نتحايل على الأشياء مع سبق الإصرار !!
الاحد / 6 / ذو القعدة / 1438 هـ - 22:00 - الاحد 30 يوليو 2017 22:00
أحمد بن سالم الفلاحي -
shialoom@gmail.com -
نردد كثيرا مقولة: «الحاجة أم الاختراع» لليقين الموجود عندنا، بأننا لن نصل إلى تحقيق حاجياتنا إلا إذا سلكنا طرقا جديدة موصلة إلى تحقيق هذه الحاجة أو تلك، وبغير ذلك لا يمكن أن نحقق حاجياتنا، وهذا أمر مسلم به عند الجميع، ولا اعتراض عليه أبدا،
وتأتي المفارقة فقط في الآليات والوسائل التي توصلنا إلى تحقيق حاجياتنا، وإلى الوصول إلى غاياتنا عند من يكرسون أكثر حرصهم على تحقيق هذه الحاجة أو تلك، وإن كان هذا الأمر لا ينبغي أن نتخذه منهجا في حياتنا، لأنه قد يحكرنا على أشياء بعينها، إنما علينا أن نتخذ الوسائل تلو الأخرى، ولا نحرص كثيرا على الوصول إلى الغايات لأنها مهلكة، فالغايات في تقديري، وأن أكون مخطئا، معناها النهايات، وهذا مما لا ينبغي أن يكون، فالمعرفة على سبيل المثال، وسيلة لتحقيق حياة كريمة، وبالتالي عندما تأتي الفكرة في الحرص على ضرورة الوصول إلى الغايات من المعرفة، وهي كثيرة، فإن ذلك سوف يجرنا إلى البحث عن طرق أخرى للوصول إلى غايات المعرفة: بالغش، بالرشاوى، ببيع الذمم، بأي طريق ملتو، وهذه الطرق ربما توصل صاحبها إلى الإضرار بنفسه وبغيره، وكما الحال في الوظيفة، مثال آخر، ينطبق عليها ما ينطبق على المعرفة، فالغاية من الوظيفة هي تحقيق حياة كريمة، تعفي صاحبها من مذلة السؤال والحاجة، وبالتالي عندما تخرج عن تحقيق هذه الغايات النبيلة، تجبر صاحبها على سلك طرق مضرة به، وبالوظيفة، وبالمؤسسة التي يعمل فيها، والحياة مليئة بالأمثلة من هذا النوع الذي تستباح فيه القيم المختلفة، وإنزالها المنزلة المتواضعة التي لا تخرج عن ملء رغبة مؤقتة لصاحبها، وهذا ما يؤسف له حقا.
نوظف هذا الاختراع الذي نحرص عليه كثيرا في حياتنا في مشاريع التحايل، وهي كثيرة، لأن الفرد منا منذ نعومة أظفاره يمارس هذا الـ «تحايل» في كثير من أنشطته اليومية، وطبعا هذا التحايل ليس وليد الفطرة، وإنما هو نشاط مكتسب؛ يكتسبه الفرد منا ممن سبقوه من والديه، او إخوته الكبار، ثم عندما تتفتح عينيه على زوايا المجتمع الذي يعيش فيه، يجد فيه الطريق متسعا لهذا التحايل في مختلف شؤون الحياة، قد يرى البعض أن هذا الـ «تحايل» هو نوع من الاستذكاء، أو «الفهلوية» على الآخرين الذين لا تسعفهم الحيلة لأن يصلوا إلى هذا المستوى من القدرة على النفاذ إلى مظان الأشياء، ومن نجاح إلى نجاح آخر في ذات السياق يصبح لهذا الفرد أو ذاك؛ منهجا مكرسا بالممارسة، وقد يتخطى من تحقيق مآرب خاصة صغيرة إلى الإضرار الجسيم بالآخرين، وهنا ما يؤسف له حقا.
تفرض قيم المجتمع، بصورة غير مباشرة، على الأفراد الكثير من الممارسات التي تعبر عن هذا الـ «تحايل» ، ويعد ذلك نوعا من ثقافة المجتمع، فالترحيب المبالغ فيه لفئات خاصة بعينها من أفراد المجتمع هو ليس بالضرورة أن يكون معبرا عن توظيف القيمة الأخلاقية بصورتها المطلقة، وإنما هو نوعا من الـ «تحايل» لزرع وسيلة تواصل مع الطرف الآخر، تحت مفهوم «نحن لا نستغني عن الآخرين» وهذا المعنى «لا نستغني» معناه استمرار إدرار التعاطف نحو مختلف المطالب الشخصية التي قد نحتاجها من فلان او فلان في يوم من الأيام، ولذلك هناك الكثير ممن يصرح بلا مواربة بالقول: «أنا لا أستغني عن فلان، فهو الذي وقف معي في كذا وكذا» ومتى وصل الفرد إلى هذه القناعة في فلان، يقينا لن يتوانى في الأخذ بمختلف وسائل الـ «تحايل» للبقاء على استمرار المصلحة من فلان او فلان، وكلنا نرى هذه الأمثلة المختزلة في تصرفات أبنائنا، وهم يحرصون على استدرار العطف من أبويهما أو أحدهما من خلال التصدر في تلبية الطلبات البسيطة التي يطلبها احد الوالدين، كإحضار كوب ماء، أو تنظيف المركبة، أو تقديم القهوة، وقس على ذلك أمثلة كثيرة، وبالتالي لما تتحول القيمة الاجتماعية في توظيف ممارستها من الواجب إلى تحقيق المصلحة فقط، فإن هذا التحول هو الذي يعبر عنه بـالـ «تحايل» وبالتالي يفقد قيمته المعنوية الرائعة، ويتحول إلى منتج مادي خاضع لمفهوم الربح والخسارة، وهذا في حد ذاته ضربة قاسية لكل القيم التي يصل سلوك الأفراد وممارستهم لها إلى هذا المستوى الرخيص.
نعيش اليوم، أكثر من أي وقت مضى في شأن هذا الـ «تحايل» الذي نتحدث عنه، لأن رتم الحياة الحديثة يشجع الناس على الأخذ به، ومن يتأخر قليلا عن ذلك لا يستبعد أن يوصف بأنه متخلف عن الركب، فإذا جئنا على سبيل المثال إلى صور مجالات الموضة الحديثة، وخاصة عند النساء، سواء في الأزياء، أو الجمال الجسدي، نرى كثيرا من ممارسات هذا الـ «تحايل» على الصورة الحقيقية التي تكون عليها المرأة في طبيعتها الجسدية للوصول إلى الجمال المصطنع، من حيث استخدام المساحيق، وصبغات الشعر، والعدسات اللاصقة، وغيرها، وحتى لا نظلم المرأة في هذا المثال؛ فهناك اليوم حتى الذكور يلجأون إلى مثل هذه من صور الـ «تحايل» إما للفت الأنظار، أو التقليد، أو لتلبية الرغبات النفسية الجانبية، كسد النقص في جانب ما من جوانب الجسد، أو حتى المكانة الاجتماعية «الوجاهية» أو الوظيفية أو المعرفية، ولذلك عندما تقابل في طريقك شابا مفتول العضلات وجسمه ممشوق، وعيناه جاحظتان؛ فلا ترتعب فكل ذلك مركب من الفيتامينات، ومقوم بأجهزة الحديد التي تمتلئ بها صالات بناء الأجسام، كما يطلق عليها، ولذلك أتصور أن كل هذا البناء الجسماني المتعوب عليه، لن يستطيع المواجهة عند حلولها إلا لفترة قصيرة جدا، ويسلم الأمر للطرف الآخر الذي بناؤه الجسماني بناء طبيعيا، فكل وسائل التحايل هذه التي يستخدما كلا النوعين (الرجال والنساء) في الخروج من الصورة الطبيعية إلى الصورة المبهرجة بوسائل الـ «تحايل» لن تلبث كثيرا حتى تغادر مكمنها، وتعري صاحبها حيث يعود إلى صورة أسوأ مما كان عليه، وهذه حقيقة لا جدال عليها، لأن وسائل الـ «تحايل» هذه ليس الهدف منها الترميم الحقيقي الذي يساعد الجسم على تعويض ما فقده مما أفسده الدهر، وإنما هو في لحظة البهرجة الموقوتة، والواقع هو ما يجيب على مقولة: «وهل يصلح العطار ما أفسده الدهر».
يتعدى الأمر، عند آخرين، حتى إلى أكثر من ذلك، وخاصة عند الذين يذهبون إلى الدخول في معترك المتاجرة بالأعضاء البشرية، وخاصة أولئك الذين تكون عندهم القدرة المادية كبيرة، فلا يتورعون عن الإضرار بالآخر، وإغوائه بالمال لأن يبيع أحد أعضائه، أو أعضاء أحد من أبنائه لصالح هذا الفرد المعزز بقدرة المال الذي يريد ان تبقى صحته ونضارته كما كانت حالتها الأولى، متحايلا بذلك على العمر الذي ولى، وعلى الصحة التي بدأت تلملم أسبالها إلى غير رجعة، وهو بهذا الـ «التحايل» لن يصل بعيدا، وكم سمعنا من أمثلة كثيرة فشلت فيها هذه الزراعات الجسدية، لأن الجسد المستقبل لم يستطع أن يتكيف مع العضو الجديد، وقد قرأت منذ زمن؛ أن الأعضاء التي تنقل من جسدها الأصل إلى الجسد الآخر؛ هي تحمل الصفات الوراثية للجسد الأم، ويقال أيضا ان عمرها مرهون بعمر الجسد الذي جلبت منه، من حيث الهرم، والتركيبات البيولوجية الأخرى، وبمعنى آخر حتى هذا النوع من الـ «تحايل» لم يعد موثوق به طبيا، ومن يجازف على الاستمرار في هذا الاتجاه عليه أن يكون مدركا لهذه الحقيقة، ولا يسلم نفسه لتجار الأعضاء البشرية، وما أكثر وسائلهم المعوجة اليوم: أكثر من أي وقت مضى.
أختم هنا ببيت شعر جميل يقول صاحبه فيه:
«عمر الشبيبة يبدي عذر صاحبه
ما بال شيبة يستهويه شيطان»
وهو نفس المعنى الذي حملته المقولة السابقة «وهل يصلح العطار ...» التي جاءت في صدر النص، والمعنى هنا؛ أن هناك سياقا طبيعيا لكل الأشياء، ولا يمكن أن تخرج هذه الأشياء كلها عن سياقاتها الطبيعية، فلا الشاب يمكن أن يكون رجلا مكتمل الوعي قبل أن يخوض تجربة الحياة القاسية، ولا المسن يمكن أن يعود إلى مراحل الصبا الأولى، مهما احتال عن تداعيات مشيبته بكل الوسائل التي يظن فيها المخرج مما هو فيه، ويبقى الرضا النفسي لأي منا هو في كلا الحالتين هو الوضع الطبيعي، ولا يجب أن تكون «الغاية تبرر الوسيلة» هو ما نذهب إليه دائما فرارا من واقع نعيشه بلا مفر.