سكان غزة ينتفضون رفضًا للتهجير: جراحنا تنزف وارادتنا لن تنكسر
يرون الموت يتجول بين أزقة المخيمات
الخميس / 26 / صفر / 1447 هـ - 20:10 - الخميس 21 أغسطس 2025 20:10
كان فواز أسعد، الرجل السبعيني، يجلس على حجرٍ متهالك عند مدخل خيمة نزوح أقيمت على عجل في أطراف مدينة غزة. كان صوته يرتجف وهو يروي لأولاده وأحفاده قصة النكبة الأولى، حين اقتُلعت عائلته من مدينة حيفا عام 1948.
قال بصوت خافت أشبه بالأنين: «كنت في العاشرة من عمري حين أُجبر والدي على ترك بيته، غادرنا تحت وابل الرصاص، كنا نظن أننا سنعود بعد أيام، لكن الأيام تحولت إلى عقود». لم يكن في مخيلته آنذاك أنّه سيعيش النكبة ذاتها مجددًا، وأنّ زمن التهجير سيلاحق الفلسطيني أينما كان.
اليوم، يعيش فواز في خيمة مهترئة بعدما دُمر منزله خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، يشعر بأن القدر يسخر منه وهو يعيد سيناريو التهجير. لكنه على الرغم من هذا الخراب يرفض بشكل قاطع فكرة الخروج من غزة.
ويؤكد لـ«عُمان» أن «حيفا الأولى أخذت منّا غصبًا، لكن غزة لن تُؤخذ أبدًا». كانت كلماته تخرج من بين شفتيه مبللة بالدمع، وهو يمسح بيده على رأس حفيده الصغير، كأنه يحاول أن يزرع فيه إرثًا من الصمود.
في عينيه بريق كبرياء لا ينطفئ. لقد رأى الموت يتجول بين أزقة المخيمات، ورأى الأصدقاء يوارون في التراب واحدًا تلو الآخر، لكنه ظل يقسم أن هذه الأرض هي آخر القلاع. «لن ينجحوا في نزعنا منها» قالها بصوت حاسم، كأنها وصية أخيرة يكتبها على جدار الذاكرة الفلسطينية.
فواز، مثل آلاف الفلسطينيين من جيله، يرفض أن يعيش نكبة جديدة. ذاكرته المجبولة بتراب حيفا ودماء الشهداء لا تسمح له بأن يمد خطوة إلى المجهول. يرى أنّ من يخرج من غزة اليوم كمن يسلم مفاتيح الأرض كلها للغزاة. ولهذا، يتمسك بالبقاء حتى لو تحول القطاع كله إلى ركام.
قصة هذا الرجل لم تعد حكاية شخصية، بل باتت رمزًا لموقف جماعي يشترك فيه الصغار قبل الكبار، والنساء قبل الرجال، إذ أصبح شعار «لا للتهجير» صرخة موحدة تخرج من كل بيت وخيمة وركام في غزة.
صوت الغزي: يرفض التهجير
في قلب مدينة غزة، تجمع عشرات الفلسطينيين في وقفة احتجاجية، حملت أصواتهم إلى العالم. كان المشهد مزيجًا من الأعلام الفلسطينية واللافتات البيضاء المكتوبة بخطوط واضحة: «نرفض التهجير القسري رفضًا قاطعًا»، «أوقفوا شلال الدم»، «أمريكا أوقفي الحرب».
المشاركون أعلنوا بصوت واحد أنهم «لن يغادروا غزة مرة أخرى»، مؤكدين أنّ التهجير خط أحمر لا يمكن تجاوزه. الأهداف كانت واضحة: رفض التهجير، دعوة الوسطاء إلى التحرك العاجل، ومطالبة العالم بتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه ما تنوي سلطات الاحتلال فعله في غزة.
كان المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر «الكابينت»، قد أقر في 8 أغسطس الحاليّ، خطة لإعادة احتلال قطاع غزة بالكامل. تبدأ الخطة باحتلال مدينة غزة، وتهجير سكانها البالغ عددهم نحو مليون نسمة إلى الجنوب. ثم تطويق المدينة وتنفيذ عمليات توغل، يليها احتلال مخيمات اللاجئين وسط القطاع.
«لن نرحل»
من بين المشاركين كان يقف رامي نصّار، شاب في الثلاثين من عمره، يحمل على كتفه حقيبة صغيرة وكأنها تحتوي على بقايا حياته السابقة. تحدث إلينا بحرقة: «كان عندي صيدلية في المغراقة دُمرت، وكذلك بيتي بجوارها دُمر، واستُشهد أخي. مشاريعنا ذهبت، بيوتنا ذهبت، ولا أحد يساعدنا. وفوق ذلك يريدون تهجيرنا من بلادنا. التهجير هذا يجب أن يسقط».
عيون رامي كانت تفضح مرارة الهزيمة الاقتصادية والمعنوية، لكنه ظل يقول إنه لن يغادر. يضيف بصوت يزداد حدة: «نريد أن نعيش في بلدنا في أمن وأمان. نحن شعب كُتب علينا الهم والغلب منذ أيام نكسة 67 ومنذ أيام نكبة 48. التحسن الذي شهدناه قبل الحرب دُمر كله. قبل الحرب كانت شوارع غزة مثل أوروبا، واليوم أصبحت خرابًا».
رامي مثل كثيرين فقدوا مشاريعهم ومصادر رزقهم، لكنه يرى أنّ الاحتلال استهدف الاقتصاد كما استهدف البشر، بهدف واحد: دفع الناس للرحيل. ومع ذلك، فإن رده النهائي واضح: «لن نرحل، هذه أرضنا».
حراك القاهرة
بالتزامن مع الوقفة، كانت القاهرة تحتضن جولات من النقاش بين وفود فلسطينية وقطرية تبحث عن مخرج للحرب المستمرة. وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قال للفلسطينيين من أمام معبر رفح: «نحن معكم في صمودكم وثباتكم على أرضكم»، مؤكدًا رفض مصر أي محاولات لتصفية القضية الفلسطينية.
الوقفة في غزة التقت مع هذه الرسائل القادمة من القاهرة. كان المشاركون يدركون أن صمودهم على الأرض يمنح قوة للوفود المفاوضة، ويجعل صوتهم حاضرًا في أي طاولة نقاش. وبين الوقفة والمفاوضات، كان الرابط واضحًا: الدم الفلسطيني هو محور كل شيء.
التقاطع بين صوت الشارع الغزي وصوت القاهرة يثبت أن الموقف الشعبي والرسمي في خط واحد: لا للتهجير، لا لتصفية القضية. وهذا ما أكده محمود الكحلوت، رجل أربعيني بدا عليه التعب من كثرة النزوح. تحدث بمرارة: «الوقفة هذه جاءت بالتزامن مع الحراك الموجود في القاهرة، هي رسالة أكدنا عليها ونؤكد عليها نحن كمدنيين وأبناء هذا الشعب. نرفض التهجير كليًا، نرفض الخروج من أرضنا».
صوته كان حازمًا: «نحن لم يعد لدينا أي أماكن لننزح إليها، ليس هناك مكان آخر نذهب إليه، غزة هي المدينة الأخيرة في فلسطين».
وشدد خلال حديثه لـ«عُمان» على أن المفاوضين يجب أن يضعوا الدم الفلسطيني في حساباتهم، وأن هذه «قد تكون الفرصة الأخيرة لإحراز هدنة».
يا نتنياهو: لا تراوغ
الوقفة أيضًا جاءت على خلفية انسحاب إسرائيل من مفاوضات غير مباشرة مع حماس أواخر يوليو الماضي. إسرائيل تعنتت في كل الملفات: الانسحاب من غزة، الأسرى، وآلية توزيع المساعدات. فيما أعلنت حماس استعدادها لإطلاق الأسرى الإسرائيليين دفعة واحدة مقابل إنهاء الحرب.
لكن نتنياهو، كما يرى الغزيون، يراوغ لإبقاء الحرب مشتعلة، حتى يحافظ على تماسك حكومته المهددة بالانهيار إذا انسحب الجناح الأكثر تطرفًا.
هنا، يظهر معنى التظاهرة أكثر وضوحًا: حين يغلق الاحتلال أبواب المفاوضات، يفتح الغزيون أبواب الشارع. حين يتعنت نتنياهو في الغرف المغلقة، يصرخ الناس في الساحات. وبين المفاوضات المتعثرة والاحتجاجات الشعبية، يبقى خيط واحد يربط الكل: «غزة لن تُرحل».
في نهاية الوقفة، رفع فواز أسعد صوته من بين الحشود، وقال: «تم تهجيري من حيفا سابقًا، لكني هذه المرة لن أغادر. حتى الخيام يريدون أن يقتلعونا منها. نقول للوفد الإسرائيلي المفاوض: يكفي مراوغة، نريد حلًا، أوقفوا الحرب على غزة».
كان صوته يحمل رسالة جيلين كاملين. هو الذي عاش النكبة الأولى، ويعيش اليوم نكبة ثانية، يعرف أن التاريخ لا يرحم، وأن لحظة التهجير إذا حدثت ستُكتب على الأجيال القادمة. لذلك، كان يقف بثبات، كأنه آخر الشهود على حق لا يسقط.
وفي سياق متصل نشر جيش الاحتلال الإسرائيلي تفاصيل خطة «مركبات جدعون 2» لاحتلال مدينة غزة، التي أُقرت من قبل وزير الحرب مساء اليوم.
وتتكون من خمس فرق، 130 ألف من قوات الاحتياط في ذروة المناورة، والاستعداد لـ«عملية مستمرة لأشهر» ستستمر حتى عام 2026.
ومن بين خطط التي أُقرت لاحتلال مدينة غزة: في العملية ستعمل 5 فرق في منطقة قطاع غزة – منها ثلاث فرق نظامية مركزية إلى جانب قوات الاحتياط.
وفي ذروة المناورة – سيعمل في مدينة غزة 12 لواء (فرق قتالية لوائية). أي: 9 ألوية نظامية، إلى جانب 3 ألوية احتياط إضافية. المرحلة التحضيرية للعملية قد بدأت بالفعل – مع عمليات مركزة بدأت في الأيام الأخيرة في أحياء الزيتون وجباليا.
وسيبدأ في الأيام القادمة جيش الاحتلال بتحريك سكان مدينة غزة جنوبًا. وسيتم تحديد ممرات إنسانية تسمح بحركة آمنة، كما ستُقام مراكز توزيع مساعدات إضافية، ومستشفيات ميدانية، وسيتم تدريب المستشفيات القائمة. لن يتم إخلاء السكان عبر نقاط تفتيش أمنية – لأن الجيش يقول أنه «بحجم هذه الكتلة من السكان الذين يتم إخلاؤهم – لا يمكن تصفية السكان واحدًا تلو الآخر».