أفكار وآراء

لماذا لا تعلن داعش دائما عن هجماتها؟

ترجمة: أحمد شافعي -

لم تترفع (داعش) قط عن التبجح والاستعراض. وكانت منذ ظهورها تستعمل إعلان تبني الهجمات والقدرة على العصف بالعواصم لتخويف أعدائها.

لكن تقريرا أخيرا يشير إلى أن الجماعة الإرهابية بدأت تعمد إلى الإحجام عن الإعلان عن هجماتها، ويكشف التقرير عن توترات داخلية، مثلما يكشف ديناميكية تجدر دراستها من قبل صناع السياسات الذين يقودون القتال ضد داعش.

في الخامس والعشرين من يونيو، أصدرت داعش تقريرا عبر تلجرام يعرض عملياتها العسكرية في سوريا، وبخاصة في دير الزور ودرعا. والأمر الذي يميز هذا التقرير عن غيره هو ورود العديد من العمليات التي لم يسبق أن تبنتها الجماعة.

وفي حين أن الفكرة القائلة بأن داعش تخفي لأسباب أمنية الهجمات التي تنفذها ليست بالفكرة الجديدة، فإن مجموعة أخرى من وثائق داعش ـ يقال إن منبرا معاديا لداعش هو الذي سربها ونشرها ـ تدعم هذا الزعم، وتشير إلى أنها ليست محض رواية لتحقيق أغراض ذاتية.

تقدم الوثائق المسربة رؤية دقيقة ومهمة لعملية صنع القرار الكامنة وراء تبني هجمات دون أخرى، وكذلك التوترات الناتجة داخل الجماعة. كما تبين أن المحللين الذين لا يعتمدون إلا على عدد الهجمات التي تتبناها الجماعة لن يصلوا إلى قياس دقيق لقوة الجماعة القتالية.

ولذلك، يجدر بصناع السياسات أن يتوخوا الحذر ويتبنوا نهجا شاملا عند تقييم قدرات الجماعة والخطر الذي تمثله.

كانت الوثائق المسربة قد نشرت من خلال قناة (فضح عُبَّاد البغدادي والهاشمي) في العشرين والحادي والعشرين من يونيو. وهذه القناة ـ التي يعني اسمها فضح من يعبدون زعيمي داعش القتيلين أبو بكر البغدادي وأبو إبراهيم الهاشمي القرشي ـ قناة موالية للقاعدة، ومعادية لداعش، تنشر تعليقات وآراء وما يتردد عن كونه اتصالات داخلية مسربة من داخل الجماعة.

وبحسب هذه الوثائق، فإن قسم الإعلام في داعش هو الذي يتولى في العادة مسؤولية الإعلان عن الهجمات، حيث يتلقى التوثيق المحلي وينقله إلى قسم النشر المركزي.

غير أن قرار الإعلان عن تبني هجمة من عدمه يقع على عاتق كل من كبار القادة الإعلاميين والعسكريين، والقادة العسكريون المحليون لديهم سلطة الاعتراض على الإعلان إذا ما رأوا أن هذا يتعارض مع مصالحهم.

كما تكشف الوثائق المسربة أيضا عن وجهات نظر متناقضة بين القادة الإعلاميين والعسكريين في سوريا في ما يختص بالهجمات التي ينبغي أو لا ينبغي الإعلان عنها. وفي حين أن بعض الفروع، من قبيل فرع دير الزور، تتعاون مع مسؤولي الإعلام، فإن غيرها ـ من قبيل فرعي البادية ودرعا ـ تأبي فكرة نشر الإعلان عن الهجمات.

ويتردد أن القيادة العسكرية، وبخاصة في تينك المنطقتين، تفعّل سياسة الصمت الإعلامي بسبب مخاوف أمنية.

نجد هذا الاختلاف في وجهات النظر عن توترات ونزاعات داخلية. ويذهب المسؤولون الإعلاميون المعترضون على قرار منع النشر الفعلي إلى أنه يسفر عن نتائج عكسية، ويفيد أعداء الجماعة ويعطل جهود الدعاية.

ويؤكدون أنه بعيدا عن الفشل في ردع هجمات الأعداء المضادة، فإن الإعلان عن نشاط داعش من شأنه أن يغرس الخوف في نفوس «الكفار» وقد يلهم بهجمات مماثلة في سوريا.

وتعزيزا لحجتهم، يتردد أن مسؤولي الإعلام تساءلوا عن السبب الذي يجعل الوضع في سوريا مختلفا عن الأوضاع في مناطق العراق التي لم يزل مقاتلوها ـ برغم مواجهتهم ضغطا عسكريا كثيفا ـ يعلنون عن تبنيهم للهجمات.

سبق أن أعلنت داعش في جريدة النبأ الأسبوعية التابعة للجماعة عن سياسة النشر. ففي مقالة بتاريخ السادس عشر من مارس زعمت الجماعة أنها تعمد إلى حجب تبني بعض الهجمات لأسباب تتعلق بالعمليات.

وقد ورد زعم مماثل في حوار نادر في يوليو من العام الماضي مع رئيس عمليات داعش في بادية سوريا ـ والبادية منطقة صحراوية شاسعة تضم كلا من حمص وحماة والرقة ودير الزور. إذ قال المسؤول إن داعش نفذت عددا من الهجمات أكبر كثيرا مما اعترفت به علنا، مشيرا إلى استراتيجية انتقائية النشر، أو تأخير أو حجب المعلومات الخاصة بالهجمات لأسباب عملياتية.

المثير للاهتمام أن القائد حذر الأنصار الذين قد يجدون إثارة في الإعلان عن أنباء هجمات الجماعة وطالبهم بالإمساك عن ذلك والالتزام الصارم بما تتبناه داعش رسميا.

ومن المهم أن نعترف أن سردية داعش الخاصة بالصمت الإعلاني قد تستعمل لتبرير تناقص ملحوظ في أرقام الهجمات التي تعلنها الجماعة. غير أن داعش ليست الكيان الوحيد الذي أبرز استراتيجية عدم النشر.

فقد قال مركز روجافا ـ المعني بمراقبة هجمات داعش في المناطق الخاضعة لقوات سوريا الديمقراطية ـ إن الجماعة معروفة بتنفيذ هجمات

لا تعلن عنها في شمال شرقي سوريا.

وقال المركز أيضا إنه من بين 285 هجمة منسوبة إلى الجماعة في عام 2022 في الإعلام الخارجي، لم تعلن داعش مسؤوليتها إلا عن 185.

حايد حايد زميل مشارك استشاري في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس.

الترجمة عن «آسيا تايمز»