عندما تعيد الصدمات رسم خارطة الذات
الجمعة / 12 / ربيع الأول / 1447 هـ - 19:56 - الجمعة 5 سبتمبر 2025 19:56
تمر حياة الإنسان بمحطات تغييرية تهز كيانه، وتعيد ترتيب أولوياته، تلك اللحظات العصيبة التي يمر بها الإنسان أحيانا لا تحدث ضجيجا كما يتوقعها البعض، بل هي عبارة عن صمت داخلي تختلط في مكوناته المشاعر والأحاسيس، ثم تهدئ الروح وكأنها تأخذ استراحة «محارب» لتعيد ترتيب كل شيء في مكانه سواء كانت عبارة عن قرارات حاسمة، أو إغلاق دوائر متكاملة من العلاقات مع الآخرين، والغريب أن هذا الترتيب الذاتي لا يتهم إلا مع سكون المشاعر، والهدوء الذي يلازم الروح.
ومع الوقت تنضج مشاعر الإنسان بقناعات جديدة، وتصبح الأفكار أكثر عمقا ووعيا من السابق. ثم يبدأ الإنسان مرحلة أخرى بتعاطيه مع الواقع. البعض يكون أكثر حذرا في اختياراته المقبلة، والبعض الآخر يتجنب كل ما يؤذي قلبه، أو يسرق سلامة راحة عقله، وكل ذلك وكأن الصدمات تعيد رسم خارطة الذات من خلال اعتبار ما قد مضى عبارة عن «درسا قاسيا» لتغير الكثير من المفاهيم، وكشف للحقائق المثيرة للاهتمام الإنساني.
في مدرسة الحياة تعلمنا الكثير من الدروس والعبر ومنها: «ليست كل يد ممدودة هي يد عون ومساعدة، وليست كل ابتسامه ساحرة دليل محبة صادقة».. العلاقات التي يمر بها الإنسان تقاس بالمواقف، وليست مجرد سفن عابرة وحديث يتبخر سريعا في هذا الوجود.
الصدمات التي يمر بها الإنسان لا تقتله، بل تعلمه في بناء الذات حتى وإن طاله نوع من الخذلان أو الانكسار؛ فالصدمات هي التي تكشف له قيمة السلام الداخلي الذي يحتاجه والذي لا يقدر بثمن، وبعد كل صدمة يمر بها الإنسان يكشف أيضا أن الحكمة ليست صفة فطرية، بل هي ثمرة تجارب متتالية ما بين السلام والحرب؛ عندها يدرك المرء منا أن السلام النفسي ضرورة وجودية في حياة كل إنسان يرنو إلى الأفضل دائما.
ومع ذلك فإن مواجهة الصدمات ليست وحدها التي تشكل نضج الإنسان، بل أيضا سبر أغوار التجارب وطريقة تعامل الآخرين معنا، وهي التي تخبرنا عن معادن البشر «الرخيصة والثمينة» كل حسب الإناء الذي يخرج منه. بعضنا يصدم كثيرا من معاملة الآخرين له خصوصا حين يجد نفسه محاطا بأسوار عالية من «الجدل والاستفزاز»؛ فبعض الناس يظنون أن الرد على كل كلمة بعشر كلمات هي علامة قوة، بينما القوة الحقيقية تكمن في تجنب كل «الجدال» الذي لا فائدة منه، وقديما قيل: «السكوت عن الجاهل جواب».
إذن الجاهل لا يسكته إلا بالصمت؛ ولذا فإن حقن الوقت والطاقة يصبح ضرورة قصوى؛ لتجنب هدر الأشياء فيما لا فائدة فيها مع الآخرين، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى: «وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاما» «الفرقان: 63».
الصمت أمام الجهل ليس ضعفا، بل سمو يعلو على صخب النزاع؛ فالعقلاء دائما يختارون «ساحات حديثهم» بعناية، ويتجنبون إهدار وقت أعمارهم في نقاشات لا تضيف لهم شيئا.
في بعض الأحيان تصاب بحالة من السخط على من حولك عندما يزج باسمك في قضايا لا علاقة لك بها، ويقال عنك ما ليس فيك، وسيلبسونك صفات ليست لك شأن بها، وستنسج حولك روايات مشوهة، وترسم صورتك في أحداث لم تكن فيها حاضرا؛ هنا ليس لك طريق آخر سوى «الصمت والانزواء» بعيدا عن ساحة قتال لا مكان لك فيها.
من الحقائق التي يفرزها الواقع في حياة الناس أن ليس كل شخص منا هو محبوب دائما أو مرحب به في كل مكان قضى الله في خلقه ألا يجتمعوا على حب أحد أو كرهه؛ فلست أنت ذلك الملاك الطاهر أمام شيطانهم، ولا الزهر البهي وسط أشواكهم، وهم ليسوا الباكين عليك لآخر العمر، ولا الباقين من أجلك حتى النهاية، وهنا يظهر البرود الحقيقي لامتصاص موجات الغضب التي هي ليست ضعفا -كما يظن البعض-، بل هي نضج عميق في ذاتك.
إن التجاهل الواعي من الجدال ليس هروبا من المعارك، بل احتراما لوقتك ووعيك، وفي علم النفس يسمى هذا «التحكم الناضج بالذات»، وهو أن تدرك راحة بالك أهم من أن تهدر طاقتك في أي شيء.
من الثوابت في الحياة هو أن تمضي بثبات لا تنتظر تصفيقا من البشر. عش لله لا للناس؛ فحين يرضى الله عليك لن يضرك غضب الناس، وحين يغضب الله عليك لن تنفعك محبة الخلق.
لذا اجعل قلبك معلقا في السماء لا برضا البشر الزائل. كثيرون يظنون أن تأخير الحق انتصار لهم، لكن الأيام تكشف لهم أن الله لا ينسى، وأن الحق دائما يعود لأصحابه في الوقت الذي يريده الله -سبحانه وتعالى-.
إذن لا تصارع الآخرين في ساحة الجدال أو الانتقام فعدالة الله أعظم من كل تدبير، وقدرته تفوق كل قوة، ومن ظلمك في هذا الدنيا فقد تحدى الله -سبحانه وتعالى-، ومن يستطيع أن يتحدى الله!
اصمت ودع الأيام تتكلم بعدلك؛ سيأتيك الحق بطريقة تدهش بها قلبك، وتغنيك عن أي كلام كن مطمئنا؛ فانتقام الله عظيم ولطفه أعظم وعدالته لا تتأخر، ولو ظن الناس ذلك.
وفي النهاية الدروس تتكامل مع بعضها البعض؛ فالصدمات تزرع فينا النضج والصمت أمام الظالم أو الجاهل، ويرسخ فينا صفة الوقار، وثقتنا ويقيننا التام بعدالة الله، ويجعلنا أقوى مع كل تجربة مؤلمة بحيث نصبح أكثر وعيا وأشد صلابة وأكثر حبا لله، وأدرك أن الحق عند الله -سبحانه- لا يضيع، وأن عدالته أعظم من كل انتقام وتدبير بشري.