تحديات كبيرة تواجه أوروبا هذا الصيف
ترجمة ـ قاسم مكي
الثلاثاء / 13 / محرم / 1445 هـ - 23:40 - الثلاثاء 1 أغسطس 2023 23:40
في أوقات التوتر يستدعي الاتحاد الأوروبي القول المأثور عن جان مونيه أحد آبائه المؤسسين بأن أوروبا ستتشكل في أتُّون الأزمات وستكون حاصل جمع الحلول التي يتم تبنيها لمعالجة تلك الأزمات.
هذا القول مريح حين تكون أوروبا في قلب الأزمة. لكن عندما تخرج من حالة الطوارئ وهو ما يبدو أنها ستفعله هذا الصيف يفرض هذا السؤال: ما هي الأزمة التالية القادمة وماذا سيكون الحل؟
أحيانا يكون السؤال عن مستقبل أوروبا صارفا للانتباه، فالتفكير الدائم في الأزمات كما في شكوك البلدان الناطقة باللغة الإنجليزية والتي لانهاية لها تجاه اليورو يقلل من تقدير المرونة، لكنه أحيانا يكون السؤال الصحيح الذي يجب أن يُسأل.
منذ عام 2019 وفي ظل الأداء القوي للمفوضية الأوروبية بقيادة أورسولا فون دير لاين تشكَّل «إصلاح الاتحاد الأوروبي» من الاستثمار المستقبلي في البنية التحتية الرقمية والتحول إلى الطاقة الخضراء. وفي مواجهة الجائحة وحَّدت هذه الصيغة أوروبا حول الاقتراض المشترك. وجرى منذ ذلك الوقت تكييفها للتعامل مع الحرب الروسية الأوكرانية وتحدِّي «قانون خفض التضخم الأمريكي» والتوتر المتصاعد مع الصين.
للمفارقة، نجاح هذه الاستراتيجية هو بالضبط ما يدفع المحافظين إلى تخيَّل أن مستقبل أوروبا يتمثل في العودة إلى الوضع العادي المحدَّد بالقواعد المالية التي تعود إلى أوائل التسعينيات.
هذا تفكير رغائبي. والقول بذلك قد ينطوي على إحساس خطِر بالرضا عن الذات، لكن تكرار أزمة منطقة اليورو في العشرية الثانية من هذا القرن ليس مصدر القلق الرئيسي لأوروبا الآن.
لا شك أن حدوث أزمة كبيرة في البنوك أو الدَّين العام سيكشف عن عجز في الهيكل المالي والنقدي لأوروبا، وتظل القواعد المالية ودور «آلية الاستقرار الأوروبي» موضع نزاع.
إلى ذلك، أزمة اللاجئين المتصاعدة في البحر الأبيض المتوسط خطر فوري وأكبر. ومن الوجاهة تكثيف الجهود الدبلوماسية مع الحكومة التونسية، كما ليس من المصادفة أن ألمانيا وإيطاليا تدفعان بتنفيذ خط أنابيب ناقل للهيدروجين يتيح فرصا تنموية لشمال إفريقيا. وسيكون من المنطقي مدّ أجندة استثمار برنامج الاتحاد الأوروبي للجيل القادم لتشمل المنطقة المتوسطية الواسعة، (برنامج الاتحاد الأوروبي للجيل القادم أداة مؤقتة دشنها الاتحاد في يونيو 2021 بمخصصات تبلغ 800 بليون يورو لدعم التعافي الاقتصادي من الجائحة وبناء مستقبل أكثر اخضرارا ورقمية ومرونة - المترجم.)
ومن شأن استراتيجية عقلانية وطويلة الأجل أن تتضمن برنامجا للهجرة المُدارة يكون مدعوما باستثمار عام سخي.
تعتمد فرص تجسيد ذلك النوع من التفكير العملي للتنمية المستدامة على عدم سحق اقتصاد أوروبا بقواعد مالية عشوائية تعود لعقود مضت، كما تعتمد أيضا على الحفاظ على توازن سياسي. لقد كان الانتصار السياسي للوَسَطِيين في عام 2019 هو الذي سمح لبروكسل بإيلاء المزيد من الاهتمام لموضوع حماية المناخ ووضعه في قلب المشروع الأوروبي. وسيثير التحول إلى اليمين في الانتخابات الأوروبية القادمة في عام 2024 الشكوك حول مستقبل صيغة أورسولا فون دير لاين.
إن إخفاق حزب «فوكس» في انتخابات إسبانيا قلل المخاوف في الوقت الراهن من صعود الشعبوية اليمينية. لكن تحديه دفع أجندة السياسة الإسبانية بأكملها باتجاه اليمين. ويبدو أن الشيء نفسه يحدث مع حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في ألمانيا تحت ضغط حزب «البديل لألمانيا». فكما أظهر يمين الوسط في البرلمان الأوروبي في محاولته المُجهَضة لتخريب «قانون استعادة الطبيعة» لا يمكن الاعتماد على حزب فون دير لاين نفسها في دعم الأجندة الخضراء في مواجهة احتجاج المزارعين.
التحول إلى اليمين الذي يعرقل برنامج أوروبا «الأخضر» بعد الاستثمار السياسي في الأعوام الخمسة الماضية يَرقَى إلى أن يكون أزمة هوية للاتحاد الأوروبي. وسيكون تصاعد كراهية الأجانب في الوقت نفسه احتمالا قبيحا جدا (تحت إمرة جورجيا ميلوني رئيسة الحزب اليميني «أخوة إيطاليا» وليس فون دير لاين).
في انتخابات البرلمان في عام 2024 سيتخذ الناخبون الأوروبيون خيارا مهما حول المناخ واللاجئين. لكن هنالك تحدٍّ آخر أكثر حسما في تحديد مستقبل أوروبا.
قبل عام 2022 كانت بروكسل وباريس وبرلين تفضل الحفاظ على مسافة بينها وبين أوكرانيا، لكن الحرب الروسية الأوكرانية سلبتها ذلك الخيار. وانضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي صار الآن مباشرة جزءا من الأجندة. ويمكن القول إنه أصعب تحدّ واجهه الاتحاد الأوروبي على الإطلاق. والمساعدات المدنية والعسكرية التي تبلغ تكلفتها 70 بليون يورو وتجري مناقشتها حاليا مجرد البداية. فتقديرات الإنفاق المطلوب في نهاية المطاف يزيد على 400 بليون يورو لدولة ليست بعد عضوا في الاتحاد.
ويمكن للمرء أن يتصور توسيع نطاق صيغة استثمار «الصفقة الخضراء» لكي تشمل حتى أوكرانيا، لكن ذلك لن يكون كافيا أو بديلا للقرار السياسي الجذري والضروري لضم بلدٍ تضرر من الحرب وبه 38 مليون نسمة إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، وسيكون أول قرار حول التقدم الذي أحرزته أوكرانيا تجاه مفاوضات الانضمام للاتحاد في أكتوبر.
إذا طبقنا مقولة جان مونيه (المذكورة في مفتتح المقال) فإن إيجاد أو عدم إيجاد الحلول لأزمة أوكرانيا هو ما سيحدد مصير الاتحاد الأوروبي في المستقبل المنظور.
هذا القول مريح حين تكون أوروبا في قلب الأزمة. لكن عندما تخرج من حالة الطوارئ وهو ما يبدو أنها ستفعله هذا الصيف يفرض هذا السؤال: ما هي الأزمة التالية القادمة وماذا سيكون الحل؟
أحيانا يكون السؤال عن مستقبل أوروبا صارفا للانتباه، فالتفكير الدائم في الأزمات كما في شكوك البلدان الناطقة باللغة الإنجليزية والتي لانهاية لها تجاه اليورو يقلل من تقدير المرونة، لكنه أحيانا يكون السؤال الصحيح الذي يجب أن يُسأل.
منذ عام 2019 وفي ظل الأداء القوي للمفوضية الأوروبية بقيادة أورسولا فون دير لاين تشكَّل «إصلاح الاتحاد الأوروبي» من الاستثمار المستقبلي في البنية التحتية الرقمية والتحول إلى الطاقة الخضراء. وفي مواجهة الجائحة وحَّدت هذه الصيغة أوروبا حول الاقتراض المشترك. وجرى منذ ذلك الوقت تكييفها للتعامل مع الحرب الروسية الأوكرانية وتحدِّي «قانون خفض التضخم الأمريكي» والتوتر المتصاعد مع الصين.
للمفارقة، نجاح هذه الاستراتيجية هو بالضبط ما يدفع المحافظين إلى تخيَّل أن مستقبل أوروبا يتمثل في العودة إلى الوضع العادي المحدَّد بالقواعد المالية التي تعود إلى أوائل التسعينيات.
هذا تفكير رغائبي. والقول بذلك قد ينطوي على إحساس خطِر بالرضا عن الذات، لكن تكرار أزمة منطقة اليورو في العشرية الثانية من هذا القرن ليس مصدر القلق الرئيسي لأوروبا الآن.
لا شك أن حدوث أزمة كبيرة في البنوك أو الدَّين العام سيكشف عن عجز في الهيكل المالي والنقدي لأوروبا، وتظل القواعد المالية ودور «آلية الاستقرار الأوروبي» موضع نزاع.
إلى ذلك، أزمة اللاجئين المتصاعدة في البحر الأبيض المتوسط خطر فوري وأكبر. ومن الوجاهة تكثيف الجهود الدبلوماسية مع الحكومة التونسية، كما ليس من المصادفة أن ألمانيا وإيطاليا تدفعان بتنفيذ خط أنابيب ناقل للهيدروجين يتيح فرصا تنموية لشمال إفريقيا. وسيكون من المنطقي مدّ أجندة استثمار برنامج الاتحاد الأوروبي للجيل القادم لتشمل المنطقة المتوسطية الواسعة، (برنامج الاتحاد الأوروبي للجيل القادم أداة مؤقتة دشنها الاتحاد في يونيو 2021 بمخصصات تبلغ 800 بليون يورو لدعم التعافي الاقتصادي من الجائحة وبناء مستقبل أكثر اخضرارا ورقمية ومرونة - المترجم.)
ومن شأن استراتيجية عقلانية وطويلة الأجل أن تتضمن برنامجا للهجرة المُدارة يكون مدعوما باستثمار عام سخي.
تعتمد فرص تجسيد ذلك النوع من التفكير العملي للتنمية المستدامة على عدم سحق اقتصاد أوروبا بقواعد مالية عشوائية تعود لعقود مضت، كما تعتمد أيضا على الحفاظ على توازن سياسي. لقد كان الانتصار السياسي للوَسَطِيين في عام 2019 هو الذي سمح لبروكسل بإيلاء المزيد من الاهتمام لموضوع حماية المناخ ووضعه في قلب المشروع الأوروبي. وسيثير التحول إلى اليمين في الانتخابات الأوروبية القادمة في عام 2024 الشكوك حول مستقبل صيغة أورسولا فون دير لاين.
إن إخفاق حزب «فوكس» في انتخابات إسبانيا قلل المخاوف في الوقت الراهن من صعود الشعبوية اليمينية. لكن تحديه دفع أجندة السياسة الإسبانية بأكملها باتجاه اليمين. ويبدو أن الشيء نفسه يحدث مع حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في ألمانيا تحت ضغط حزب «البديل لألمانيا». فكما أظهر يمين الوسط في البرلمان الأوروبي في محاولته المُجهَضة لتخريب «قانون استعادة الطبيعة» لا يمكن الاعتماد على حزب فون دير لاين نفسها في دعم الأجندة الخضراء في مواجهة احتجاج المزارعين.
التحول إلى اليمين الذي يعرقل برنامج أوروبا «الأخضر» بعد الاستثمار السياسي في الأعوام الخمسة الماضية يَرقَى إلى أن يكون أزمة هوية للاتحاد الأوروبي. وسيكون تصاعد كراهية الأجانب في الوقت نفسه احتمالا قبيحا جدا (تحت إمرة جورجيا ميلوني رئيسة الحزب اليميني «أخوة إيطاليا» وليس فون دير لاين).
في انتخابات البرلمان في عام 2024 سيتخذ الناخبون الأوروبيون خيارا مهما حول المناخ واللاجئين. لكن هنالك تحدٍّ آخر أكثر حسما في تحديد مستقبل أوروبا.
قبل عام 2022 كانت بروكسل وباريس وبرلين تفضل الحفاظ على مسافة بينها وبين أوكرانيا، لكن الحرب الروسية الأوكرانية سلبتها ذلك الخيار. وانضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي صار الآن مباشرة جزءا من الأجندة. ويمكن القول إنه أصعب تحدّ واجهه الاتحاد الأوروبي على الإطلاق. والمساعدات المدنية والعسكرية التي تبلغ تكلفتها 70 بليون يورو وتجري مناقشتها حاليا مجرد البداية. فتقديرات الإنفاق المطلوب في نهاية المطاف يزيد على 400 بليون يورو لدولة ليست بعد عضوا في الاتحاد.
ويمكن للمرء أن يتصور توسيع نطاق صيغة استثمار «الصفقة الخضراء» لكي تشمل حتى أوكرانيا، لكن ذلك لن يكون كافيا أو بديلا للقرار السياسي الجذري والضروري لضم بلدٍ تضرر من الحرب وبه 38 مليون نسمة إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، وسيكون أول قرار حول التقدم الذي أحرزته أوكرانيا تجاه مفاوضات الانضمام للاتحاد في أكتوبر.
إذا طبقنا مقولة جان مونيه (المذكورة في مفتتح المقال) فإن إيجاد أو عدم إيجاد الحلول لأزمة أوكرانيا هو ما سيحدد مصير الاتحاد الأوروبي في المستقبل المنظور.