الاقتصادية

كيف تستعد سلطنة عُمان للدخول في سباق صناعة أشباه الموصلات العالمية؟

 


تعد صناعة أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية من أكبر وأسرع القطاعات نموا في العالم، إذ تشكل حجر الأساس للتقنيات الحديثة التي تعتمد عليها مختلف الصناعات، من الحوسبة والاتصالات إلى الرعاية الصحية والنقل.
وأعلنت جمعية صناعة أشباه الموصلات (SIA) أن مبيعات أشباه الموصلات العالمية بلغت 627.6 مليار دولار أمريكي في عام 2024، مرتفعة بنسبة 19.1% مقارنة بعام 2023 والتي سجلت 526.8 مليار دولار أمريكي، مع توقعات بأن يتجاوز حجم سوقها 1.1 تريليون دولار بحلول عام 2033، ما يجعلها رافدا اقتصاديا واعدا تسعى دول عديدة إلى توطينه.
وتعد الشركات العاملة في هذا المجال مؤشرا دقيقا على صحة الاقتصاد العالمي، نظرا إلى الطلب المتزايد على الرقائق في قطاعات حيوية مثل الأمن السيبراني، والخدمات المصرفية، والأجهزة الذكية، والتصنيع.
3 اتفاقيات استراتيجية
وبدأت سلطنة عمان بخطوات طموحة نحو بناء قاعدة صناعية وتقنية في هذا المجال الواعد، مدفوعة برؤية استشرافية لتعزيز الاقتصاد الرقمي الوطني، وفي هذا السياق، أجرت 'عُمان' حوارا خاصا مع خلود بنت خميس بن عبدالله الحضرمية أخصائية أولى للاستثمار التقني بوزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، لتسليط الضوء على جهود سلطنة عمان في هذا القطاع الحيوي.
وقالت خلود الحضرمية: إن الوزارة وقعت ثلاث اتفاقيات استراتيجية تشكّل عناصر أساسية لبناء منظومة وطنية لصناعة أشباه الموصلات في سلطنة عمان، وتُترجم هذه الاتفاقيات سعي الوزارة نحو الجهود التي تهدف إلى بناء اقتصاد معرفي منتج يقوم على التقنيات الحديثة، بما يتماشى مع أولويات 'رؤية عُمان 2040'.
وأضافت: كما وقّعت الوزارة دعم تأسيس أول شركة تصميم رقائق إلكترونية في سلطنة عمان، حيث مثّل هذا المشروع الانطلاقة العملية لبناء الكفاءات الوطنية في سلطنة عمان، جرى من خلالها توظيف 100 مهندس عُماني، وبدأت مرحلة نقل المعرفة في مجالات تصميم واختبار الرقائق الإلكترونية، ما يشكّل قاعدة فنية صلبة لأي نمو مستقبلي في هذا القطاع، واتفاقية تسهيل إنشاء أول مصنع للرقائق الإلكترونية المتقدمة في سلطنة عمان، ويشكّل هذا المشروع الصناعي غير المسبوق على مستوى المنطقة نقلة نوعية نحو توطين الصناعة، وتحقيق الاكتفاء المحلي، وتحفيز سلاسل القيمة المرتبطة بصناعة الرقائق، مما يُعزّز التحوّل الفعلي إلى اقتصاد رقمي منتج، واتفاقية التعاون مع شركة Kaynes Semicon الهندية التي تركز على بناء رأس المال البشري المتخصص، من خلال تدريب 80 مهندسًا عُمانيًا لمدة 12 شهرًا في مجال تصميم أشباه الموصلات (VLSI)، بهدف تأسيس مركز إقليمي للتصميم يعمل بكوادر عُمانية، ضمن شراكة ثلاثية تجمع وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات ووزارة العمل والقطاع الخاص الدولي (الشركة).
فرص عمل نوعية
وأوضحت خلود الحضرمية أنه من المخرجات المتوقعة خلال السنوات الخمس القادمة إيجاد فرص عمل نوعية للمواطنين في مجالات تصميم وتصنيع واختبار الرقائق الإلكترونية، ونقل وتوطين التكنولوجيا، من خلال برامج تدريب عملية وشراكات دولية فاعلة، وتأسيس بنية أساسية صناعية تنافسية لصناعة الرقائق، وربطها بمنظومة الابتكار الوطنية، وتمكين الكفاءات الوطنية لتكون قادرة على قيادة مشاريع تقنية معقدة ومواكبة المتغيرات العالمية، وجذب الاستثمارات النوعية إلى سلطنة عمان، وتعزيز موقعها كمركز إقليمي لصناعة أشباه الموصلات في الشرق الأوسط، حيث تمثل هذه الاتفاقيات عناصر مترابطة ضمن خارطة طريق استراتيجية تهدف إلى بناء قطاع وطني تنافسي لأشباه الموصلات، وتحقيق أثر اقتصادي ومعرفي مستدام.
أول مصنع للرقائق الإلكترونية
وفي سؤالها حول مذكّرة التفاهم مع شركة 'AONH Holdings' لتسهيل ودعم إنشاء أول مصنع للرقائق الإلكترونية المتقدمة والمخطط إقامته في المنطقة الحرة بصلالة، أوضحت أن المشروع يهدف إلى تطوير رقائق إلكترونية متقدمة مخصصة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، بما يسهم في تمكين الحلول الذكية في مجالات متعددة، وتوطين سلسلة القيمة المرتبطة بصناعة الرقائق بدءًا من التصميم مرورًا بالتصنيع، كما يهدف المشروع إلى تطوير مهارات الكوادر الوطنية في مجالات التصنيع المتقدم، والهندسة الدقيقة، وإدارة الأنظمة الذكية، بالإضافة إلى فتح آفاق جديدة للشباب العُماني في هذا المجال، كما سيساعد المشروع على جذب كفاءات دولية من دول رائدة في هذه الصناعة مثل تايوان وكوريا الجنوبية واليابان، مما يُعزّز نقل الخبرات العالمية ويُعجّل بتوطين التقنيات المتقدمة في سلطنة عمان.
وتابعت بقولها: إن الشركة تعمل حاليًا على جذب المزيد من الشركاء المحليين والدوليين وتكوين تحالف مع عدد من الصناديق الاستثمارية في المنطقة، بحكم أن هذا النوع من المشاريع يتطلب رؤوس أموال ضخمة، كما أن عمليات بناء هذا النوع من المصانع معقدة جدًا وتستغرق فترة زمنية لا تقل عن 5 سنوات وتطلب اشتراطات ومعايير عالمية محددة بحكم دقة عمليات تصنيع هذه الرقائق وصِغر حجمها.
وحول عدد الكوادر العُمانية المتوقع تدريبها من خلال المشروع أشارت خلود الحضرمية إلى أن سلطنة عمان لديها ثروة من الكوادر الوطنية في مجالات الهندسة من مختلف الجامعات، مما يمكّن الشركة من تطوير وتمكين هذه الكوادر حسب المعايير والمتطلبات الدولية في هذه الصناعة، مما يسهم في بناء جيل قادم من المهندسين في هذا القطاع، ويطمح المشروع لتحقيق نسبة تعمين تصل إلى 20% خلال ثلاث إلى خمس سنوات من بدء تشغيل المشروع.
وأضافت بقولها: من المخطط أن تخضع هذه الكوادر لتدريب متخصص داخل سلطنة عمان وخارجها في الدول الرائدة في هذه الصناعة عبر شراكات دولية مع جامعات خارجية متخصصة وشركات دولية لتمكينهم من الوصول إلى المهارات والخبرات المطلوبة لمشاركتهم الفاعلة في الأدوار الرئيسية لإدارة وتشغيل المصنع.
التسهيلات والحوافز
وردًا على 'عُمان' حول التسهيلات والحوافز التي تسعى الوزارة لتقديمها لجذب المزيد من الاستثمارات، خاصة في ظل احتياج صناعة الرقائق لرؤوس أموال كبيرة، بيّنت خلود الحضرمية أن الوزارة تسعى بالتعاون مع الجهات المعنية في سلطنة عمان وشركائها على تصميم مجموعة متكاملة من التسهيلات بشكل يتناسب مع متطلبات المرحلة ويُعزّز فرص وتنافسية سلطنة عمان كوجهة جاذبة لصناعة الرقائق الإلكترونية، ومن أبرز هذه الحوافز برامج دعم التدريب على رأس العمل بالتعاون مع وزارة العمل لتطوير الكفاءات الوطنية وتزويد المستثمرين بقوى عاملة ماهرة ومدرّبة وفق احتياجات الصناعة، وإعفاءات ضريبية تشمل إعفاءات جمركية وضريبية لفترات محددة للمستثمرين في هذا القطاع الحيوي لتخفيف الأعباء المالية في المراحل الأولى من الاستثمار بالتعاون مع وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار والمناطق الحرة والمناطق الصناعية، وتسهيلات في تخصيص الأراضي بحسب احتياجات المشروع الاستثماري بالتنسيق مع وزارة الإسكان والتخطيط العمراني وتوجيه المستثمرين إلى الاستفادة من الأراضي والتسهيلات المتوفرة في المناطق الحرة والمناطق الصناعية المدعومة بالخدمات اللوجستية والبنية الأساسية المناسبة، وتعرفة تفضيلية للكهرباء والمياه.
وبالنظر إلى استهلاك هذه الصناعات العالي للطاقة، يتم تقديم تسعيرات تنافسية لدعم استدامة العمليات التشغيلية وذلك بحسب حجم الاستثمار وطبيعته، ودعم إجراءات التراخيص والتسجيل من خلال الدعم المباشر من قبل وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار عبر نافذة موحدة للمستثمرين لتقليل الوقت والتعقيدات الإدارية أمام المستثمرين، ودعم الشراكات البحثية مع الجامعات ومراكز البحث لتسهيل الابتكار ونقل التقنية، حسب الحضرمية.
ولفتت الحضرمية إلى أن الوزارة تعمل على التنسيق مع عدد من الجامعات والكليات في سلطنة عمان بهدف إدراج مناهج متخصصة في مجال أشباه الموصلات ضمن البرامج الأكاديمية، لا سيما في التخصصات الهندسية والتقنية، ومن خلال المناقصة التي طرحتها الوزارة حاليًا لتقديم الخدمات الاستشارية لتأسيس منظومة متكاملة لأشباه الموصلات ودعم إنشاء مركز التميز في هذا المجال، من المتوقع أن تتضمن مخرجات المشروع مقترحًا عمليًا لبرامج تدريبية وتطوير مناهج يتم تنفيذها بالتعاون مع الجامعات والكليات المحلية، مشيرة إلى أنه حتى الآن، لم يتم بناء مختبرات أو حجرات تعليمية متخصصة في سلطنة عمان لهذا القطاع بشكل كامل، لكن هذا الجانب يمثل أحد المحاور الأساسية التي سيتم العمل عليها ضمن منظومة أشباه الموصلات المزمع تأسيسها، كما أن مخرجات الدراسة الاستشارية ستسهم في وضع خارطة طريق لتحديد المتطلبات الفنية والأكاديمية اللازمة، بما في ذلك إنشاء مختبرات تعليمية وتطوير بيئة بحثية متقدمة بالتعاون مع المؤسسات التعليمية، والوزارة حاليًا في مرحلة التخطيط والتنسيق مع الأطراف ذات العلاقة، وستتبلور تفاصيل التعاون مع الجامعات والجهات الأكاديمية بشكل أوضح خلال مراحل تنفيذ المشروع الاستشاري القائم.
وأفادت خلود الحضرمية أن قطاع أشباه الموصلات يُعد من القطاعات الحيوية التي تندرج بشكل مباشر ضمن برنامج 'الصناعة الرقمية' وبرنامج الاقتصاد الرقمي الوطني باعتباره من الممكنات الأساسية للتحول الرقمي وتعزيز القدرات التكنولوجية في سلطنة عمان، وتطوير هذا القطاع يسهم في بناء منظومة صناعية رقمية متقدمة، ويدعم تمكين الصناعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والتقنيات الناشئة الأخرى التي تشكّل ركيزة أساسية للاقتصاد الرقمي، كما يتماشى هذا التوجه مع 'رؤية عُمان 2040' التي تؤكد أهمية تنويع الاقتصاد، والارتقاء بالتنافسية، وبناء اقتصاد قائم على المعرفة والتقنية، ويعد الاستثمار في أشباه الموصلات خطوة استراتيجية نحو توطين التقنيات الحديثة وبناء سلاسل قيمة متكاملة في سلطنة عمان، وفيما يتعلق بالمؤشرات والأهداف، هناك بالفعل توجه نحو وضع مستهدفات كمية تتعلق بجذب استثمارات نوعية، وزيادة عدد المشاريع في هذا القطاع، وخلق فرص عمل تخصصية تواكب احتياجات السوق.
استدامة وتنافسية
وأكدت خلود الحضرمية أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين جهود تطوير قطاع أشباه الموصلات وتوسيع البنية الأساسية الرقمية الأخرى في سلطنة عمان؛ فالقطاع لا يعمل بمعزل عن باقي مكونات المنظومة الرقمية، بل يُعد جزءًا تكامليًا من رؤية شاملة تهدف إلى تعزيز القدرات الرقمية الوطنية، ومع تطور صناعة أشباه الموصلات وزيادة الاعتماد على الحلول الذكية، تزداد الحاجة إلى بنية أساسية سحابية متقدمة قادرة على استيعاب وتحليل كميات ضخمة من البيانات بسرعة وكفاءة، وهو ما تسعى سلطنة عمان إلى تطويره بالتوازي مع هذه المبادرات، كما أن قطاع الرقائق سيوفر ممكنات لتطوير حلول مبتكرة تعتمد على تحليل البيانات الضخمة والاستفادة منها في تحسين الخدمات ورفع كفاءة القطاعات الإنتاجية، مما يُعزّز من فعالية مبادرات البيانات المفتوحة.
واستطردت بقولها: إن الأمن السيبراني من الجوانب الأساسية التي يتم أخذها بعين الاعتبار في تطوير قطاع أشباه الموصلات، خاصة أن هذه الصناعة ترتبط بشكل عميق بحماية البيانات وتأمين الأنظمة الحساسة، ولذلك فإن الاستثمار في البنية الأساسية للرقائق يسير جنبًا إلى جنب مع تعزيز قدرات الأمن السيبراني لضمان حماية المعاملات والتقنيات المرتبطة بهذا المجال.
وأنهت الحضرمية حوارها بالحديث حول الخطط المستقبلية للوزارة للتوسع في قطاع أشباه الموصلات والشراكات الدولية قائلة: يوجد لدى وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات توجه واضح للتوسع في الشراكات الدولية، خصوصًا مع الدول التي تُعد منبعًا ومصدرًا أساسيًا لتقنيات أشباه الموصلات مثل كوريا الجنوبية والصين واليابان وتايوان والولايات المتحدة والهند، وهذه الدول تمتلك خبرات متراكمة ومنظومات صناعية متقدمة في هذا المجال، ومن الضروري الاستفادة منها في مرحلة تأسيس هذه الصناعة محليًا، سواء من حيث نقل المعرفة أو بناء القدرات أو تطوير سلاسل التوريد، حيث تعمل الوزارة على استكشاف فرص شراكات مع شركات كبرى ومراكز بحثية متخصصة في هذه الدول بهدف دعم إنشاء بنية أساسية متكاملة لأشباه الموصلات في سلطنة عمان، بما يشمل الجوانب الفنية والأكاديمية والتشغيلية، كما تسعى الوزارة إلى فتح قنوات تعاون مع مؤسسات عالمية معترف بها في مجال تصميم الرقائق لتسريع عملية بناء الكفاءات الوطنية وتطوير قدرات التصميم المحلي، لضمان دخول سلطنة عمان في هذا القطاع بطريقة مدروسة ومبنية على أفضل الممارسات العالمية، مما يسهم في تحقيق استدامة وتنافسية الصناعة على المدى الطويل.