركات غير المرخصة والتي تتنوع بين عقوبات جزائية والتي تشمل السجن، والغرامات، ومصادرة الأموال وإغلاق الشركة، وإدارية تتمثل في تحذير الجمهور، إدراج الشركات في القوائم السوداء، وإيقاف النشاط، وحجب المواقع، وحرمان المخالفين من التراخيص، وعقوبات مدنية والتي تتضمن تمكين المتضررين من رفع دعاوى لاسترداد أموالهم والمطالبة بالتعويض.
المستثمرون المتضررون
وشدد البلوشي على أنه يجب على المستثمرين المتضررين التبليغ الفوري، سواء للشرطة أو الادعاء أو الجهات الرقابية، مع إمكانية اللجوء للقضاء المدني لاسترداد الأموال والتعويض، مؤكدًا أن المسؤولية قد تمتد إلى المروجين والمشاهير، إذا ثبت تضليلهم للجمهور.
ويرى البلوشي أن القوانين الحالية غير كافية أمام الجرائم العابرة للحدود، داعيًا إلى تشريعات مرنة توازن بين تشجيع الابتكار وحماية المستثمرين.
واقترح البلوشي عددا من الحلول والتي تشمل تعريفًا واضحًا للأصول الرقمية وأدوات الاستثمار الإلكتروني، وشروط ترخيص دقيقة للمنصات تشمل الإفصاح المالي والرقابة التقنية، وتجريما خاصا للغش الرقمي بعقوبات رادعة، وإلزامية الإفصاح عند استخدام المروجين في الإعلانات، وآليات أسرع لتعويض المتضررين، وتعزيز التعاون الدولي والرقابة المتخصصة للمنصات العابرة للحدود.
واختتم البلوشي حديثه قائلا: القوانين يجب أن تتحرك بالسرعة نفسها التي تتحرك بها التكنولوجيا، وإلا سيظل المستثمرون مكشوفين أمام موجات متجددة من الاحتيال الرقمي.
التسويق الشبكي
وكانت وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار قد أصدرت قرارا وزاريا رقم 105/2021 بتاريخ 26 يوليو من عام 2021 والذي يحظر البيع أو الشراء أو التداول أو الإعلان أو الترويج لأي سلعة أو منتج أو خدمة من خلال التسويق الشبكي أو الهرمي في سلطنة عُمان، وذلك استنادًا إلى قانون التجارة، وتفرض غرامة إدارية قدرها خمسة آلاف ريال عُماني على المخالفين، مع مضاعفتها في حال تكرار المخالفة.
وحسب القرار يعرف التسويق الشبكي أو الهرمي على أنه أي طريقة يستخدمها المزود أو المعلن أو المروج لدعوة المستهلك لاختيار قائمة من المستهلكين الآخرين بقصد شراء السلعة أو تلقي الخدمة مقابل منفعة يحصل عليها المستهلك الأول، وذلك من خلال وضعهم جميعًا في مجموعات هرمية أو شبكية بهدف جمع المال من أكبر عدد من المشتركين في الشبكة.