ما الذي سيحدث إذا انفجرت فقاعة ذكاء اصطناعي؟
الجمعة / 19 / ربيع الأول / 1447 هـ - 13:50 - الجمعة 12 سبتمبر 2025 13:50
منذ إطلاق نموذج الذكاء الاصطناعي 'شات جي بي تي' في عام 2022 ارتفعت قيمة سوق الأسهم الأمريكية بحوالي 21 تريليون دولار. وتمثِّل 10 شركات فقط من بينها أمازون وبرودكوم وميتا وإنفيديا 55% من هذا الارتفاع. وهي كلها تشهد انتعاشا في أسهمها بفضل الحماس الذي يبديه المستثمرون تجاه الذكاء الاصطناعي، كما أنها ليست الوحيدة.
في النصف الأول من هذا العام شكل ازدهار الاستثمار في الذكاء الاصطناعي كلَّ النمو في الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة. وفي هذا العام وحتى الآن ذهب ثُلْث استثمار رأس المال المغامر في الغرب إلى شركات الذكاء الاصطناعي.
تشهد السوق هذا الرواج لاعتقاد أناسٍ عديدين أن الذكاء الاصطناعي سيُحدِث تحولا في الاقتصاد. فقد حاجج مستثمرون في شركة رأس المال المغامر 'سيكويا كابيتال' أن هذا التحول 'سيكون بحجم الثورة الصناعية إن لم يكن أكبر.' وفي مدونة صوتية قال جافين بيكر المسؤول بشركة إدارة الأصول 'أتريديس مَنَجْمنت' أن نجوم الذكاء الاصطناعي لا يسعون فقط لإيجاد 'قيمة' بعشرات أو مئات التريليونات التي يمكن أن تضيفها التقنية إلى شركاتهم ولكنهم 'في سباق لإيجاد كائن رقمي كلي القدرة.' ومن شأن هذا الاعتقاد تبرير أي قدر من الاستثمار.
كائن رَقَمي
هل سيصبح الذكاء الاصطناعي حقا 'كائنا' لا حدود لقدرته؟ ربما. لكن تقريرا صدر مؤخرا عن بنك 'يو بي إس' وجد أن العائد منه حتى الآن 'كان مخيبا للآمال.' ووفقا لتقديراتنا في الإيكونومست إجمالي الإيرادات المتولدة من التقنية والمستحقة لكبرى شركات الذكاء الاصطناعي في الغرب تبلغ حاليا 50 بليون دولار في العام. وعلى الرغم من أن مثل هذه الإيرادات تنمو بسرعة إلا أنها لا تزال أقل من 2% من حجم الاستثمار في مراكز البيانات الجديدة عالميا والذي يقدره بنك مورجان ستانلي بحوالي 2.9 تريليون دولار في الفترة بين 2025 و2028. وهذا الرقم يستبعد تكاليف الطاقة.
في الأثناء ليس واضحا الى أي حد ستتحول هذه الإيرادات الى أرباح. لقد توصلت دراسة أعدها مؤخرا باحثون بمعهد ماساشوستس للتكنولوجيا الى أن 95% من المؤسسات تحصل على 'عائد صفري' من استثماراتها في الذكاء الاصطناعي التوليدي.
لذلك لا غرابة أن تتساءل أعداد متزايدة من الناس ما إذا كان الاستثمار في الذكاء الاصطناعي قد تجاوز حد المعقول. يقول مسؤولو صندوق التحوط بريتوريان كابيتال 'هنالك جلوبال كروسينغ تولد من جديد.' وهم يشيرون بذلك الى تلك الشركة 'جلوبال كروسينغ' التي أفرطت كثيرا في تشييد خطوط ألياف بصرية عابرة للقارات في حقبة 'دوت كوم.'
وحسب تقرير عن بنك يو بي إس هنالك مغالاة خطرة في تقييم أسهم شركات الذكاء الاصطناعي. فهو لا يضع اعتبارا لأية 'خيبات أمل' محتملة في التدفقات النقدية لهذه الشركات. وذكر تورستن سلوك المسؤول بشركة الاستثمار الخاص 'ابولو' أن تقييم أسهم الذكاء الاصطناعي أعلى مقارنة بأسهم شركات دوت كوم (الإنترنت) في عام 1999. حتى سام ألتمان رئيس شركة 'أوبن أيه آي' وأحد أشد المتحمسين للذكاء الاصطناعي قرع جرس الإنذار. فهو يرى أننا في مرحلة تشهد 'حماسا مفرطا' للاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
الفقاعات تذهب والابتكارات تبقى
أيضا يشير ألتمان وأمثاله الى مسألة أوسع نطاقا وهي أن 'فقاعات' الاستثمار شيء عادي عندما تظهر التقنيات الجديدة. فالحماس في الاستثمار يسبق دائما حقائق الواقع التقني، حسب مايكل باريخ المحلل السابق ببنك جولدمان ساكس.
جاء في دراسة نشرها بنك الاحتياطي الفيدرالي فرع سان فرانسيسكو عام 2008 'يخبرنا التاريخ أن الابتكار التقني كثيرا ما ترافقه فقاعات مضاربة مع مغالاة المستثمرين في تفاعلهم مع المكاسب الحقيقية في الإنتاجية.' وفي عام 2018 وجدت دراسة أكاديمية فحصت 51 ابتكارا في الفترة بين 1825 و2000 أن 37 من هذه الابتكارات رافقتها فقاعات استثمارية. لكن معظمها لم يمنع التقنيات المبتكرة التي ضخَّمتها وفجرتها من اكتساح العالم.
في بريطانيا كانت هنالك فقاعتان كبيرتان في قطاع السكة الحديد في أربعينيات وستينيات القرن التاسع عشر. رغم ذلك لدى بريطانيا الكثير من خطوط السكك الحديدية. وأصاب المستثمرين الأمريكيين الهوس بالاستثمار في شركات الإضاءة الكهربائية في أواخر القرن التاسع عشر وخسروا الكثير من الأموال. لكن الأمريكيين اليوم مازالوا يستخدمون الإضاءة الكهربائية. وقد يحذو الذكاء الاصطناعي حذو هذه الفقاعات. إنها تأتي وتذهب. لكن 'الكائن الرقمي' سيمكث.
غير أن الانهيار إذا حدث ستكون له عواقب كبيرة. أحد الدروس المستفادة من التاريخ أن الشركات الكبيرة كثيرا ما تفسح المجال للشركات الناشئة عندما تنفجر فقاعات التقنية.
كتب ألاسدير نايرن في مؤلفه 'محرِّكات الأسواق' والذي يؤرخ لأواخر القرن التاسع عشر 'أكبر شركات الإضاءة وأكثرها نجاحا شهدت كلها تغييرا في ملكيتها عندما أصبح التدفق النقدي مشكلة.' أيضا حلت شركات أخرى بسرعة محل العديد من الشركات التي هيمنت في الأيام الأولى لتقنيات السكة الحديد والتلغراف والتلفون. من الذي يتذكر الآن شركة 'فولكاترون' منذ فقاعة الإلكترونيات الأمريكية في الستينيات أو 'كورنينج', الاسم الذي ذاع وأصبح مفردة منزلية أثناء ازدهار شركات الانترنت 'دوت كوم'؟ وإذا بقيت شركات التقنية المدرجة 'السبع العظام' وأكبر الشركات الناشئة بعد عقد أو نحو ذلك ستكون تلك معجزة.
بالنسبة للمجتمع بشكل عام تختلف بشكل كبير جدا عواقب انهيارات شركات التقنية. ففقاعة الإلكترونيات في أمريكا الستينيات بالكاد أثرت على الاقتصاد. وانفجار فقاعة السكة الحديد في سبعينيات القرن التاسع عشر نتج عنها أطول تراجع اقتصادي في تاريخ أمريكا.
4 عوامل
بتحليلنا في الإيكونومست للفقاعات التقنية السابقة وجدنا أربعة عوامل هي الأكثر أهمية. إنها بالتحديد الشرارة التي تضخِّم الفقاعة وما يطلِق الازدهار في القطاع المعني وطبيعة رأس المال المستثمر والجهة التي تتحمل الخسائر.
لنبدأ بالشرارة. ويليام كوين وجون تيرنر وهما مؤرخان اقتصاديان ميّزا في كتابهما 'الإزهار والانهيار' بين الشرارات السياسية والتقنيَّة. فالفقاعات التي يوجدها الساسة مثلا بتغيير النظم الإجرائية أو الضرائب تسبب ضررا أكبر من تلك التي تضخِّمها التقنيات الجديدة.
تشجع الشرارات السياسية المستثمرين على التحرك كقطيع. لقد قادت ضرائب العقارات المخفضة وأسعار الفائدة المتدنية بجانب التحرير المالي إلى تشكُّل فقاعة أصول هائلة في اليابان في أواخر الثمانينيات. ولعقودٍ بعد انفجارها ظل اقتصاد اليابان ضعيفا. بالمقارنة، الشرارات التقنيَّة تسبب ضررا أقل. فلم يعقب الهوس بالاستثمار في شركات الانترنت 'دوت كوم' تراجعا اقتصاديا مستداما.
حجم واستدامة الاستثمار الرأسمالي مهمان أيضا. في بريطانيا في أربعينيات القرن التاسع عشر أُغرِم أصحاب الأعمال حقا بتقنية السكك الحديدية. ففي الفترة من 1844 و1847 ارتفع حجم الاستثمار من 5% الى 15% من الناتج المحلي الإجمالي البريطاني. ثم هبط الى النصف عندما انفجرت الفقاعة وتضاعفت البطالة البريطانية.
ثم هنالك الطريقة التي يتم بها توظيف الاستثمار. لم يخدم الكثير من الإنفاق الرأسمالي بواسطة شركات الإلكترونيات اليابانية في الثمانينيات أي غرض في نهاية المطاف. بالمقابل، الفقاعات يمكن أن تفيد المجتمع إذا أوجدت أصولا باقية. لقد شيَّد الهوس بالاستثمار في السكة الحديد هيكل شبكة السكك الحديدية في إنجلترا رغم أن العائد منه لزمه وقت طويل كي يتحقق. وكانت كوابل الألياف البصرية التي مُدّت لعشرات الملايين من الأميال عبر أمريكا في أواخر التسعينيات أكثر بكثير جدا من احتياجات شبكة الانترنت وقتها. لكن في السنوات الأخيرة يسَّرت تلك الألياف الخدماتِ 'كثيفة البيانات' مثل البث المباشر عبر الانترنت ومكالمات الفيديو.
العامل الرابع والأخير الذي يحدد شدة الانهيار يتعلق بالجهة التي ستتحمل الخسائر. عندما يفقد كل فرد من مجموعة كبيرة من الأفراد المستثمرين قليلا من ماله سيكون الضرر الاقتصادي محدودا. وهذا ما حدث بعد ازدهار شركات الإلكترونيات والإنترنت في أمريكا. بالمقابل خلال انهيار السكة حديد ببريطانيا في ستينيات القرن التاسع عشر تركزت الخسائر وسط البنوك والتي فقدت الكثير من الديون ما اضطرها الى خفض الإقراض الجديد. وهذا بدوره عزز الانهيار.
فقاعة الذكاء الاصطناعي
أين يمكن وضع الذكاء الاصطناعي في 'قائمة الفقاعات' هذه؟ لتحديد ذلك اخترنا في الإيكونومست عشر فقاعات تاريخية وشرعنا في تقييمها على أساس عوامل تشمل الشرارة وإجمالي الإنفاق الرأسمالي في الذكاء الاصطناعي وديمومة الأصول الرأسمالية الناتجة عنه ومجموعة المستثمرين. ووفقا لتقديراتنا التي نعترف بأنها تقريبية تحتل فقاعة الذكاء الاصطناعي المحتملة المركز الثاني بعد انهيارات السكة الحديد الثلاثة في القرن التاسع عشر.
الشرارة التي أشعلت ازدهار الذكاء الاصطناعي كانت تقنيَّة. لكن الساسة يضيفون المزيد من الوقود للنار. لقد نُشرت ورقة تأسيسية تحت عنوان 'الانتباه هو كل ما تحتاج إليه' في عام 2017. وأطلقت شركة أوبن أيه آي نموذج شات جي بي تي في عام 2022. وهذه التطورات لا علاقة لها بالسياسة. لكن لاحقا شرعت الحكومات في دعم شركات الذكاء الاصطناعي ببلدانها. فقد وعدت أمريكا في ظل رئاسة دونالد ترامب بتحسين الإجراءات والمساعدة بتوفير البنية التحتية والعمالة اللازمة لتحقيق 'الهيمنة العالمية' في هذا المجال. وتضخ حكومات بلدان الخليج تريليونات الدولارات في استثمارات الذكاء الاصطناعي.
طبيعة الإنفاق الرأسمالي في الذكاء الاصطناعي يدعو إلى القلق أيضا. حتى الآن يبدو التبذير متواضعا بالمعايير التاريخية. فوفقا لتقديراتنا الأكثر سخاء استثمرت شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية ما بين 3% الى 4% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة خلال السنوات الأربع الماضية. وكان الاستثمار في السكك الحديدية البريطانية في أربعينيات القرن التاسع عشر بلغ حوالي 15% الى 20% من الناتج المحلي الإجمالي. لكن ذلك سيتغير إذا صحت التوقعات الخاصة بتشييد مراكز البيانات. وما هو أكثر من ذلك أن حصة كبيرة وغير عادية من الاستثمار الرأسمالي تُخصَّص للأصول التي تتآكل قيمتها بسرعة. فأحدث الرقائق التي تنتجها شركة انفيديا ستبدو قديمة بعد سنوات قليلة. وتقديراتنا هي أن مدة صلاحية أصول شركة التقنية الأمريكية في المتوسط 9 سنوات فقط مقارنة بحوالي 15 سنة لأصول الاتصالات السلكية واللاسلكية في تسعينيات القرن الماضي.
وأخيرا السؤال المتعلق بالجهة التي ستتحمل الخسائر عند الانهيار (انفجار الفقاعة). حسب تقديرات بنك مورجان ستانلي نصف الإنفاق الرأسمالي القادم على مراكز البيانات تقريبا والبالغ 2.9 تريليون دولار سيأتي من تدفقات نقدية لشركات تقنية عملاقة. يمكن لهذه الشركات اقتراض الكثير لتمويل استثماراتها إذا أرادت ذلك نظرا الى قلة ديونها الموجودة. وهي تشكل حوالي 20% من القيمة السوقية للشركات المدرجة في مؤشر ستاندارد آند بورز 500. لكنها كشركات مقترضة تمثل 2% فقط من سوق سندات التصنيف الاستثماري. وتبدو ميزانياتها العمومية بالغة المتانة.
أما كبار المستثمرين الآخرين فيرجح أن يكونوا شركات تأمين ومشاريع تقاعد وصناديق ثروة سيادية وعائلات غنية. في أغسطس موَّلت 'بيمكو' وهي شركة استثمار كبيرة في السندات وشركة الائتمان الخاص 'بلو أوول' مشروع توسعة مركز بيانات شركة 'ميتا' في لويزيانا والذي تبلغ تكلفته 29 بليون دولار.
وإذا تحولت قيمة كل هذه الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي الى 'صفر' سيخسر مثل هؤلاء المستثمرين. لكن من المستبعد أن يقود ذلك إلى انهيار مالي. فنظرا الى أن البنوك الأمريكية لا تمول بنفسها الكثير من ازدهار الذكاء الاصطناعي سيكون تعرُّضها في معظمه غير مباشر وعبر هؤلاء المُقرِضين غير المصرفيين (شركتي بيمكو وبلو أوول وأمثالهما- المترجم.)
لكن من جانب آخر، اقتصاد أمريكا في وضع فريد تاريخيا. فتعرُّض الأفراد لمخاطر سوق الأسهم هناك لم يكن أبدا بمثل هذا الارتفاع. إذا تشكل ملكية الأسهم 30% من صافي ثروة العائلات الأمريكية مقارنة بحوالي 26% إبان ذروة فقاعة الانترنت (دوتكوم) في أوائل عام 2000.
مثل هذه الملكية تتركز وسط الأثرياء الذين حرَّك انفاقهم النمو الاقتصادي مؤخرا. وحسب شركة 'اوكسفورد ايكونومكس' الاستشارية يرتفع وينخفض الإنفاق الاستهلاكي بحوالي 14% (أو 14 سنتا) مقابل كل تغير يساوي دولارا واحدا (بالزيادة أو النقصان) في الثروة المالية. هذه التغييرات بدورها تعتمد أكثر من أي وقت آخر على شركات عملاقة قليلة ستتشكل حظوظها بواسطة الذكاء الاصطناعي.
خلال العام الماضي كان وعدُ الثورة التقنية مرحَّبا به باعتباره صارفا للانتباه وشاغلا عن الواقع الأكثر قتامة للمؤسسات الأمريكية المتضعضعة. وإذا فشل 'الكائن الرقمي' في الوصول سيكون الانهيار فاجعا.