لجان التوفيق والمصالحة بمسقط .. تطوير مستمر للكوادر والإجراءات
الخميس / 11 / ربيع الأول / 1447 هـ - 16:22 - الخميس 4 سبتمبر 2025 16:22
أُنشئت لجان التوفيق والمصالحة بموجب المرسوم السلطاني رقم (98/2005)، لتوفر بديلاً وديًا لتسوية النزاعات المدنية والتجارية بين الأفراد، وتسهم في تعزيز قيم التسامح والعدل، وتقليل أعباء التقاضي على المحاكم.
وتتبع هذه اللجان المحافظات بعد أن كانت تابعة لوزارة العدل، وتشرف محافظة مسقط على أربع لجان للتوفيق والمصالحة، وهي: لجنة التوفيق والمصالحة بمسقط وتضم مسقط، مطرح، بوشر، ولجنة التوفيق والمصالحة بالعامرات، ولجنة التوفيق والمصالحة بقريات، ولجنة التوفيق والمصالحة بالسيب.
وفقًا للقانون المنظم لعمل لجان التوفيق والمصالحة، فإن اختصاصها يبدأ قبل تسجيل الدعوى القضائية رسميًا، حيث تعرض اللجنة على المدعين أو ممثليهم – قبل قيد صحف الدعاوى – تسوية النزاع صلحًا عن طريق اللجنة المختصة. وفي حال قبول الطرف المدعي أو من ينوب عنه لهذا العرض، يتم رفع النزاع إلى اللجنة المختصة التي تتولى محاولة التوفيق بين الأطراف وتسوية الخلاف وديًا.
وتعد هذه الخطوة بمثابة إجراء تمهيدي هدفه تهيئة المناخ للوصول إلى حل مرضٍ لجميع الأطراف، وتفادي الدخول في إجراءات قضائية طويلة ومكلفة، سواء من حيث الوقت أو الجهد أو النفقات.
تعقد لجنة التوفيق جلسات مخصصة للنظر في النزاع ومحاولة تقريب وجهات النظر بين الأطراف. وتنص المادة (14) على أنه إذا لم يحضر أحد الأطراف جلسة التسوية، يتم تأجيلها إلى جلسة أخرى يبلغ بها المتغيب. لكن لا يجوز تكرار التأجيل مرة أخرى لنفس السبب، وذلك لتجنب التسويف والمماطلة.
وفي حال تخلف الأطراف عن الحضور بعد التأجيل، أو إذا حضروا ورفضوا إتمام الصلح كليًا أو جزئيًا، تُصدر اللجنة قرارًا بعدم إتمام الصلح، مع بيان أسباب ذلك. ويقتصر أثر القرار على من لم يوافق على الصلح، بينما تستمر اللجنة في إجراءات التسوية مع باقي الأطراف إذا كان النزاع قابلاً للتجزئة، وهو ما يعكس مرونة الإجراء وحرصه على إحقاق الحق قدر الإمكان.
محضر الصلح.. سند تنفيذي بقوة الحكم القضائي
وإذا ما نجحت اللجنة في تحقيق التسوية بين الأطراف، يتم إعداد محضر صلح يتضمن تاريخ وتفاصيل الاتفاق، ويوقّع عليه جميع أطراف النزاع، ويوقع على المحضر كذلك رئيس اللجنة وأعضاؤها الحاضرون. وتكمن أهمية هذا المحضر في كونه يصبح – فور توقيعه – سندًا تنفيذياً يتمتع بنفس قوة الأحكام القضائية النهائية.
وتقوم اللجنة بتسليم صورة رسمية من المحضر لكل طرف، في حين يتم حفظ النسخة الأصلية في ملف الطلب، مما يضمن توثيق الاتفاق وحفظ حقوق الأطراف.
وفي حال لم يلتزم أحد الأطراف بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه طوعًا، يمكن للطرف الآخر طلب التنفيذ الجبري للمحضر، بعد الحصول على نسخة منه مختومة من اللجنة ومذيّلة بالصيغة التنفيذية، وفقًا لأحكام قانون الإجراءات المدنية والتجارية.
ومن الجوانب التنظيمية المهمة التي ينص عليها القانون، ما ورد في المادة (16)، والتي تتيح للطرف الذي فقد نسخته من محضر الصلح الحصول على نسخة أخرى مطابقة للنسخة الأصلية المحفوظة لدى اللجنة. إلا أن تسليم نسخة تنفيذية أخرى لا يتم إلا بعد تحقق اللجنة من ضياع النسخة الأولى ومن عدم تنفيذ ما ورد فيها، وهو ما يعكس حرص النظام على تجنب إساءة استخدام المحاضر التنفيذية وضمان الجدية في اللجوء للتنفيذ الجبري.
كما تمنح المادة (17) من القانون أهمية قانونية كبيرة لتاريخ قيد الطلب لدى لجنة التوفيق، حيث يترتب على ذلك انقطاع مواعيد سماع الدعاوى ومدد التقادم المنصوص عليها في القوانين الأخرى. وتُحتسب هذه المدد من جديد اعتبارًا من اليوم التالي لتاريخ إتمام الصلح أو صدور قرار بعدم إتمامه، بما يحفظ حقوق الأطراف من الناحية الزمنية ويمنع سقوطها بالتقادم خلال فترة إجراءات التسوية.
تُلزم المادة (13) من قانون لجان التوفيق والمصالحة بإنهاء إجراءات التسوية خلال مدة أقصاها ستين يومًا من تاريخ تقديم الطلب، وهو ما يعكس حرص المشرّع على عدم إطالة أمد النزاع. كما يجيز القانون تمديد هذه المهلة لمدة لا تتجاوز ثلاثين يومًا أخرى، بشرط وجود اتفاق بين أطراف النزاع أو بموافقتهم المعلنة أمام اللجنة.
ويضمن هذا التحديد الزمني تحقيق التوازن بين توفير الوقت الكافي لبحث الحلول الودية وبين عدم تعطيل مصالح المتنازعين، ويدفع اللجنة والأطراف نحو التفاعل الإيجابي والسريع مع الإجراءات.
لا تقتصر أهمية لجان التوفيق والمصالحة على الجانب القانوني فحسب، بل تتعداه إلى دور مجتمعي بالغ الأثر، إذ تساهم هذه اللجان في خفض حدة النزاعات بين الأفراد وتمنحهم فرصة لتسوية خلافاتهم بطريقة ودية قائمة على الحوار والتفاهم. كما أنها تشكل عنصرًا مساعدًا في تعزيز الثقة بالقانون ومؤسساته، إذ يشعر المواطن أن له سبيلاً ميسرًا وفعالًا لاسترداد حقوقه دون الحاجة إلى خوض نزاع قضائي طويل.
وتكمن أهمية اللجان أيضًا في دورها التوعوي، فهي تُشجع على تسوية النزاعات بالطرق السلمية، وتعزز ثقافة التسامح والتوافق، وهي مبادئ تتماشى مع القيم المجتمعية الأصيلة في سلطنة عُمان.
وتعد لجان التوفيق والمصالحة في محافظة مسقط نموذجًا في تطبيق العدالة البديلة، ومثالًا حيًا على آلية توظيف القانون لخدمة المجتمع بطريقة مرنة وفعالة. وتُبرز هذه اللجان دور القانون في حماية الحقوق وتعزيز التفاهم، وتؤكد على أهمية التطوير المستمر لهذه الآلية، من حيث الكوادر والإجراءات والوعي المجتمعي، لتحقيق أفضل النتائج الممكنة.
ومع ما تبديه الجهات المعنية من اهتمام بدعم هذا المسار، فإن لجان التوفيق والمصالحة تبقى خيارًا استراتيجيًا يجب ترسيخه وتفعيله، لما لها من أثر مباشر في تحقيق العدالة الاجتماعية، وصون العلاقات بين الأفراد، وتخفيف العبء عن القضاء.