التحول الرقمي الحكومي .. حلول مبتكرة تعزز الكفاءة والإنتاج
الجمعة / 19 / ربيع الأول / 1447 هـ - 16:04 - الجمعة 12 سبتمبر 2025 16:04
يسعى برنامج التحول الرقمي الحكومي الذي تنتهجه سلطنة عُمان إلى رفع مستوى الكفاءة في الأداء الحكومي، وتعزيز الابتكار في تقديم الخدمات، وتحقيق نمو اقتصادي مستدام من خلال تحسين الإنفاق واستثمار تقنية المعلومات والاتصالات بشكل فعال. يرتبط البرنامج برؤية الحكومات المستقبلية التي تستند إلى نماذج أعمال قائمة على التكاملية والشفافية، وتعتمد على تحسين الإجراءات واتخاذ القرارات المبنية على البيانات الدقيقة، بما يسهم في رفع مستويات الكفاءة، وتحسين سلسلة العمليات، وتبسيط الإجراءات، وتطوير آليات تقديم الأعمال والخدمات الحكومية للمستفيدين بأعلى جودة ممكنة.
كما يركز البرنامج على تحسين تجربة المستخدم وكسب رضاه من خلال تقديم خدمات رقمية مبتكرة وسهلة الوصول، مع دعم جهود تعزيز الإنفاق الحكومي، وتحفيز النمو الاقتصادي، وزيادة الناتج المحلي، وتشجيع الاستثمارات الأجنبية في مختلف القطاعات. ويعد التحول الرقمي أساسًا متينًا لتحقيق الرؤى والاستراتيجيات والبرامج الوطنية، من خلال تمكين الجهات الحكومية من التخطيط السليم واتخاذ القرارات المبنية على البيانات، وتقديم أدوات للتنبؤ المستقبلي ودعم عملية صنع القرار باستخدام التقنيات الرقمية الذكية.
ولذلك، بينت التوجهات والأهداف المرسومة ضمن 'رؤية عُمان 2040' أهمية وجود جهاز حكومي مرن ومبتكر، قادر على صياغة المستقبل، قائم على مبادئ الحوكمة، ومستوعب لطموحات سلطنة عمان المستقبلية، وصولًا إلى مستويات متقدمة في تبني نهج الحكومة الإلكترونية. وعليه، تم تطوير برنامج التحول الرقمي الحكومي كأحد البرامج التنفيذية الرئيسية لتحقيق الأولويات الوطنية المنشودة، ويضم في خطته عددًا كبيرًا من المؤسسات الحكومية، تشمل جميع القطاعات الرئيسية والداعمة، بما يضمن تمكين القطاع الحكومي وتعزيز فاعليته في تقديم الخدمات للمواطنين والمستثمرين على حد سواء، وفق معايير دقيقة تسهم في بناء بيئة رقمية حكومية متكاملة ومستدامة.
الحلول الابتكارية
وسيشكل برنامج التحول الرقمي انعكاسًا إيجابيًا على المؤسسات الحكومية في السنوات القادمة، إذ سيساهم في تعزيز كفاءتها التشغيلية، وتطوير الحلول الابتكارية التي ستتميز بالبساطة والشفافية والإبداع، بما يرفع مستوى الأداء ويحقق تجربة متميزة للمستفيدين. كما سيعمل البرنامج على دعم استمرار التطوير والتحسين من خلال تبسيط نماذج الأعمال، وتطوير قنوات وأدوات جديدة، والاستفادة من المتغيرات التقنية المتسارعة، والفرص المتاحة في الثورات الصناعية المتلاحقة، بما يعزز جاهزية المؤسسات لمواكبة المستقبل الرقمي.
ويُعد من أهم دوافع إعداد برنامج التحول الرقمي الحكومي رسم رؤية واضحة وخارطة طريق شاملة للتحول الرقمي في سلطنة عمان، تشمل تحديد أولويات التحول الرقمي وتمكين تنفيذها بطريقة منظمة ومنسقة، مع تحقيق المواءمة وتفادي الازدواجية ومعالجة تعقيد العمليات، إضافة إلى تمكين القنوات الرقمية للوصول إلى الخدمات الإلكترونية، وبناء الثقة فيها، ودعم تحقيق التوجهات الوطنية وأولويات 'رؤية عُمان 2040'.
ويعكس مفهوم المجتمع المبني على المعرفة أن الحكومة تتمتع بالشفافية في تعاملاتها، وتضمن وصول كافة فئات المجتمع إلى خدماتها الرقمية بسهولة ويسر. وفي هذا السياق، لا يُعد برنامج التحول الرقمي عملًا محدودًا يمكن إنجازه في فترة قصيرة، بل هو عملية تطوير مستمرة وتغيير طويل الأمد، تشارك فيه جهات وقطاعات متعددة، وتتطلب تنفيذ عدد كبير من البرامج والمشاريع المترابطة والمتتابعة زمنياً، الأمر الذي يجعل من تكاتف الجهود وتعاون جميع الجهات ضرورة أساسية لضمان الانسجام والتناسق بين البرامج والمشاريع المختلفة، بما يسهم في تحقيق أهداف التحول الرقمي بكفاءة وفاعلية.
التقنيات الرقمية
يتوافق برنامج التحول الرقمي الحكومي بشكل كامل مع 'رؤية عُمان 2040' والتوجهات الرئيسة لسلطنة عمان فيما يخص البرنامج الوطني للاقتصاد الرقمي، كما يتماشى مع الاستراتيجيات المقررة للبرنامج الوطني للتحول الرقمي الداعم للقطاعات الاستراتيجية الاقتصادية والاجتماعية، بما يتيح تمكينها من الاستفادة الكاملة من التقنيات الرقمية، وترسيخ مبادئ التحول الرقمي، وتعزيز أسلوب الحياة الرقمية في المجتمع العُماني.
وقد تم تحديد أولويات المرحلة القادمة للتحول الرقمي الحكومي وفق إطار الرؤية والأهداف الاستراتيجية، مع اعتماد منظور محوره الإنسان، يهدف إلى تحسين بيئة الأعمال، وتحقيق الاستدامة، ودعم التنمية الاقتصادية في السلطنة. كما يشمل التركيز على تنفيذ التحول الرقمي بطريقة تدريجية ومنهجية، مع خلق بيئة مواتية لمراحل متتالية من النضج الرقمي، الأمر الذي يسهم في تحقيق النجاح، وبناء المصداقية، وتوفير مزيد من التحكم والمرونة خلال مراحل التنفيذ.
ولتحقيق الرؤية الوطنية وتعزيز مخرجات البرنامج، تم تحديد أربعة مسارات عملية رئيسة، يتم من خلالها رسم الأهداف الاستراتيجية والمبادرات المناسبة لكل مسار لضمان التنفيذ وفق المرتكزات المحددة والوصول للنتائج المنشودة. وتتضمن هذه المسارات: مسار التميز في الخدمات الرقمية، ومسار الكفاءة في البنية الأساسية والحلول الرقمية، ومسار تمكين القدرات الوطنية وإدارة التغيير، ومسار المشاركة المجتمعية وتعزيز الوعي في الخدمات الإلكترونية. وتشمل هذه المسارات 26 هدفًا استراتيجيًا، و67 مؤشرًا للقياس، و36 مشروعًا ومبادرة مقترحة.
ويركز مسار التميز في الخدمات الرقمية على تطوير الخدمات الرقمية المقدمة للمستفيدين من المواطنين ورجال الأعمال، عبر توظيف منهجية رحلة المستخدم وتبسيط وتسهيل آليات الوصول إلى الخدمات والمعلومات والبيانات باستخدام القنوات الرقمية المتعددة. كما يهدف المسار إلى تعزيز القنوات الذكية والنقالة، وتحسين تقييم سلطنة عمان في مؤشر نضج الخدمات الحكومية الإلكترونية، وزيادة الشفافية في تقديم الخدمات، بما يرتقي بمستوى التجربة الرقمية للمستفيدين ويلبي احتياجاتهم بكفاءة عالية.
ويشتمل المسار على سبعة أهداف استراتيجية، و21 مؤشرًا للقياس، و10 مشاريع ومبادرات مقترحة، ومن أبرزها: رفع مرتبة سلطنة عمان في تقييم مؤشر تطوير الخدمات الإلكترونية ضمن مسح الأمم المتحدة للحكومة الإلكترونية، ورفع جودة القنوات الرقمية المقدمة للخدمات الذكية لتقديم تجربة متميزة للمستخدم، وزيادة عدد البيانات الحكومية المفتوحة للقطاعات الحيوية، وتصنيف الخدمات الحكومية وتوثيق وتبسيط إجراءاتها لتعزيز الكفاءة وجودة الأداء، وزيادة إتاحة الوصول للخدمات الرقمية عبر الأجهزة الذكية والنقالة، ورفع معايير وجودة القنوات الرقمية لتحقيق تجربة مستخدم متميزة، بما يعزز الثقة في التحول الرقمي ويضمن استدامة الابتكار في تقديم الخدمات.
كفاءة الخدمات
ومن أبرز مشاريع ومبادرات المسار الأول، تطوير رقمنة الخدمات الأساسية ذات الأولوية ورفع مستوى تطورها ونضجها وكفاءتها الرقمية، إلى جانب مشروع تطوير التطبيق النقال الموحد للخدمات الحكومية الذكية، ومشروع إنشاء مركز الاتصال الوطني المشترك لتمكين متابعة خدمات المراجعين الحكومية، بالإضافة إلى مشروع تطوير المنصة المركزية الموحدة للدردشة الذكية للخدمات الحكومية.
ولضمان توثيق إجراءات العمل وتبسيطها وتحسين كفاءتها ودورها في تسريع وتطوير مستوى الخدمات قبل الشروع في مرحلة الأتمتة أو الرقمنة، ولتقديم تجربة متميزة للمستفيدين، فقد تم تصميم مبادرتين رئيسيتين في هذا المجال، وهما: مبادرة تصنيف وتوثيق وفهرسة الخدمات الحكومية، التي تتضمن مراجعة وإعادة تصنيف الخدمات، وإعداد أدلة توصيف شاملة لها، وتحديد متطلباتها خاصة تلك المتأثرة بمشروع إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة.
أما المسار الثاني، فيركز على الكفاءة في البنية الأساسية والحلول الرقمية، ويهدف إلى تعزيز كفاءة الأنظمة الإدارية الداخلية وتحسين أداء الجهاز الإداري، من خلال تطوير حلول مبتكرة، وتوفير بنية رقمية أساسية متقدمة، وتوظيف أحدث التقنيات لتعظيم الاستفادة والاستخدام الأمثل للموارد. كما يشمل هذا المسار تطوير الأنظمة الأساسية وتكاملها ومركزيتها، إلى جانب بناء وتطوير الأنظمة ذات الطبيعة التخصصية لتمكين المؤسسات من مواكبة التغيرات التقنية، ودعم العمل عن بُعد، وتحسين الخدمات المتعلقة بالموظف وتعزيز تجربته باعتباره شريكًا رئيسيًا في تقديم الخدمات.
ومن أبرز مشاريع هذا المسار: مشروع تطوير البنى الأساسية الرقمية للمؤسسات الخدمية والاستراتيجية ذات العلاقة بتقديم الخدمات الأساسية والداعمة، بما يسهم في رفع كفاءة أداء الجهاز الإداري وتعزيز تنافسية السلطنة عالميًا، ومشروع البوابة الوطنية الموحدة للخدمات الحكومية الإلكترونية، إضافة إلى مبادرة تمكين خدمة النفاذ الإلكتروني الموحد، ومبادرة تسريع التكامل الحكومي، ومبادرة تمكين البرمجيات مفتوحة المصدر في القطاع العام.
ونظرًا لأهمية المرحلة القادمة والطموح المستقبلي لتحسين مستوى التحول الرقمي في القطاع الحكومي، والسعي للانتقال من مرحلة التفاعل إلى مرحلة التكامل التي تعتمد بشكل كبير على تحقيق التكامل المؤسسي والاعتماد على بيانات دقيقة وموثوقة، فقد تم التركيز على إعطاء الأولوية لمبادرة التكامل الإلكتروني، وتمكين الربط بين النظم والبيانات في المؤسسات المستهدفة. كما سيتم التركيز على تنقيح البيانات وإعادة هيكلتها وتصنيفها وفق أطر ومعايير موحدة، بما يتوافق مع تطبيق استراتيجية إدارة البيانات الوطنية، لضمان بيئة رقمية متكاملة وموثوقة تدعم التحول الرقمي بشكل فعّال ومستدام.
المهارات المستقبلية
يأتي تطوير البوابة الوطنية الموحدة للخدمات الحكومية الإلكترونية كأحد الممكنات الرئيسة الداعمة لتحقيق تطلعات وطموحات المواطنين والمقيمين ورجال الأعمال والمستثمرين، من خلال رفع مستوى الخدمات الحكومية المقدمة لهم، وتمكين القطاعات الاستراتيجية والاقتصادية والتنموية من الاستفادة الكاملة من التقنيات الرقمية الحديثة.
أما المسار الثالث 'تمكين القدرات الوطنية وإدارة التغيير'، فيركز على تمكين القيادات الحكومية من إدارة التغيير وتحقيق التحول المؤسسي بما يواكب التغيرات التقنية المستمرة، ويعزز توظيف الحلول الرقمية الحديثة بكفاءة وفعالية. كما يهتم هذا المسار بتطوير القدرات البشرية الوطنية، وبناء المهارات المستقبلية اللازمة للإبداع والابتكار، إضافة إلى خلق بيئة داعمة تتيح الاستفادة من المهارات الوطنية المتخصصة في تنفيذ برامج التحول الرقمي، والمساهمة الفاعلة في رحلة بناء التحول المؤسسي الشامل.
ومن أبرز أهداف هذا المسار الاستثمار في بناء القدرات وتنمية المهارات التخصصية في مجالات التحول الرقمي، وتعزيز البحوث والدراسات المتخصصة لدعم التطوير المستدام للقطاع الحكومي الرقمي، وتمكين الابتكار في بيئة الأعمال، بالإضافة إلى تعزيز ثقافة إدارة التغيير المؤسسي، وتطبيق مبادئ التحول الرقمي بفعالية لضمان تحقيق النتائج المرجوة.
ويركز مسار المشاركة المجتمعية وتعزيز الوعي بالخدمات الإلكترونية على تعزيز التفاعل الرقمي وتحسين قنوات التواصل والتعاون بين الحكومة والمواطنين، لضمان تقديم خدمات إلكترونية ترتكز على احتياجات المستفيد، وتعزيز مشاركة المجتمع في تصميم الخدمات، وتبسيط الإجراءات، ورسم السياسات، واتخاذ القرارات ذات العلاقة بالحكومة الإلكترونية. كما يسعى هذا المسار إلى تحسين نتائج السلطنة في مؤشر تطوير الخدمات والمشاركة الإلكترونية ضمن مسح الأمم المتحدة للحكومة الإلكترونية، والمساهمة في تصميم أدوات رقمية تساعد على سد الفجوة الرقمية وتعزز التفاعل المجتمعي في مختلف القطاعات.
ومن أهدافه كذلك زيادة مستوى التفاعل والمشاركة المجتمعية في مجال الخدمات الإلكترونية والتحول الرقمي، وتعزيز جودة القنوات الرقمية لتقديم تجربة مستخدم متميزة، وتحسين آليات الاتصال، وزيادة التنسيق والتعاون بين المؤسسات الحكومية، والترويج للخدمات الذكية لضمان انتشارها واستخدامها على نطاق أوسع.
وسيحقق برنامج التحول الرقمي الحكومي من خلال هذه المسارات الدقة في البيانات، وتمكين التخطيط السليم واتخاذ القرارات المبنية على الأدلة، إلى جانب التنبؤ المستقبلي بمختلف المتغيرات. كما سيوفر البرنامج البنية التقنية المتكاملة، ويعزز الترابط الرقمي بين المؤسسات الحكومية، ويقلل الآثار البيئية الناتجة عن الازدحام ومتطلبات إنجاز الخدمات، ويتيح حلولًا رقمية أساسية مشتركة، ويمكّن الاستثمارات المحلية والأجنبية، مع تحسين بيئة العمل وتطوير الكفاءة التشغيلية للقطاع الحكومي بشكل مستدام.