أفكار وآراء

التضخم..هذا وقت الخيارات الصعبة

ترجمة ـ قاسم مكي

بعد نصف قرن استثارت عودة التضخم ذكرى 'أمّ الصدمات' في أعوام السبعينات.

في العام الماضي كان صقور التضخم (المتشددون في الدعوة إلى محاربته) في أوروبا والولايات المتحدة مهووسين بالتهديد الذي تشكله دوَّامات الأجور- الأسعار. لكن التضخم كما اتضح لم يكفّ فقط عن التسارع بل تراجع الآن عن الذُّرَى التي سبق له أن بلغها. مع ذلك يستمر مثيرو الخوف من ارتفاع الأسعار في إثارة المخاوف.

القلق الآن يتعلق باستدامة التضخم. وصرخة الحرب هي العودة به إلى معدل 2%. وكما هي الحال قبل نصف قرن هذا خيار سياسي محافظ جدا يتخذ مظهر الضرورة الاقتصادية.

لا يعني ذلك القول بأن التضخم ليس مشكلة حقيقية. ففي أوروبا ولا سيما في بريطانيا التضخم الأساسي يبدو عصيّا. وفي الولايات المتحدة السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف سيقطع بنك الاحتياط الفدرالي 'الميل الأخير' لخفض معدل التضخم من 4% إلى 2%؟

ما كانت المسألة لتكون بهذه الحدة إذا كنا واثقين من نجاح السياسة النقدية. في عام 1979 رفع بول فولكر رئيس بنك الاحتياط الفدرالي أسعار الفائدة إلى عنان السماء بهدف محاربة التضخم. ومنذ ذلك الوقت لم تتوافر تجربة قيِّمة تذكر للاقتصادات المتقدمة في السيطرة على التضخم الخطر.

علمُ الاقتصاد ملتبس. فالنماذج المختلفة (الأطُر النظرية المختلفة الذي تستخدم للفهم والتنبؤ بالتصرفات الاقتصادية- المترجم) تعطي تقديرات شديدة التباين حول أعلى معدل يلزم أن تصل إليه أسعار الفائدة لكبح ارتفاع الأسعار. ما هو واضح أنه حتى في سيناريو الهبوط الناعم سيترتب عن خفض معدل التضخم إلى 2% ارتفاع معدل البطالة. وفي السيناريو الأسوأ سيهزُّ البنوك وأيضا كما حذر صندوق النقد الدولي سيضغط على الاقتصادات الهشة للبلدان الصاعدة والنامية.

لخفض التضخم دون تعريض النظام المالي للمخاطر يدعو الآن بنك التسويات العالمية (بنك البنوك المركزية) إلى وجوب انضمام السياسة المالية أيضا الى القتال وذلك لمزيد من الضغط على الطلب الإجمالي.

إذن هذا هو ما وصلنا إليه في عام 2023. أي أن من المعقول لإعادة التضخم إلى معدل 2% مع الحفاظ على عافية البنوك رفع أسعار الفائدة لفترة أطول بالإضافة إلى التقشف.

في هذه الآونة علينا أن نسأل: هل تعلمت النخب الغربية أي شيء من فترة الخمس عشرة سنة السابقة.

كم من الوقت مضى منذ كنا ننادي بعقد اجتماعي جديد يناصر الديموقراطية ضد رأسمالية غير متوازنة ويؤكد على أولوية التنمية المستدامة وأزمة المناخ؟ بالطبع استقرار الأسعار مهم. بل حتى التضخم المعتدل يفرض تكاليف حقيقية خصوصا على الجماعات المستضعفة. لكن تكلفة أزمة المعيشة مشكلة اجتماعية يجب معالجتها بدعمٍ كاف للرَّفاه.

لقد قيل لنا إن التخلي عن معدل 2% سيحول المجتمعات كمجتمع بريطانيا إلى موضع تندّر وسخرية.

هنالك طرق كثيرة جعلت بها بريطانيا نفسها أضحوكة مؤخرا. لكن استخدام ذلك كحجة لاتِّباع سياسة جذرية وانكماشية وعن عمد وإصرار سيزيد الطين بلة. فأنت لا تثبت جديتك بالتشبث غريزيا بالرموز والهوس بالحفاظ على صيتك وسمعتك.

هذا النوع من السياسة بالضبط إلى جانب سنوات من التقشف هو الذي قاد بريطانيا إلى حماقة الخروج من الإتحاد الأوروبي.

بالطبع التعهدات والالتزامات العامة ركائز مهمة للحياة الاجتماعية. لا يجب أن نتخلى بسهولة عن هدف معتمَد مؤسَّسيا مثل نسبة 2% (كمعدل مقبول لمستوى التضخم). لكن مثله مثل أية قاعدة أخرى شبه دستورية يجب عرضه للتدقيق العام والحكم عليه استنادا على مطلوبات اللحظة الماثلة.

هدف 2% واقعي في حقبة الاعتدال العظيم (فترة استقرار مؤشرات الاقتصاد الكلي كالتضخم والنمو والبطالة بين منتصف الثمانينات وأواخر العشرية الأولى لهذا القرن- المترجم).

لكن السؤال الذي يجب أن نسأله هو: هل هو مناسب لعصر الأزمات المتعددة؟ هل يؤذينا هذا الهدف أم يساعدنا على علاج التوازن المختل بين الرأسمالية والديموقراطية؟ هذا موضوع مقايضاتٍ قاسية.

في حقبة الشعبوية وتصاعد الدعوات للعدل العِرقي هل يمكن تكريس الأولوية للتخفيضات الهامشية في معدل التضخم على حساب توظيف الشباب والأقليات؟

وإذا فضلنا النقابات كمؤسسات مدافعة عن الديموقراطية وقوة موازنة ضد اللامساواة ألا يلزمنا أن نساندها بدلا من إدانة دوَّامات ارتفاع الأجور التي يعقبها ارتفاع الأسعار؟

وإذا كنا جادين في إعادة بناء نسيج حياتنا المشتركة بالاستثمار العام إلى أي حد يمكننا إخضاع السياسة المالية لمطالب الاستقرار المالي؟ وإذا كنا ندرك الأهمية الفائقة للإسراع بمعالجة مشكلة المناخ هل يمكن أن نخاطر بخنق الاستثمار الأخضر في الموارد المتجددة بسياسات التقشف كما فعلنا في سنوات العشرية الأولى من هذا القرن؟

هذه خيارات صعبة. لكن إذا كانت الديموقراطية الليبرالية تعني أي شيء يجب أن تنطوي على حوار عام وعقلاني. ذلك يعني عدم إغلاق باب الجدل باستدعاء بُعبُع سنوات السبعينات (ارتفاع التضخم وركود النمو وأزمة النفط) والمطالبة بأن تفعل البنوك المركزية كل ما يلزم مهما كان الثمن.

ذلك ليس حوارا ديموقراطيا. إنه المنطق القديم لليبرالية الجديدة. منطق 'لا يوجد بديل' الذي أورثنا ردّ فعل الشعبوية الشرس.

إذا كنا مَعنيِّين حقا بإيجاد توازن أفضل بين الرأسمالية والديموقراطية ما يجب الاهتمام به هو البدائل حتى فيما يتعلق بالتضخم.

آدم توز أستاذ التاريخ بجامعة كولومبيا ومؤلف عدة كتب أحدثها 'الإغلاق: كيف هزَّ كوفيد-19 العالم'

ترجمة خاصة لـ عمان عن الفاينانشال تايمز