عمان اليوم

الحياة الريفية بمحافظة ظفار.. موروث غني بمفردات الأصالة والإبداع

 


كتب ـ سهيل بن ناصر النهدي:
حافظ سكان المناطق الريفية بمحافظة ظفار، على موروثهم التقليدي من الصناعات الحرفية، والعادات والتقاليد المرتبطة بالفنون، والأهازيج الشعبية، ويتشارك الرجل والمرأة في حفظ الموروث، عبر تعليم الأجيال هذه الصناعات والحرف التقليدية، ومهارات صنع منتجات باستخدام أدوات من البيئة المحلية ليتم عرضها في الأسواق والمعارض والفعاليات التي تقام بالمحافظة.
وتنبض الحياة الريفية بمحافظة ظفار، بالعمل في وقع يمتزج فيه إبداع الحاضر مع عبق الماضي، ويتوارث أبناء المحافظة المهن الحرفية لتبقى على مر الأجيال حاضرة بجودتها وجمالها المصنوع بحرفية متناهية ودقة في التصميم والإتقان.
(عمان) زارت قرية (شاهاب) بناية جبجات بولاية طاقة، حيث ينبض الريف، بالعمل والجهد والمثابرة، ويتعاون الأهالي والجيران في إنتاج الصناعات الحرفية المتنوعة، واقتربت أكثر من الحياة الريفية، والصناعات الحرفية التي ينتجها الأهالي، والتحديات التي تواجههم.
وقال عبدالله بن مسلم بن أسلم المشيخي: نعتز بالحرفيات في قرية شاهاب كهوية وتراث، وهي نمط حياة ثقافي بالنسبة لنا، وتتجاوز الحرف اليدوية في مفهومها عند أبناء الريف من مجرد مهنة، إلى لغة يومية تُحكى عبر نسج الخيوط والصناعات المرتبطة بالجلود والسعفيات والأحجار.
امتداد تاريخي
وأكد المشيخي على أن الحرف في قرية شاهاب هي امتداد لتقاليد سكان المناطق الريفية في الجبال، منذ آلاف السنين، وانتشرت المنتجات الحرفية كجزء من الحياة اليومية، بكافة أنواعها من الملابس والأغطية المنزلية إلى السلال والأحذية وغيرها من الأدوات المستخدمة في الحياة اليومية، موضحا بأن أهالي القرية لعبوا دورا مهمّا في نقل المهارات من جيل إلى جيل عبر حلقات عمل أسرية ومناسبات مجتمعية.
أنواع الحرف
وأشار إلى عدد من الصناعات التي ينتجها الأهالي بالقرية، موضحا أن المنسوجات التقليدية، يتم نسجها من ألياف محلية، مثل القعلو والهبان، وتظهر عليها رسوما ونقوشا محلية، وهذه المنتجات في صنع الأغطية، والحُصُن، والملابس التقليدية.
كما تتم دباغة الجلود التي تُستخدم في صناعة أدوات مثل الأحذية التقليدية، والأحزمة، وكذلك القِربة التي تُحفظ فيها المياه، مشيرا إلى أن هذه المنتجات الجلدية تستخرج من جلد الغنم أو الشاة الصغيرة وتُعالج بطرق خاصة لتحافظ على برودة الماء ونقائه.
أما السعفيات فإنها تستخرج من سعف النخيل وتُحاك لصناعة سلال متنوعة وأغطية وأغراض منزلية. ومن أشهر الأدوات القعلو، وهو وعاء من السعف كان يُستخدم قديما لحلب الأبقار والجمال، ويتميز بخفته وسهولة حمله.
كذلك يستخدم الأهالي حجر الجبس، الذي يستخرج من الجبال ويُشكَّل يدويا لصنع أدوات عديدة وتعتبر هذه الصناعات من الحرف الدقيقة التي تحتاج مهارة في النحت والتنعيم، كذلك هناك حرف مساندة لهذه الصناعات وتتمثل في التلوين اليدوي والتطريز التقليدي، والخياطة اليدوية.
من جانبها أوضحت نور بنت بخيت المشيخية أن الصناعات الحرفية في قرية شاهاب تتميز بكونها يدوية بالكامل أو شبه يدوية، حيث يتم التحضير لصناعتها بانتقاء المواد مثل (الجلد الناعم، والسعف الجاف والحجر أو الجبس المناسب والخيوط المتينة)، وتتم معالجة الجلد بحيث يُنظف ويُدهن بزيوت طبيعية، كما يتم تنشيف وفرد السعف، بالنسبة للصناعات المرتبطة بالسعف، فيما يتم نحت الحجر والجبس تمهيدا لصنع أنواع معينة من الأدوات.
وقالت: إن صناعة النسيج والخياطة والنحت تُسهم كمهارات متوارثه في تشكيل أنماط ثابتة ودقيقة، منذ البداية وإلى أن يصل المنتج لمرحلة التشطيب عبر إضافة تطريز أو نقوش بسيطة تزيد من قيمة القطعة المصنوعة.
وأكدت نور المشيخية أن لهذه الحرف مكانة لدى أهالي المناطق الريفية، في تتجاوز في دلالاتها المعنى الاجتماعي إلى رمزية تراثية وصناعات يفتخر بها أهالي الريف، وهي تحمل رمزية كبيرة بحيث إنها تجمع الأسرة والمجتمع الريفي في مكان واحد، يتبادلون من خلاله الخبرات والصناعات ويضيفون إليه المزيد من الجماليات.
وأضافت: نعمل على أن تنتقل هذه الصناعات إلى الأجيال، بحيث يقوم الكبير بتعليم الصغار الصناعات لتبقى يتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل، والحفاظ على استمراريتها، مؤكدة أن تناقل هذه الصناعات لدى الأجيال، يعزز من احترام الشباب لهذه الصناعات، وذلك عندما تترسخ في نفوسهم بأنها جزء من تراثهم وهويتهم.
الدور الاقتصادي
وقالت المشيخية: إن الحرف والصناعات اليدوية توفر دخلا إضافيا للأسر، خصوصا للنساء اللواتي يساهمن في الإنتاج من المنزل، مع وجود طلب محلي وسوق للسياح والزوار.
وأشارت إلى أن هذه الحرف يمكن أن تكون مصدر رزق مستداما لو تم تدعيمها بالتسويق والتدريب، وتوفير منافذ بيع والترويج لهذه الصناعات.
تحديات
وأشارت نور المشيخية إلى عدد من التحديات التي تواجه الأهالي في هذه الصناعات، بينها عدم وجود الدعم المناسب من قبل القطاعين العام والخاص، معربة عن أملها في أن يتم تبني هذه المشاريع من قبل الجهات وتقديم الدعم لها.
واقترحت عددا من المقترحات لتطوير هذه الصناعات ودعمها لاستمراريتها والحفاظ عليها، ومن بين المقترحات، إقامة ورش تعليمية مُنظمة للشباب لتعلم أساسيات النسج والنحت وصناعة السعف، وتحسين التغليف والعلامة التجارية، لهذه المنتجات مع إبراز الأصل التراثي لها، وتبني خطط للتسويق الرقمي عبر المنصات الإلكترونية، والتعاون مع الجهات المختصة لإقامة ورش وتجارب عملية، وحث الشراكات على إقامة جسور من التعاون مع أصحاب الصناعات الحرفية في المناطق الريفية، وتطوير منتجات جديدة تحافظ على الطابع التقليدي مع ملاءمة الحياة المعاصرة.