عمان اليوم

"القانون" قاعدة للجميع تنظم السلوك الإنساني وتحمي المجتمع .. ومختصون يدعون إلى تبسيط التشريعات

 

استطلاع – عبدالعزيز العبري -


دعا مختصون إلى ترسيخ مبدأ 'القانون للجميع' من خلال جهد جماعي تتكامل فيه أدوار القضاء والتعليم والإعلام والمجتمع المدني، موضحين أن تبسيط التشريعات ونشر الثقافة القانونية ضروريان لجعل القانون قريبًا من الناس ومتاحًا للجميع.
رؤية أكاديمية
يقول المحامي فهد بن مالك الكندي، الباحث بدرجة الدكتوراه في القانون: إن مبدأ 'القانون للجميع' هو مبدأ أساسي يضمن أن القانون يُطبَّق بالتساوي على جميع الأفراد، بغض النظر عن وضعهم الاجتماعي أو الاقتصادي أو أي صفة أخرى، موضحًا أن هذا المبدأ في السياق الأكاديمي والبحثي يمثل محورًا مهمًا للدراسات القانونية، حيث يتم بحثه من عدة جوانب تشمل: التطبيق العادل للقانون، والوصول إلى العدالة، ودور المؤسسات القانونية، ومكافحة التمييز.
وأضاف: القانون لا ينبغي أن يُختزل لكونه أداة للعقاب، بل يجب أن يُنظر إليه بوصفه قاعدة اجتماعية للجميع، تنظم السلوك الإنساني ليرتقي المجتمع بأكمله نحو التقدم والتطور والمستقبل الذي يسود فيه تطبيق العدالة على الجميع بنظرة المساواة.
وبيّن أن أهمية 'القانون للجميع' في السياق الأكاديمي والبحثي تتجسد في عدة نقاط، منها: التركيز على دراسة كيفية تطبيق القانون على جميع الأفراد دون تمييز، وضمان عدم وجود استثناءات أو معاملة تفضيلية، ودراسة سبل ضمان وصول جميع الأفراد إلى القضاء والمحاكم، وتذليل العقبات التي قد تواجههم مثل العوائق اللغوية أو المالية أو الاجتماعية. كما تشمل دراسة دور المحاكم والشرطة والنيابة العامة في تحقيق هذا المبدأ وضمان استقلاليتها ونزاهتها، ودراسة أشكال التمييز المختلفة وكيفية مكافحتها، سواء كانت على أساس الجنس أو العرق أو الدين أو غيرها، إلى جانب بحث تأثير القوانين على مختلف شرائح المجتمع وضمان أن تكون عادلة ومنصفة للجميع.
وأشار إلى أن الأمثلة في هذا المجال كثيرة، مثل دراسة أثر القوانين على الفئات المهمشة، وتحليل آليات تطبيق القانون في النزاعات العمالية، وتقييم دور المؤسسات القانونية في حماية حقوق الإنسان، والبحث في سبل تعزيز الثقافة القانونية في المجتمع، معتبرًا أن مبدأ 'القانون للجميع' ليس مجرد شعار، بل هو مفهوم قانوني عميق يتطلب دراسة وتحليلًا مستمرين من قبل الأكاديميين والباحثين من أجل تحقيق العدالة والمساواة.
الثقافة القانونية
وتناول الكندي مدى إسهام الثقافة القانونية في ترسيخ سيادة القانون وتعزيز الانضباط الذاتي في المجتمع، مبينًا أن زيادة الثقافة القانونية في المجتمع تعني زيادة فهم الأفراد للقوانين واللوائح والأنظمة، ومعرفة ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات، مما يؤدي إلى زيادة احترامهم لها وتطبيقها بشكل تلقائي. وأوضح أن تأثير الثقافة القانونية على سيادة القانون يظهر في زيادة الوعي بالقوانين، وتعزيز احترامها، ودعم المؤسسات القانونية، وتشجيع المشاركة الفعالة في عملية تطبيقها. كما أوضح أن تأثيرها على الانضباط الذاتي يتمثل في تحمّل المسؤولية الشخصية عن الأفعال، واتخاذ القرارات الصائبة، وتعزيز السلوك الإيجابي، وتجنب السلوكيات السلبية. وأكد أن الثقافة القانونية تمثل جزءًا أساسيًا من بناء مجتمع قوي ومزدهر، وأن مهمة السلطات لا تقتصر على ترسيخ الخوف من العقوبة، بل على تعزيز وتنمية قناعة المواطن بأن القانون هو طوق النجاة لتنظيم المجتمع وحمايته.
إدماج التوعية القانونية
وأوضح كذلك أن إدماج التوعية القانونية في مؤسسات التعليم والتدريب المجتمعي له أهمية كبيرة في تعزيز الوعي المجتمعي بالقانون، وتمكين الأفراد من معرفة حقوقهم وواجباتهم، مما يساهم في تحقيق العدالة وسيادة القانون. وعدّد فوائد ذلك، ومنها: تمكين الأفراد من الدفاع عن حقوقهم ومصالحهم، وتعزيز سيادة القانون، والحد من الجرائم والمخالفات، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتطوير القدرات، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وتحسين العلاقات الاجتماعية. وأشار إلى أن وسائل إدماج التوعية القانونية تشمل: تضمين مفاهيم قانونية في المناهج التعليمية، وتصميم برامج تدريبية متخصصة، وتنظيم حملات توعية عامة، وإنشاء مراكز قانونية تقدم استشارات مجانية، وعقد شراكات بين المؤسسات التعليمية والجهات المعنية بالقانون. ولفت إلى أن مشروع التوعية القانونية يجب أن يعتمد على نشر الثقافة القانونية عبر وسائل الإعلام المختلفة، وإقامة المؤتمرات والندوات القانونية في المؤسسات الحكومية والخاصة.
التحديات
كما استعرض الكندي أبرز التحديات الفكرية والاجتماعية التي تعوق نشر المعرفة القانونية في فئات المجتمع كافة، موضحًا أن الأمية القانونية، والاعتقاد بصعوبة القانون، والخوف من التعامل مع القضاء، والاعتقاد بعدم تطبيق القانون على الجميع، تُعد من أبرز التحديات الفكرية، بينما تتمثل التحديات الاجتماعية في صعوبة الوصول إلى المعلومات القانونية الموثوقة، والاعتماد على مصادر غير رسمية، وتراجع الثقة في القضاء، والتفاوت الاجتماعي، والعادات والتقاليد التي قد تتعارض مع مبادئ القانون. وأكد أن هذه المعوقات تشمل: اللغة المعقدة، والبعد عن التكنولوجيا، والبعد الاقتصادي، وعدم وجود آليات فعالة لنشر المعرفة، إلى جانب البعد الاجتماعي والثقافي عن القانون.
دور المؤسسات الأكاديمية
وأشار المحامي فهد الكندي إلى أن المؤسسات الأكاديمية تقوم بدور مهم في نقل القانون من قاعات المحاضرات إلى واقع الناس اليومي من خلال التعليم والبحث العلمي وخدمة المجتمع، إذ تعمل على تخريج متخصصين مؤهلين، وإجراء أبحاث تساهم في تطوير التشريعات، وتقديم خدمات استشارية وتوعية قانونية، وتنمية المهارات الفكرية والإبداعية، وربط البحث العلمي بالتطبيقات العملية، وتطوير نظام التفرغ العلمي، بما يسد الفجوة بين النظرية والتطبيق.
دور المحامي
من جانبها، قالت المحامية أمل بنت شهاب الزدجالية: إن دور المحامي غالبًا ما يُربط بساحات المحاكم وملفات القضايا، غير أن الحقيقة أن للمحامي رسالة أسمى وأشمل تتجاوز حدود النزاع القضائي، لتمتد إلى ساحة الوعي المجتمعي، وبناء ثقافة قانونية واعية تمكّن الأفراد من فهم حقوقهم والتزاماتهم، وتُعزز من استقرار المجتمع وشفافية التعاملات فيه. وأشارت إلى أنه في ظل تزايد تعقيد الحياة المعاصرة وتداخل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، أصبح الوعي القانوني ضرورة لا ترفًا، وهنا يظهر الدور الحيوي للمحامي كمثقف قانوني وفاعل اجتماعي، لا كمجرد ممثل قانوني لطرف في خصومة.
وبيّنت أن المحامين لا يجب أن يقتصر دورهم على حل النزاعات بعد وقوعها، بل ينبغي أن يسهموا في منع وقوعها أساسًا من خلال التوعية، موضحة أن كثيرًا من النزاعات المالية أو العقود الباطلة أو الأضرار القانونية الجسيمة كان من الممكن تفاديها لو أن الأطراف المعنية حصلت على استشارة قانونية أو توعية كافية قبل الإقدام على التصرف. وأوضحت أن ذلك يمكن أن يتحقق عبر إلقاء المحاضرات وحلقات العمل المجتمعية، والنشر القانوني المبسط عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وتقديم استشارات أولية مجانية في بعض القضايا العامة مثل: الميراث، والعقود، والحقوق العمالية.
وأكدت على ضرورة تبسيط اللغة القانونية لعامة الناس، فبعض النصوص القانونية قد تبدو معقدة أو منفرة لغير المتخصصين، وهنا يتعين على المحامي أن يكون جسرًا بين القانون والمجتمع، يترجم المصطلحات والإجراءات إلى لغة واضحة وسهلة، بما يفتح الباب أمام الأفراد لفهم حقوقهم دون خوف أو ارتباك.
ولفتت إلى أن المحامي من خلال سلوكه المهني الرصين، وشفافيته في التعامل، وأمانته في النصح، يسهم في ترسيخ ثقة المجتمع في القانون والقضاء، مشيرة إلى أن هذه الثقة ضرورية لبناء مجتمع يحتكم إلى النظام بدلًا من الفوضى، ويؤمن بالمؤسسات بدلًا من الانتقام أو العنف.
وأضافت أن المحامي يظل صوتًا للحق ومدافعًا عن الفئات الضعيفة والمهمشة، حتى خارج قاعات المحاكم، حيث يمكنه المشاركة بفعالية في حملات الدفاع عن حقوق المرأة، أو حماية الطفل، أو مكافحة التنمر، أو رفض التمييز، من خلال المشاركة في المنتديات، وكتابة المقالات، والانخراط في النشاط المجتمعي.
واعتبرت أن المحامي يمثل قدوة مهنية وأخلاقية، فبما أنه يُنظر إليه كممثل للعدالة، فإن حضوره في المجتمع يجب أن يعكس المسؤولية القانونية والالتزام بالقيم الإنسانية واحترام القانون في سلوكه اليومي، ليكون نموذجًا يُحتذى في السلوك القانوني القويم.
وختمت المحامية أمل الزدجالية بأن المحامي ليس مجرد صاحب دعوى، بل هو صانع وعي، ودوره في ترسيخ الثقافة القانونية لا يقل أهمية عن دوره في ساحات القضاء، فكل فرد يعرف حقه ويدرك واجباته هو لبنة في بناء دولة القانون، ولا يتحقق ذلك إلا بوجود محامٍ يؤمن برسالته ويمارسها داخل المحكمة وخارجها، ليكون شريكًا في تحقيق العدالة وصوتًا للوعي وجسرًا بين القانون والناس.
النصوص التشريعية
بدوره، تطرق المحامي الدكتور أحمد بن سعيد الجهوري إلى أن وضوح النصوص التشريعية وسهولة فهمها لعامة الناس أمر بالغ الأهمية، إلا أن بعض النصوص القانونية في سلطنة عمان تتسم باللغة التخصصية التي قد تُصعّب على المواطن غير المختص فهم مقاصد المشرع. وأشار إلى أن دور اللجان القانونية يتمثل في مطابقة القوانين مع النظام الأساسي والتشريعات الأخرى، وصياغتها بشكل واضح ومفهوم، وطرح برامج تشريعية للتواصل مع المواطنين، مثل: الفيديوهات القصيرة، والكتيبات المبسطة، والندوات المجتمعية.
تعزيز الشراكة
وبيّن أن تعزيز الشراكة بين المؤسسات التشريعية والإعلام والمجتمع المدني يمكن أن يسهم في نشر الثقافة القانونية، من خلال إعلام برلماني متخصص، وتوقيع مذكرات تعاون مع الجمعيات القانونية، وإدراج معايير اللغة المبسطة للقانون ضمن إعداد التشريعات، وزيادة الندوات والمحاضرات والبرامج القانونية. وأوضح أن الإعلام التقليدي أسهم في نشر الوعي القانوني، في حين يمتلك الإعلام الجديد قدرة أكبر على الوصول إذا توافر محتوى قانوني مبسط وجذاب، لكنه يواجه تحديات مثل: اللغة المعقدة، والخوف من الخطأ القانوني، وقلة الكوادر المتخصصة، وضعف الدعم المؤسسي. وأضاف أن التطبيقات والمنصات الذكية، خاصة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، يمكن أن تُحدث نقلة نوعية في تبسيط القانون وتفسيره، داعيًا إلى ضرورة إنشاء منصة وطنية شاملة تضم مكتبة قوانين محدثة، وشروحات مرئية ونصية، وفتاوى قانونية، ودردشة قانونية ذكية، بما يسهل وصول القانون إلى كل مواطن.