قوميون في الخارج..
السبت / 20 / ذو القعدة / 1444 هـ - 20:36 - السبت 10 يونيو 2023 20:36
ربما لم يكن الرئيس رجب طيب أردوغان في احتياج إلى أصوات المواطنين الألمان والهولنديين الأتراك للفوز في الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تركيا. مع ذلك، فاز أردوغان بأغلبية الأصوات الدولية، بما في ذلك ما يقرب من 70% من الأصوات في ألمانيا وهولندا. ولكن لأن ليس كل الألمان أو الهولنديين من ذوي الأصول التركية يدلون بأصواتهم في الانتخابات التركية، فإن هذه الإحصائيات يجب التعامل معها بحذر. لكن يبدو أن القومية التركية اليمينية تتمتع بجاذبية قوية بين المواطنين مزدوجي الجنسية. كما يميل هؤلاء القوميون في الخارج إلى الإعلان بصخب عن معتقداتهم، حيث يقودون سياراتهم عبر المدن الألمانية وهم يطلقون أبواقهم ويصرخون بشعارات سياسية.
تحيط بهذه المظاهرات أجواء من التحدي، شكل صارخ من أشكال سياسات الهوية، وهي تعمل كإشارة موجهة إلى السكان من الأغلبية بأن الأقلية الـعِـرقية أيضا لها صوت. لكنها تمثل فضلا عن ذلك اتجاها أعرض: يميل بعض أفراد مجتمعات المهاجرين إلى اتخاذ مواقف أشد تطرفا عندما يتعلق الأمر بسياسات بلدانهم الأصلية مقارنة بالمواطنين الذين ما زالوا يقيمون هناك. على سبيل المثال، نجد أن الانفصاليين المنتمين إلى حركة خاليستان، والذين يدعون إلى إقامة دولة سيخية مستقلة في البنجاب، أشد صخبا في بعض الأحيان في كندا أو المملكة المتحدة من حالهم في الهند. بالمثل، تلقى الجيش الجمهوري الأيرلندي دعما ماليا سخيا من الأمريكيين من أصل أيرلندي، ويزدهر القوميون الهندوس في بعض أجزاء من بريطانيا، كما وجد المتطرفون أرضا خصبة للتجنيد في مدن أوروبية غربية. في حين يعكس هذا جزئيا الحرية السياسية الأكبر في الغرب، فإن الأمر لا يخلو من عوامل أخرى تفسر أيضا لماذا ينجذب بعض المهاجرين من الجيل الثاني إلى القومية اليمينية. يتلخص تفسير شائع في الافتقار النسبي إلى إدماج الأقليات غير الغربية أو غير المسيحية من المولودين في أوروبا.
تُـلقى اللائمة عن هذا غالبا على التعصب الأعمى والتحيز بين السكان من الأغلبية. أو قد يقع اللوم على المتطرفين من رجال الدين الذين يطلقون رسائل متطرفة بل وحتى عنيفة في المساجد أو غير ذلك من المنابر الدينية. قد لا تخلو مثل هذه الحجج من بعض الحقيقة. ليس بالجديد ولا المفاجئ أن بعض المهاجرين من الجيل الثاني والثالث من بلدان ذات تقاليد ثقافية ودينية مختلفة للغاية يجدون التأقلم، أو التكيف، أو الاستيعاب أمرا صعبا ومهينا في بعض الأحيان. لكن هذه المشكلة تتفاقم بسبب حِـس أكبر بالاغتراب من جانب كثير من المهاجرين تجاه بلدانهم الأصلية. في كتابي الصادر عام 2007 بعنوان «جريمة قتل في أمستردام»، استكشفت قصة محمد بويري، وهو ابن هولندي المولد لأسرة من المهاجرين المغاربة. في مستهل الأمر، بدا بويري وكأنه مهاجر مندمج تماما من الجيل الثاني يعشق كرة القدم، وموسيقى الروك. لكن سلسلة من الانتكاسات الشخصية قادت بويري على مسار راديكالي، وحولته إلى ثوري إسلامي قَـتَـل ثيو فان جوخ، وهو ناقد هولندي بارز للإسلام. في عام 2004، شعر بويري وكأنه دخيل محتقر في بلده الأصلي، لكن رحلة إلى قرية والديه المغربية جعلته يدرك أنه من غير الممكن أن يتأقلم هناك أيضا.
استقى بويري حِـس الفخر والانتماء من شكل شديد التطرف، والذي انتشر عبر شبكة من المواقع الثورية الناطقة باللغة الإنجليزية على الإنترنت. وعلى الرغم من شعوره بالغربة عن كل من هولندا والمغرب، فقد وجد لنفسه مجتمعا بين مجموعة من المرفوضين الحاقدين الغاضبين، العازمين على إثبات وجودهم للعالَـم ــ من خلال أعمال العنف، إذا لزم الأمر.
هذا الاغتراب كفيل بإحداث قدر عظيم من الضرر، حيث يؤثر على مجتمعات المهاجرين محليا والديناميكيات السياسية في الخارج. ورغم أن المتطرفين يمثلون دائما أقلية، فإن أفعالهم تُـلـقي بظلالها القاتمة على مجتمعاتهم. فكل عمل من أعمال العنف، على سبيل المثال، يفرض ضغوطا لا ضرورة لها على المسلمين المسالمين، بما في ذلك أولئك الذين لم تطأ أقدامهم مسجدا قَـط، والذين يضطرون دوما إلى إثبات أنهم ليسوا متواطئين أو متعاطفين مع الإرهابيين. الواقع أن الممثلين الراديكاليين لأقليات دينية أو عِـرقية أكثر نشاطا بطبيعة الحال من أغلب الأشخاص الذين يريدون فقط أن يُـتـرَكوا بسلام ليواصلوا حياتهم. ويتصرف الراديكاليون أحيانا كما لو كانوا ممثلين لمجتمعاتهم المختلفة. في عام 2004، على سبيل المثال، تلقت جوربريت كور بهاتي، وهي كاتبة مسرحية بريطانية تنتمي إلى أصول سيخية، تهديدات بالقتل، وقد اضطرت إلى الاختباء بعد أن كتبت مسرحية عن العنف في أحد معابد السيخ. بعد إلغاء عرض مقرر للمسرحية، اعتبر متحدث باسم المحتجين إلغاء العرض انتصارا لمجتمع السيخ. كثيرا ما يلجأ الساسة الوطنيون والمحليون إلى أمثال هؤلاء المتحدثين غير المنتخبين، برغم أن الناشطين والمحتجين قد لا يمثلون وجهات نظر مجتمعاتهم المزعومة على الإطلاق. الحق أن أغلب السيخ، والهندوس، والأكراد، والأتراك، وأعضاء أقليات أخرى ليسوا متطرفين أو قوميين عِـرقيين. لكن الشباب في الأغلب، الذين لا يشعرون بأنهم في وطنهم ببلدانهم الأصلية ولا في أي مكان آخر، يؤججون التحيز والعدوان بين سكان الأغلبية، ويعززون ثروات الحركات المتطرفة في البلدان التي تركها آباؤهم وأجدادهم. أردوغان سياسي استراتيجي ومتشائم النزعة، وهو لا يحتاج إلى درجة في عِـلم الاجتماع لكي يدرك المشكلات التي تواجه المهاجرين الأتراك في أوروبا.
إيان بوروما كاتب هولندي مؤلف «جريمة قتل في أمستردام».
خدمة بروجيكت سنديكيت
تحيط بهذه المظاهرات أجواء من التحدي، شكل صارخ من أشكال سياسات الهوية، وهي تعمل كإشارة موجهة إلى السكان من الأغلبية بأن الأقلية الـعِـرقية أيضا لها صوت. لكنها تمثل فضلا عن ذلك اتجاها أعرض: يميل بعض أفراد مجتمعات المهاجرين إلى اتخاذ مواقف أشد تطرفا عندما يتعلق الأمر بسياسات بلدانهم الأصلية مقارنة بالمواطنين الذين ما زالوا يقيمون هناك. على سبيل المثال، نجد أن الانفصاليين المنتمين إلى حركة خاليستان، والذين يدعون إلى إقامة دولة سيخية مستقلة في البنجاب، أشد صخبا في بعض الأحيان في كندا أو المملكة المتحدة من حالهم في الهند. بالمثل، تلقى الجيش الجمهوري الأيرلندي دعما ماليا سخيا من الأمريكيين من أصل أيرلندي، ويزدهر القوميون الهندوس في بعض أجزاء من بريطانيا، كما وجد المتطرفون أرضا خصبة للتجنيد في مدن أوروبية غربية. في حين يعكس هذا جزئيا الحرية السياسية الأكبر في الغرب، فإن الأمر لا يخلو من عوامل أخرى تفسر أيضا لماذا ينجذب بعض المهاجرين من الجيل الثاني إلى القومية اليمينية. يتلخص تفسير شائع في الافتقار النسبي إلى إدماج الأقليات غير الغربية أو غير المسيحية من المولودين في أوروبا.
تُـلقى اللائمة عن هذا غالبا على التعصب الأعمى والتحيز بين السكان من الأغلبية. أو قد يقع اللوم على المتطرفين من رجال الدين الذين يطلقون رسائل متطرفة بل وحتى عنيفة في المساجد أو غير ذلك من المنابر الدينية. قد لا تخلو مثل هذه الحجج من بعض الحقيقة. ليس بالجديد ولا المفاجئ أن بعض المهاجرين من الجيل الثاني والثالث من بلدان ذات تقاليد ثقافية ودينية مختلفة للغاية يجدون التأقلم، أو التكيف، أو الاستيعاب أمرا صعبا ومهينا في بعض الأحيان. لكن هذه المشكلة تتفاقم بسبب حِـس أكبر بالاغتراب من جانب كثير من المهاجرين تجاه بلدانهم الأصلية. في كتابي الصادر عام 2007 بعنوان «جريمة قتل في أمستردام»، استكشفت قصة محمد بويري، وهو ابن هولندي المولد لأسرة من المهاجرين المغاربة. في مستهل الأمر، بدا بويري وكأنه مهاجر مندمج تماما من الجيل الثاني يعشق كرة القدم، وموسيقى الروك. لكن سلسلة من الانتكاسات الشخصية قادت بويري على مسار راديكالي، وحولته إلى ثوري إسلامي قَـتَـل ثيو فان جوخ، وهو ناقد هولندي بارز للإسلام. في عام 2004، شعر بويري وكأنه دخيل محتقر في بلده الأصلي، لكن رحلة إلى قرية والديه المغربية جعلته يدرك أنه من غير الممكن أن يتأقلم هناك أيضا.
استقى بويري حِـس الفخر والانتماء من شكل شديد التطرف، والذي انتشر عبر شبكة من المواقع الثورية الناطقة باللغة الإنجليزية على الإنترنت. وعلى الرغم من شعوره بالغربة عن كل من هولندا والمغرب، فقد وجد لنفسه مجتمعا بين مجموعة من المرفوضين الحاقدين الغاضبين، العازمين على إثبات وجودهم للعالَـم ــ من خلال أعمال العنف، إذا لزم الأمر.
هذا الاغتراب كفيل بإحداث قدر عظيم من الضرر، حيث يؤثر على مجتمعات المهاجرين محليا والديناميكيات السياسية في الخارج. ورغم أن المتطرفين يمثلون دائما أقلية، فإن أفعالهم تُـلـقي بظلالها القاتمة على مجتمعاتهم. فكل عمل من أعمال العنف، على سبيل المثال، يفرض ضغوطا لا ضرورة لها على المسلمين المسالمين، بما في ذلك أولئك الذين لم تطأ أقدامهم مسجدا قَـط، والذين يضطرون دوما إلى إثبات أنهم ليسوا متواطئين أو متعاطفين مع الإرهابيين. الواقع أن الممثلين الراديكاليين لأقليات دينية أو عِـرقية أكثر نشاطا بطبيعة الحال من أغلب الأشخاص الذين يريدون فقط أن يُـتـرَكوا بسلام ليواصلوا حياتهم. ويتصرف الراديكاليون أحيانا كما لو كانوا ممثلين لمجتمعاتهم المختلفة. في عام 2004، على سبيل المثال، تلقت جوربريت كور بهاتي، وهي كاتبة مسرحية بريطانية تنتمي إلى أصول سيخية، تهديدات بالقتل، وقد اضطرت إلى الاختباء بعد أن كتبت مسرحية عن العنف في أحد معابد السيخ. بعد إلغاء عرض مقرر للمسرحية، اعتبر متحدث باسم المحتجين إلغاء العرض انتصارا لمجتمع السيخ. كثيرا ما يلجأ الساسة الوطنيون والمحليون إلى أمثال هؤلاء المتحدثين غير المنتخبين، برغم أن الناشطين والمحتجين قد لا يمثلون وجهات نظر مجتمعاتهم المزعومة على الإطلاق. الحق أن أغلب السيخ، والهندوس، والأكراد، والأتراك، وأعضاء أقليات أخرى ليسوا متطرفين أو قوميين عِـرقيين. لكن الشباب في الأغلب، الذين لا يشعرون بأنهم في وطنهم ببلدانهم الأصلية ولا في أي مكان آخر، يؤججون التحيز والعدوان بين سكان الأغلبية، ويعززون ثروات الحركات المتطرفة في البلدان التي تركها آباؤهم وأجدادهم. أردوغان سياسي استراتيجي ومتشائم النزعة، وهو لا يحتاج إلى درجة في عِـلم الاجتماع لكي يدرك المشكلات التي تواجه المهاجرين الأتراك في أوروبا.
إيان بوروما كاتب هولندي مؤلف «جريمة قتل في أمستردام».
خدمة بروجيكت سنديكيت