مرفأ قراءة.. بذور تجديد الفكر العربي الحديث
السبت / 20 / ذو القعدة / 1444 هـ - 19:05 - السبت 10 يونيو 2023 19:05
- 1 -
لعل أهم ما يقدمه المؤرخ أحمد زكريا الشلق في كتابه «من النهضة إلى الاستنارة» الذي عرفنا به إجمالًا في الحلقة السابقة من (مرفأ قراءة) هو إضاءة جوانب من تاريخ الفكر العربي ومحاولات التجديد والتحديث التي طالته خلال الفترة من بدايات القرن التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين، ومن ثم معالجة الأفكار الجديدة وإسهامات المفكرين ورؤاهم، «إصلاحية» كانت أم «ثورية»، في سياقها من حركة التاريخ المصري والعربي العام في تطوره الاجتماعي والسياسي والثقافي.
لكن قبل أن يقدم الدكتور الشلق معالجته التاريخية التحليلية لجوانب هذا الفكر في مناحيه المختلفة حاول أن يقدم إضاءة مركزة شديدة التركيز والتكثيف لإشكال التحقيب أو تحديد نقطة البداية في ما يمكن أن نسميه التاريخ العربي الحديث أو إرهاصات «الفكر العربي الحديث» كما يفضل البعض هذا الاصطلاح.
- 2 -
اختلف مؤرخو الفكر والثقافة العربية المعاصرون، وبخاصة الأكاديميون منهم، في تحديد التاريخ الذي يمكن اعتباره بداية للعصر الحديث في الوطن العربي، فهناك من يعتبرون مطلع القرن السادس عشر (تاريخ ضم العثمانيين لبلاد العرب إلى إمبراطوريتهم 1516/ 1517 تحديدا) بداية للعصر الحديث، باعتبار مواكبة هذا التاريخ لاكتمال العصر الحديث في أوروبا بقيام حركة الإصلاح الديني، وباعتبار التأثر بفكرة «المركزية» الأوروبية عند هذا الفريق من المؤرخين.
وهناك من يجدون شواهد على وجود إرهاصات للتحديث شهدها المجتمع في القرنين السابع عشر والثامن عشر جاءت نتيجة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي شهدتها بعض المراكز العربية في تلك الحقبة، وأن هيمنة المماليك على السلطة في مصر، والعصبيات في الشام أعاقت إمكانية حدوث تحول سياسي حقيقي في ذلك الاتجاه، وجاءت الحملة الفرنسية على مصر (1798- 1801) لتجهض وتبدد تلك الفرصة.
وهناك فريق ثالث يرى أن المنطقة عاشت في ظل التخلف والجمود والركود حتى جاءت الحملة الفرنسية فأشاعت الأنوار في أرجاء الإقليم، وجلبت معها تباشير «الحداثة». وأصحاب هذا الاتجاه أشد إيماناً «بالمركزية الأوروبية» من الفريق الأول الذي ربط التغير في أوروبا في مطلع القرن السادس عشر بشروق فجر العصر الحديث في الوطن العربي.
- 3 -
ويميل الدكتور الشلق في كتابه إلى قراءة وتحليل الاتجاهات الثلاثة وإن كان يظهر ميلا بدرجة ما إلى الرأي أو الاتجاه الذي ساد في الدراسات التي دارت حول تلك الفترة (القرنين السادس عشر والسابع عشر ثم القرن الثامن عشر) باعتبار هذه الفترة شهدت حراكا اجتماعيا وثقافيا ملحوظا كان من الممكن أن يتطور تطورا طبيعيا في اتجاه تكوين طبقات اجتماعية عربية حديثة، وبالتالي تفرز حداثتها التي تبحث عنها.
والدكتور الشلق لا يعد مفارقا لمجمل ما أشاعه هذا التيار الذي بدأ يأخذ حظه من الشهرة والذيوع على يد المؤرخ والأكاديمي الراحل رؤوف عباس الذي يقول: وقد أثبتت البحوث المستفيضة في تاريخ العصر العثماني صحة رؤية الفريق الثاني من حيث بدايات «التحديث» تأسيساً على التغيرات التي شهدتها المنطقة في القرنين السابع عشر والثامن عشر؛ ولكن تلك البدايات التي تعثرت على يد النخبة العسكرية الحاكمة وأجهضت على يد العدوان الخارجي، ما لبثت أن شكلت حجر الزاوية في التحولات التي شهدتها مصر والشام في عهد محمد علي، من حيث إصلاح النظام الإداري وتبني مشروع للتنمية في بعديه الاقتصادي والثقافي، وجاء التغير الاجتماعي نتاجا له، ولم يكن مقصودا لذاته؛ لذلك نرى في القرن التاسع عشر عصر بناء المجتمع الحديث، عصر البحث عن منحى فكري جديد يواكب التحولات الاقتصادية والثقافية والسياسية التي تحققت بالفعل، عصر الحيرة بين الموروث والمكتسب، بين التقليد والتجديد.
- 4 -
ولعل هذا التناول المركز لهذا الإشكال في الدراسات الفكرية والثقافية والتاريخية يهدف إلى تقديم إطار عام لحركة التجديد في الفكر العربي في العصر الحديث، مركزا على الاتجاهات والتيارات الرئيسية التي وضعت أصول التوجهات الفكرية الأساسية التي توجد اليوم على الساحة الثقافية والسياسية العربية. كما يهدف إلى توعية الشباب بأصول تلك التوجهات، ومدى تعبيرها عن المجتمع العربي في مرحلة التحول الحافلة على طريق التحديث والتجديد والتطور.
ولهذا كان منطقيا أن يشير الدكتور الشلق إلى ملامح وأمثلة من هذا النشاط الذي لم نكن نوليه كثيرا من الاهتمام خلال الفترة من القرن السادس عشر وحتى مطالع القرن التاسع عشر.
ففي البداية، كان من المهم للغاية إلقاء أضواء جديدة على الحياة الفكرية في مصر والعالم العربي خلال القرن الثامن عشر، يدفعنا إلى ذلك ملاحظة مؤداها أن التقدم السريع في الاستجابة للتحديث، الذي شهدته مصر ومن ثم العالم العربي بعد احتكاكها بالغرب من خلال استقدام الخبراء والفنيين، وإرسال البعوث العلمية، وحركة الترجمة، الذي تم على نطاق واسع خلال القرن التاسع عشر، خاصة من جانب جيل الطلاب والمبعوثين الذين تعلموا الفرنسية بسهولة، وترجموا عنها كثيرًا من المؤلفات في مختلف العلوم والفنون والآداب، وأسهموا في وضع أسس بناء اقتصادي جديد لمصر، كل ذلك حري بأن يجعلنا نعيد النظر، ونراجع تلك المزاعم التي أحاطت بالفترة التاريخية السابقة على الاحتكاك بالغرب، ومن بينها بطبيعة الحال الزعم القائل بتدهور الأزهر ونظام التعليم فيه، وتدهور الحياة الفكرية عامة في مصر، فلا يمكن أن ينشأ التطور الجديد من فراغ تام وظلام دامس.
- 5 -
لقد شهدت العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر إنتاجا وفيرا من الكتب والمصنفات، واتساعا في الموضوعات والمجالات التي تناولتها، وربما يفوق هذا الإنتاج مثيله في فترة محمد علي، لكن كانت نظرة المؤرخين إلى هذه الكتابات وما تحمله عناوينها نظرة تنطوي على قدر كبير من التسرع والخفة، فجعلوا يسقطونها من اهتماماتهم باعتبارها مجرد حواشٍ أو تقارير، أو حتى شروح وتفاسير، تتسم بالترديد والاشتقاق، من دون النفاذ إلى مضمونها ليكتشفوا أنها تحمل في طياتها إرهاصات ومعالم فكر جديد.
فعلى الرغم من أن كُتاب هذه المؤلفات والمصنفات يقرون أن غرضهم تفسير بعض «المتون» أو إضافة بعض «الحواشي»، فإنهم من الناحية العملية كانوا يعقبون ذلك بإضافات غير متوقعة في مسائل ثقافية دنيوية خلال عرض هذه الموضوعات الدينية. ويُلاحَظ أن علماء الأزهر قد تأثروا بحركة الازدهار التجاري والاقتصادي التي شهدتها القاهرة خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وازدادت ثروات العلماء نتيجة لذلك، فنشطوا لرعاية صحوة الطرق الصوفية التي ازداد نشاطها بشكل كبير، التي لم تكن مجرد ظاهرة اجتماعية اقتصادية، وإنما ظاهرة دينية ثقافية، انتظم في طرقها الناس من مختلف الطبقات، وكانت أبرز هذه الطرق البكرية الخلوتية والسادات الوفائية، فضلا عن بعض الطرق «الشعبية» كالطريقة البيومية وغيرها. وقد نتج عن ازدياد نشاطها جميعا وزاد من أهميته ظهور عدد من القيادات البارزة والكتابات المهمة، فاشتهرت أسماء الشيوخ مصطفى البكري، ومحمد أبو الأنوار السادات، وإسماعيل الخشاب، ومحمد الصبان، وعبد الله الشرقاوي، وغيرهم. وبرزت كتابات مهمة في مجال «علم الحديث» باعتباره يمثل الأساس الشرعي والقانوني للبلاد، خاصة في أواخر القرن الثامن عشر، لتأكيد قيم التجارة وتحقيق الأرباح العادلة من النشاط التجاري، وهو ما كان العلماء يبرزونه في كتاباتهم. وقد شُغِل علماء الطريقتين البكرية والوفائية بدراسة الحديث أكثر من أي موضوع آخر، وكان من الطبيعي أن تعتمد هذه الدراسة على علوم أخرى مساعِدة، كعلوم اللغة والأدب والتاريخ ونحوها، الأمر الذي أدى إلى ظهور الاهتمام بالمعرفة «المتخصصة» في هذه الميادين، وبدا وكأن علماء الدين قد انتظموا في مؤسسات ثقافية جديدة داخل الطرق الصوفية، تمثلت في «المجالس» التي كانوا يعقدونها بشكل منتظم ليلتقي فيها العلماء والأدباء.
- 6 -
وقد كتب العلماء عددا كبيرا من الأعمال في فروع اللغة، فحققت البلاغة نهضة مثيرة للإعجاب، وتزايد الاهتمام بالأدب وإحيائه ليعاون علم الحديث، فبُعِثَت «مقامات الحريري» درسا وشرحا، وقاد ذلك إلى دراسة مصادرها، وشُغِف الأدباء بتقليدها كشكل متميز للنثر الأدبي في نهاية القرن الثامن عشر، حتى تطورت المقامة نحو شكل من أشكال الرواية. وفي ظل ازدهار الصوفية أيضا نشأت الحاجة إلى دراسة البلاغة، تلبية لحاجات «الإنشاد والذكر»، وبرزت كتابات الشيوخ السجاعي، ومحمد الأمير، ومحمد الصبان، وأحمد الدمنهوري، ومحمد الكفراوي، وعبد الله الشبراوي، وحسن العطار. وقد شهدت الفترة نفسها ازدهارا في تأليف المعاجم، حتى يقال إن هناك ست نسخ بين كل ثماني نسخ من المعاجم ترجع إلى القرن الثامن عشر.
لعل أهم ما يقدمه المؤرخ أحمد زكريا الشلق في كتابه «من النهضة إلى الاستنارة» الذي عرفنا به إجمالًا في الحلقة السابقة من (مرفأ قراءة) هو إضاءة جوانب من تاريخ الفكر العربي ومحاولات التجديد والتحديث التي طالته خلال الفترة من بدايات القرن التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين، ومن ثم معالجة الأفكار الجديدة وإسهامات المفكرين ورؤاهم، «إصلاحية» كانت أم «ثورية»، في سياقها من حركة التاريخ المصري والعربي العام في تطوره الاجتماعي والسياسي والثقافي.
لكن قبل أن يقدم الدكتور الشلق معالجته التاريخية التحليلية لجوانب هذا الفكر في مناحيه المختلفة حاول أن يقدم إضاءة مركزة شديدة التركيز والتكثيف لإشكال التحقيب أو تحديد نقطة البداية في ما يمكن أن نسميه التاريخ العربي الحديث أو إرهاصات «الفكر العربي الحديث» كما يفضل البعض هذا الاصطلاح.
- 2 -
اختلف مؤرخو الفكر والثقافة العربية المعاصرون، وبخاصة الأكاديميون منهم، في تحديد التاريخ الذي يمكن اعتباره بداية للعصر الحديث في الوطن العربي، فهناك من يعتبرون مطلع القرن السادس عشر (تاريخ ضم العثمانيين لبلاد العرب إلى إمبراطوريتهم 1516/ 1517 تحديدا) بداية للعصر الحديث، باعتبار مواكبة هذا التاريخ لاكتمال العصر الحديث في أوروبا بقيام حركة الإصلاح الديني، وباعتبار التأثر بفكرة «المركزية» الأوروبية عند هذا الفريق من المؤرخين.
وهناك من يجدون شواهد على وجود إرهاصات للتحديث شهدها المجتمع في القرنين السابع عشر والثامن عشر جاءت نتيجة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي شهدتها بعض المراكز العربية في تلك الحقبة، وأن هيمنة المماليك على السلطة في مصر، والعصبيات في الشام أعاقت إمكانية حدوث تحول سياسي حقيقي في ذلك الاتجاه، وجاءت الحملة الفرنسية على مصر (1798- 1801) لتجهض وتبدد تلك الفرصة.
وهناك فريق ثالث يرى أن المنطقة عاشت في ظل التخلف والجمود والركود حتى جاءت الحملة الفرنسية فأشاعت الأنوار في أرجاء الإقليم، وجلبت معها تباشير «الحداثة». وأصحاب هذا الاتجاه أشد إيماناً «بالمركزية الأوروبية» من الفريق الأول الذي ربط التغير في أوروبا في مطلع القرن السادس عشر بشروق فجر العصر الحديث في الوطن العربي.
- 3 -
ويميل الدكتور الشلق في كتابه إلى قراءة وتحليل الاتجاهات الثلاثة وإن كان يظهر ميلا بدرجة ما إلى الرأي أو الاتجاه الذي ساد في الدراسات التي دارت حول تلك الفترة (القرنين السادس عشر والسابع عشر ثم القرن الثامن عشر) باعتبار هذه الفترة شهدت حراكا اجتماعيا وثقافيا ملحوظا كان من الممكن أن يتطور تطورا طبيعيا في اتجاه تكوين طبقات اجتماعية عربية حديثة، وبالتالي تفرز حداثتها التي تبحث عنها.
والدكتور الشلق لا يعد مفارقا لمجمل ما أشاعه هذا التيار الذي بدأ يأخذ حظه من الشهرة والذيوع على يد المؤرخ والأكاديمي الراحل رؤوف عباس الذي يقول: وقد أثبتت البحوث المستفيضة في تاريخ العصر العثماني صحة رؤية الفريق الثاني من حيث بدايات «التحديث» تأسيساً على التغيرات التي شهدتها المنطقة في القرنين السابع عشر والثامن عشر؛ ولكن تلك البدايات التي تعثرت على يد النخبة العسكرية الحاكمة وأجهضت على يد العدوان الخارجي، ما لبثت أن شكلت حجر الزاوية في التحولات التي شهدتها مصر والشام في عهد محمد علي، من حيث إصلاح النظام الإداري وتبني مشروع للتنمية في بعديه الاقتصادي والثقافي، وجاء التغير الاجتماعي نتاجا له، ولم يكن مقصودا لذاته؛ لذلك نرى في القرن التاسع عشر عصر بناء المجتمع الحديث، عصر البحث عن منحى فكري جديد يواكب التحولات الاقتصادية والثقافية والسياسية التي تحققت بالفعل، عصر الحيرة بين الموروث والمكتسب، بين التقليد والتجديد.
- 4 -
ولعل هذا التناول المركز لهذا الإشكال في الدراسات الفكرية والثقافية والتاريخية يهدف إلى تقديم إطار عام لحركة التجديد في الفكر العربي في العصر الحديث، مركزا على الاتجاهات والتيارات الرئيسية التي وضعت أصول التوجهات الفكرية الأساسية التي توجد اليوم على الساحة الثقافية والسياسية العربية. كما يهدف إلى توعية الشباب بأصول تلك التوجهات، ومدى تعبيرها عن المجتمع العربي في مرحلة التحول الحافلة على طريق التحديث والتجديد والتطور.
ولهذا كان منطقيا أن يشير الدكتور الشلق إلى ملامح وأمثلة من هذا النشاط الذي لم نكن نوليه كثيرا من الاهتمام خلال الفترة من القرن السادس عشر وحتى مطالع القرن التاسع عشر.
ففي البداية، كان من المهم للغاية إلقاء أضواء جديدة على الحياة الفكرية في مصر والعالم العربي خلال القرن الثامن عشر، يدفعنا إلى ذلك ملاحظة مؤداها أن التقدم السريع في الاستجابة للتحديث، الذي شهدته مصر ومن ثم العالم العربي بعد احتكاكها بالغرب من خلال استقدام الخبراء والفنيين، وإرسال البعوث العلمية، وحركة الترجمة، الذي تم على نطاق واسع خلال القرن التاسع عشر، خاصة من جانب جيل الطلاب والمبعوثين الذين تعلموا الفرنسية بسهولة، وترجموا عنها كثيرًا من المؤلفات في مختلف العلوم والفنون والآداب، وأسهموا في وضع أسس بناء اقتصادي جديد لمصر، كل ذلك حري بأن يجعلنا نعيد النظر، ونراجع تلك المزاعم التي أحاطت بالفترة التاريخية السابقة على الاحتكاك بالغرب، ومن بينها بطبيعة الحال الزعم القائل بتدهور الأزهر ونظام التعليم فيه، وتدهور الحياة الفكرية عامة في مصر، فلا يمكن أن ينشأ التطور الجديد من فراغ تام وظلام دامس.
- 5 -
لقد شهدت العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر إنتاجا وفيرا من الكتب والمصنفات، واتساعا في الموضوعات والمجالات التي تناولتها، وربما يفوق هذا الإنتاج مثيله في فترة محمد علي، لكن كانت نظرة المؤرخين إلى هذه الكتابات وما تحمله عناوينها نظرة تنطوي على قدر كبير من التسرع والخفة، فجعلوا يسقطونها من اهتماماتهم باعتبارها مجرد حواشٍ أو تقارير، أو حتى شروح وتفاسير، تتسم بالترديد والاشتقاق، من دون النفاذ إلى مضمونها ليكتشفوا أنها تحمل في طياتها إرهاصات ومعالم فكر جديد.
فعلى الرغم من أن كُتاب هذه المؤلفات والمصنفات يقرون أن غرضهم تفسير بعض «المتون» أو إضافة بعض «الحواشي»، فإنهم من الناحية العملية كانوا يعقبون ذلك بإضافات غير متوقعة في مسائل ثقافية دنيوية خلال عرض هذه الموضوعات الدينية. ويُلاحَظ أن علماء الأزهر قد تأثروا بحركة الازدهار التجاري والاقتصادي التي شهدتها القاهرة خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وازدادت ثروات العلماء نتيجة لذلك، فنشطوا لرعاية صحوة الطرق الصوفية التي ازداد نشاطها بشكل كبير، التي لم تكن مجرد ظاهرة اجتماعية اقتصادية، وإنما ظاهرة دينية ثقافية، انتظم في طرقها الناس من مختلف الطبقات، وكانت أبرز هذه الطرق البكرية الخلوتية والسادات الوفائية، فضلا عن بعض الطرق «الشعبية» كالطريقة البيومية وغيرها. وقد نتج عن ازدياد نشاطها جميعا وزاد من أهميته ظهور عدد من القيادات البارزة والكتابات المهمة، فاشتهرت أسماء الشيوخ مصطفى البكري، ومحمد أبو الأنوار السادات، وإسماعيل الخشاب، ومحمد الصبان، وعبد الله الشرقاوي، وغيرهم. وبرزت كتابات مهمة في مجال «علم الحديث» باعتباره يمثل الأساس الشرعي والقانوني للبلاد، خاصة في أواخر القرن الثامن عشر، لتأكيد قيم التجارة وتحقيق الأرباح العادلة من النشاط التجاري، وهو ما كان العلماء يبرزونه في كتاباتهم. وقد شُغِل علماء الطريقتين البكرية والوفائية بدراسة الحديث أكثر من أي موضوع آخر، وكان من الطبيعي أن تعتمد هذه الدراسة على علوم أخرى مساعِدة، كعلوم اللغة والأدب والتاريخ ونحوها، الأمر الذي أدى إلى ظهور الاهتمام بالمعرفة «المتخصصة» في هذه الميادين، وبدا وكأن علماء الدين قد انتظموا في مؤسسات ثقافية جديدة داخل الطرق الصوفية، تمثلت في «المجالس» التي كانوا يعقدونها بشكل منتظم ليلتقي فيها العلماء والأدباء.
- 6 -
وقد كتب العلماء عددا كبيرا من الأعمال في فروع اللغة، فحققت البلاغة نهضة مثيرة للإعجاب، وتزايد الاهتمام بالأدب وإحيائه ليعاون علم الحديث، فبُعِثَت «مقامات الحريري» درسا وشرحا، وقاد ذلك إلى دراسة مصادرها، وشُغِف الأدباء بتقليدها كشكل متميز للنثر الأدبي في نهاية القرن الثامن عشر، حتى تطورت المقامة نحو شكل من أشكال الرواية. وفي ظل ازدهار الصوفية أيضا نشأت الحاجة إلى دراسة البلاغة، تلبية لحاجات «الإنشاد والذكر»، وبرزت كتابات الشيوخ السجاعي، ومحمد الأمير، ومحمد الصبان، وأحمد الدمنهوري، ومحمد الكفراوي، وعبد الله الشبراوي، وحسن العطار. وقد شهدت الفترة نفسها ازدهارا في تأليف المعاجم، حتى يقال إن هناك ست نسخ بين كل ثماني نسخ من المعاجم ترجع إلى القرن الثامن عشر.