تهجير الفلسطينيين .. حلم إسرائيلي لا ينتهي !
الثلاثاء / 24 / صفر / 1447 هـ - 17:51 - الثلاثاء 19 أغسطس 2025 17:51
لم يكن الإعلان الإسرائيلي الأخير عن المضي في تنفيذ مخططات استيطانية كبرى في الضفة الغربية حدثًا عابرًا، بل مثّل ناقوس خطر جديد يقرع في آذان الفلسطينيين الذين يدركون تمامًا أن أي توسع استيطاني جديد ما هو إلا خطوة إضافية نحو تثبيت واقع الاحتلال وإلغاء ما تبقى من حلم الدولة الفلسطينية.
في الأسابيع الأخيرة، ترددت بقوة مصطلحات مثل: «إسرائيل الكبرى» و«مخطط E1 »، وهي ليست مجرد مفردات سياسية باردة، وإنما أوصاف لمشاريع تمتد جذورها إلى عقود طويلة، وتحمل في طياتها مخاوف عميقة من تهجير قسري جديد للفلسطينيين سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة.
تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جاءت لتؤكد ذلك، إذ اعتبر نفسه في «مهمة تاريخية وروحية» لتحقيق حلم «إسرائيل الكبرى»، رابطًا المشروع بالبعد الديني وبـ«مهمة أجيال» تتوارثها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.
إسرائيل الكبرى و«E1»
ويعد مشروع «E1»، الذي يتبناه وزير المالية الإسرائيلي المتطرف، بتسئليل سموتريتش جزءًا من مخطط «إسرائيل الكبرى» الذي يحلم به نتنياهو، وإن لم يُعلن ذلك صراحة، وبينما يقف «E1» عند حدود فلسطين التاريخية، يتخطاه «إسرائيل الكبرى» إلى اقتطاع أجزاء من دول عربية مثل: مصر وسوريا والأردن والعراق والسعودية لصالح التوسعات الاستعمارية الإسرائيلية.
ويتضمن «E1» طرح عطاءات لبناء ما يزيد عن أربعة آلاف وحدة استيطانية؛ ثلاثة آلاف وأربعمائة وحدة منها في مستوطنة معاليه أدوميم شرق القدس ضمن مشروع «إيوان» الذي يهدف لربط المستوطنة بمدينة القدس المحتلة، إضافة إلى أكثر من 730 وحدة أخرى في مستوطنة أرئيل شمال الضفة الغربية بمحافظة سلفيت. هذه الأرقام تعني الكثير على الأرض، إذ أنها ليست مجرد بيوت جديدة للمستوطنين، وإنما معاول جديدة لتقطيع أوصال الضفة وتحويلها إلى كانتونات صغيرة معزولة.
أمام هذه التحركات، يتصاعد القلق الفلسطيني من أن يكون الحديث عن «إسرائيل الكبرى» و«E1» ليس مجرد خطط عقارية أو سياسية، بل جزءًا من مشروع تهجير شامل يعيد إلى الأذهان نكبة 1948 ونكسة 1967، لكن بثوب جديد وأدوات أكثر تطورًا؛ حيث يصبح الفلسطيني محاصرًا بين الجدار والمستوطنات، ومطاردًا من حلم الاستقلال إلى واقع التهجير.
أصوات الضفة
في قرية دير بلوط قرب سلفيت، يجلس الفلسطيني محمد ناصر متأملا التلال التي لطالما رعاها مع والده منذ صغره، وقد غطتها اليوم أبراج المراقبة الإسرائيلية وجرافات المستوطنين. يقول محمد وهو في الأربعين من عمره: «لم يعد الأمر مجرد توسع هنا أو هناك، إنهم يريدون اقتلاعنا من جذورنا».
محمد يرى أن مخطط «E1» تحديدا ليس مجرد بناء عادي، بل خطوة استراتيجية تسعى إسرائيل من خلالها إلى ربط القدس بالمستوطنات الشرقية، ما يعني عزل الضفة الغربية إلى أقسام ثلاثة، وفصل شمالها عن وسطها وجنوبها. بالنسبة له، فإن كل تصريح لنتنياهو عن «إسرائيل الكبرى» يترجم إلى جرافة تقترب من بيته، وجندي يضع حاجزًا جديدًا على الطريق.
ما يثير قلق محمد أكثر هو أن التصريحات الإسرائيلية لم تعد مجرد وعود انتخابية كما كان يحدث في الماضي، بل أصبحت خططًا مطروحةً بعطاءات رسمية، وهو ما يشي بأن التنفيذ قد بدأ بالفعل. هذا الخوف يتضاعف مع إدراكه أن المجتمع الدولي لم يعد يتخذ نفس المواقف الصلبة السابقة في مواجهة الاستيطان، بل أصبح أكثر تقبلًا للوقائع التي تفرضها إسرائيل بالقوة.
ويختم محمد شهادته بالقول خلال حديثه لـ«عُمان»: «أخشى أن نصبح نحن وأطفالنا مجرد لاجئين جدد، كما حدث مع أجدادنا قبل 76 عامًا. كل ما يريده الاحتلال هو أن ندخل المدن المكتظة ونترك الأرض فارغة للمستوطنين. هذه ليست مبالغة، بل واقع نراه يتشكل يومًا بعد يوم».
وجع القدس
في بلدة العيزرية شرق القدس، تعيش الفلسطينية سعاد حماد مع عائلتها الممتدة منذ عقود. تقول إن الحديث عن توسيع مستوطنة معاليه أدوميم ضمن مشروع «إيوان» ليس جديدًا، لكنه هذه المرة أشد خطورةح؛ لأنه يأتي متزامنًا مع حديث نتنياهو الصريح عن «إسرائيل الكبرى».
تصف سعاد ما يجري بأنه محاولة لخنق القدس من جميع جهاتها، وربطها بالمستوطنات في الشرق والغرب، بما يعني استحالة إقامة عاصمة فلسطينية فيها مستقبلًا. ترى أن تقسيم الضفة إلى ثلاث كتل رئيسية سيقضي عمليًا على فكرة الدولة الفلسطينية، ويحصر الفلسطينيين في «جزر سكانية» لا رابط بينها سوى طرق التفافية يسيطر عليها الاحتلال.
تتحدث سعاد بحرقة عن قلقها من التهجير القسري، مؤكدة خلال حديثها لـ«عُمان» أن الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية يعيشون يوميًا حالة من الخوف من أن يجدوا أنفسهم مجبرين على ترك بيوتهم تحت ذريعة عدم الترخيص أو لمصلحة «الأمن الإسرائيلي».
تقول: «كل حجر يهدمونه في القدس هو محاولة لاقتلاعنا من تاريخنا. وما يخططون له في معاليه أدوميم هو الخطوة الكبرى نحو تهجير جماعي».
بالنسبة لسعاد، فإن كل تصريحات نتنياهو حول «المهمة الروحية» و«الحلم التاريخي» ليست سوى تبريرات دينية لسياسة توسعية واضحة، هدفها النهائي تحويل الفلسطينيين إلى أقلية محاصرة في أرضهم. وتخشى أن ينجح الاحتلال في فرض وقائع جديدة تجعل التراجع عنها مستحيلًا في المستقبل.
صدى غزة
من غزة، يتابع الفلسطينيون بقلق بالغ هذه المخططات، إذ يدركون أن أي مشروع لفرض «إسرائيل الكبرى» سيشملهم بشكل أو بآخر. الشاب علي أبو طه، وهو لاجئ يعيش في مخيم النصيرات، يقول إن تصريحات نتنياهو الأخيرة عن أن «إسرائيل الكبرى» قد تمتد إلى الأردن ومصر ولبنان وسوريا تثير مخاوف حقيقية من أن يكون هناك مخطط إقليمي لإعادة تهجير الفلسطينيين.
بالنسبة لعلي، فإن الخوف الأكبر هو أن يتحول الحديث عن التهجير من «الطوعي» إلى القسري؛ حيث يجد الفلسطيني نفسه مضطرًا لمغادرة وطنه بفعل الحصار والحروب المستمرة. ويوضح علي: «غزة اليوم تعيش أسوأ حصار في تاريخها، فإذا أضيفت إليه مخططات التهجير، فإننا أمام نكبة جديدة بكل معنى الكلمة».
ويؤكد خلال حديثه لـ«عُمان» أن الشعب الفلسطيني في غزة والضفة على حد سواء لن يقبل بهذه المخططات، لكنه يخشى في الوقت ذاته من أن يستغل الاحتلال حالة الانقسام الفلسطيني والضعف العربي لتمرير مشروعه. ويرى أن مسؤولية المجتمع الدولي كبيرة في هذه اللحظة، إذ إن التغاضي عن المخطط يعني منح إسرائيل الضوء الأخضر لتهجير شعب بأكمله.
توسع المستوطنات
إن توسيع مستوطنتي أرئيل ومعاليه أدوميم ليس مجرد بناء آلاف الوحدات الاستيطانية، بل إعادة رسم للخريطة الجغرافية والسياسية للضفة الغربية. فهذان الموقعان الاستيطانيان يعدان من أكبر أربع مستوطنات في الضفة، وتوسيعها سيؤدي عمليًا إلى تقطيع أوصال الضفة إلى ثلاثة أقسام منفصلة، ما يبدد أي أمل في إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.
ووفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فإن الاحتلال يخطط أيضًا لإقامة مستوطنة جديدة على بعد كيلومترين من مستوطنة أرئيل دون الإعلان عنها رسميًا، ما يعني أن هناك مشاريع أكبر من تلك المعلنة. واللافت أن هذه المخططات كانت مرفوضة حتى من واشنطن في الماضي، لكنها اليوم تمر بهدوء في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية، وهو ما يزيد من خطورة الموقف.
خطر وجودي
رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان مؤيد شعبان أكد أن القيادة الفلسطينية ترفض بشكل قاطع هذه المخططات الاستيطانية، وأنها بدأت سلسلة اتصالات إقليمية ودولية بهدف وقفها. وأوضح أن ما يجري هو تكريس للاحتلال ومحاولة لتقويض أي حل سياسي في المستقبل.
واعتبر شعبان أن إسرائيل تمارس سياسة «عدوانية وفاشية» ضد الشعب الفلسطيني من خلال الاستيطان، وأنها تضرب بعرض الحائط كل القوانين الدولية التي تعتبر هذه الأنشطة غير شرعية. وشدد على أن القيادة الفلسطينية ستعمل بكل الوسائل الممكنة لمواجهة هذا المشروع، سواء عبر المؤسسات الدولية أو عبر التحرك الشعبي على الأرض.
وبحسب شعبان، فإن هذه المخططات ليست مجرد تهديد، بل خطر وجودي على الشعب الفلسطيني. فهي تعني تدمير إمكانية إقامة دولة مستقلة، وتحويل الفلسطينيين إلى سكان معزولين في مناطق ضيقة ومحاصرة. كما حذر من أن صمت المجتمع الدولي سيشجع إسرائيل على المضي قدمًا في تنفيذ المزيد من المخططات الاستيطانية.
وأكد أن فلسطين ستسعى إلى تفعيل الدعم العربي والإسلامي والدولي لمواجهة هذه المشاريع، مشيرًا إلى أن القضية الفلسطينية ما زالت قضية مركزية في وجدان الشعوب الحرة، وأن الشعب الفلسطيني لن يستسلم أمام محاولات الاقتلاع والتهجير.
وختم شعبان تصريحه بالتأكيد على أن «المعركة مع الاحتلال ليست فقط على الأرض، بل هي أيضًا معركة قانونية وسياسية وأخلاقية»، داعيًا إلى استمرار الصمود الشعبي كأقوى سلاح في وجه الاستيطان.
عزل الفلسطينيين
من جهته، قال مدير التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أمير داود: إن المصادقة على المخططات الهيكلية الخاصة بتوسيع مستوطنتي أرئيل ومعاليه أدوميم ستؤدي إلى «تسمين» هذه المستوطنات وتحويلها إلى كتل ضخمة تفصل شمال الضفة عن وسطها وجنوبها.
وأوضح داود أن مشروع «إيوان» ضمن مستوطنة معاليه أدوميم سيؤدي إلى عزل القدس تمامًا عن محيطها الفلسطيني، بينما سيؤدي توسيع أرئيل إلى خلق عازل يمتد من كفر قاسم حتى الأغوار، ما يعني أن الفلسطينيين سيجدون أنفسهم محاصرين في كانتونات معزولة.
وأضاف خلال حديثه لـ«عُمان» أن هذه المخططات ليست جديدة، بل مطروحة منذ سنوات، لكن الظروف الدولية والإقليمية الحالية شجعت الاحتلال على المضي في تنفيذها. وأكد أن المخاطر لا تتعلق فقط بمستقبل الدولة الفلسطينية، بل باستقرار المنطقة ككل، إذ أن مثل هذه المشاريع ستؤدي حتمًا إلى تصعيد التوتر والعنف.
وشدد داود على أن الشعب الفلسطيني لن يقبل بهذه المشاريع، وأن المقاومة الشعبية ستستمر في مواجهة الاستيطان مهما كانت الظروف. واعتبر أن إسرائيل تراهن على الوقت لفرض وقائع جديدة، لكن الفلسطينيين أثبتوا عبر التاريخ أنهم قادرون على الصمود رغم كل الصعاب.
إنهاء فلسطين
المحلل السياسي الفلسطيني هاني المصري يرى أن المخططات الاستيطانية الجديدة، وعلى رأسها مشروع «E1»، ليست مجرد توسع جغرافي، بل مشروع سياسي كامل يهدف إلى إنهاء حلم الدولة الفلسطينية. وأوضح أن تقسيم الضفة إلى ثلاث مناطق منفصلة سيجعل الفلسطينيين محاصرين في مدن وقرى صغيرة، بينما تسيطر إسرائيل على كل الموارد والمعابر.
المصري أشار إلى أن أخطر ما في الأمر هو أن إسرائيل تطرح هذه المشاريع علنًا، وتبررها بخطاب ديني وتاريخي، ما يعني أنها لم تعد تخشى ردود الفعل الدولية. واعتبر أن ذلك يشكل تهديدًا مباشرًا للفلسطينيين في الضفة وغزة، حيث قد يتم دفعهم إلى النزوح القسري تحت ذرائع مختلفة.
وأكد خلال حديثه لـ«عُمان» أن هذه المشاريع ستؤدي إلى تقويض أي فرصة لحل الدولتين، وأنها تمهد الطريق لنظام فصل عنصري كامل في فلسطين. كما حذر من أن صمت المجتمع الدولي سيجعل المنطقة برمتها على فوهة بركان قد ينفجر في أي لحظة.
وختم المصري بالقول: «المطلوب اليوم ليس فقط رفض هذه المشاريع بالكلام، بل وضع استراتيجية وطنية شاملة لمواجهتها، تجمع بين المقاومة الشعبية والتحرك السياسي والدبلوماسي».
حلم نتنياهو
بالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فإن مشروع «إسرائيل الكبرى» ليس مجرد خطة سياسية، بل «مهمة تاريخية وروحية» كما وصفها في تصريحاته لقناة «i24». اعتبر نتنياهو أن ما يقوم به هو استكمال لـ«حلم إسرائيلي» ممتد عبر الأجيال، وأنه يرى نفسه في موقع «تنفيذ مهمة أجيال» للحفاظ على المشروع الصهيوني.
لكن هذه التصريحات التي بدت للبعض مجرد شعارات انتخابية، تترجم على الأرض عبر آلاف الوحدات الاستيطانية التي تُبنى في الضفة الغربية، وعبر مشاريع مثل «E1» التي تقطع أوصال الأرض الفلسطينية. وهو ما يجعل الفلسطينيين يرون في «إسرائيل الكبرى» مشروع تهجير جديد، أكثر خطورة من كل ما سبق.
تجاوز حدود فلسطين
المحلل السياسي الفلسطيني جهاد حرب يرى أن مخططات الاستيطان الإسرائيلية تحمل أبعادًا خطيرة تتجاوز فلسطين لتطال المنطقة العربية برمتها. وأوضح أن تصريحات نتنياهو عن إمكانية التوسع نحو الأردن ومصر ولبنان وسوريا تكشف عن رؤية توسعية لا تقف عند حدود فلسطين.
حرب اعتبر أن هذه الرؤية قد تؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة بأكملها، وأنها تشكل تحديًا خطيرًا للأمن العربي. وأكد أن على الدول العربية أن تدرك أن مشروعي «إسرائيل الكبرى» و«E1» ليسا تهديدًا للفلسطينيين وحدهم، بل لمستقبل المنطقة كلها.
كما شدد على أن الشعب الفلسطيني لن يقبل بهذه المخططات، وأن صموده هو السد المنيع أمام المشروع الصهيوني. لكنه في الوقت نفسه دعا إلى تحرك عربي ودولي عاجل لمواجهة هذه التحديات قبل أن تتحول إلى واقع يصعب تغييره.