أعمدة

أنساغ.. عربة تتهادى بالذكريات: «الأموات» بين قلم جيمس جويس وكاميرا جون هيوستن «4 من 9»

 
الحقيقة أن سيرة جويس المهنيَّة والحياتيَّة تشير إلى اهتمام صريح بما فيه الكفاية بالسِّينما وهي لما تزلْ حديثة الولادة بعد؛ فرغم أن الفن السَّابع كان بالكاد في بدايته، وقدرته على سرد القصص كانت في طورها الأوليّ، فإن جويس كان يتمتع بحسٍّ عميق جعله قادرًا على تقدير المحتمَل الهائل للتَّعبير الفنِّي من خلال التكنولوجيا الجديدة والواعدة. ويتجلى هذا الاهتمام العملي واضحًا في حقيقة عودته من إيطاليا إلى إيرلندا «لإنشاء السِّينما الإيرلنديَّة الأولى في عام 1909». (16)

وهذه الخلفيَّة التمهيديَّة لا تنفي ما صرنا نعرفه جيِّدًا في حقل الدِّراسات النَّظريَّة والنقديَّة السينمائيَّة، وهو «أن تاريخ العلاقة بين السِّينما والأدب هو تاريخ من الالتباس، والمواجهة، والاعتماد المشترك على بعضهما البعض». (17)

بالنَّظر إلى ذلك فإنني أود الآن أن أموضع فيلم «الأموات» في سياق عدد من وجهات النَّظر حول الاقتباس السِّينمائي للعمل الأدبي، حيث لا يمكن تجنب الأسئلة النظريَّة والعمليَّة في هذا الشأن. والحقيقة أن الجدل حول موضوع أفلمة الأعمال الأدبيَّة (والنثريَّة عمومًا) يعود إلى بدايات تأسيس النَّظرية والممارسة السِّينمائيتين؛ فعلى سبيل المثال تصوَّر بيلا بُلاج Bela Balazs أن الأعمال الأدبيَّة المؤهَّلة للأفلمة هي الأعمال «المتواضعة» (18)، غير أن تحديد ما إذا كان عمل أدبي ما «متواضعًا» أو غير ذلك يبقى من مهمات النَّقد والتَّأويل، وفي حالات غير قليلة، هو حكم الزَّمن والتَّاريخ.

ومع ذلك فإنه لو كان بُلاج لا يزال بين ظهرانينا اليوم فإن من المؤكد أنه سيستطيع بثقة الإشارة إلى الاقتباس السِّينمائي الذي أجراه ستانلي كوبرِك Stanley Kubrick لرواية ستيفن كنج Stephen King «البريق» بنفس العنوان (1980) بوصفه مثالا يؤكد صحَّة محاججته بكفاءة واقتدار؛ فمن دون التدخُّل في حقوق التَّاريخ بوصفه ناقدا إنْ في الوقت الرَّاهن أو في المستقبل، فإنه من الإنصاف القول، من وجهة نظر هذا الكاتب، بأن رواية كنج تنتمي إلى كتب التَّشويق الشَّعبي، والإثارة العامَّة، وقائمة «أكثر الكتب مبيعًا» (best sellers) من تلك التي تجدها على رفِّ الكتب في محلات السوبرماركت، أكثر مما تنتمي إلى أعمال الأدب العظيم، والعميق، والأصيل (19). غير أن عبقريَّة كوبرِك السينمائيَّة قد انتشلتها من تلك الخانة وذلك بتجاوز «الرُّعب» المجَّاني والخارجي المصوَّر في الرِّواية لتكتسي مَشكلات فلسفيَّة وأبعادا وجوديَّة على الشَّاشة. لقد عُرِفَ كوبرِك بشغفه الدؤوب والمثابر طوال رحلته السينمائيَّة المُقِلَّة بسؤال العنف في الحضارة والتَّاريخ، ولدى الأشخاص في المجتمع (العنف الجمعي والعنف الفردي)، ولذلك فقد جاءت مساهمته في كتابة سيناريو «البريق» (بالاشتراك مع دايان جونسُن Diane Johnson) وإخراجه هذا الفيلم متَّسقا مع ثيمة أعماله الكاملة. ومن هنا فإن «الرُّعب» الذي نشاهده في «البريق» نابع من رؤيته وليس من رؤية كنج. لكني أفترض بقدر لا بأس به من اليقين أنه لن يكون لدى بُلاج إلا القليل جدًا ليقوله عن الاقتباس السينمائي الذي أجراه فرِد هينز Fred Hains لرواية هِرْمَن هِسِّه Herman Hesse «ذئب البوادي» (1976)؛ فلا الرِّواية ولا الفيلم المقتبس منها «متواضع» (من وجهة نظر هذا الكاتب على الأقل). أما عمل جويس «الأموات» فلا أظنني بحاجة لاقتباس أي مصدر لمحاججة أو توكيد أنه ليس من النَّوع «المتواضع». لذا من الواضح أن محاججة بُلاج لا تخلو من مشاكل تدفعني لاستكشاف وجهات نظر أخرى حول موضوع الاقتباس السِّينمائي للعمل الأدبي.

ومن وجهات النظر الأخرى تلك التي يعتنقها سيغيفريد كراكاوَر Siegfried Kracauer، الذي بسبب من واقعيَّته السياسيَّة اليساريَّة (غالبًا ما يُقرَن بمدرسة فرانكفورت للنَّظريَّة النَّقديَّة)، يرى أن الاقتباس السِّينمائي للأدب ممكن فقط حين يكون المضمون الرِّوائي ضارب الجذور في «الواقع الموضوعي» وليس في «التجربة العقليَّة أو الروحيَّة». (20) لكني أرى أن المشكلة مع هذا المعيار فلسفيَّة؛ لأن الخط الذي يرسمه كراكاوَر بين «الواقع الموضوعي» و»التجربة العقليَّة أو الروحيَّة» تتجلى غشاوته في «الواقع» نفسه؛ في سيلانه غير المتوقَّع، وفي تجسيداته المتنوِّعة، وتحوُّلاته المختلفة. ونصُّ جويس «الأموات» يشكِّل تحديًّا لهذا المنظور لجهة أنه، من ناحية، ضارب الجذور حقَّاً في «الواقع الموضوعي»، ولكن تلك ليست إلا نقطةَ مغادرةٍ فحسب؛ وذلك لأنه، من ناحية أخرى، يخترق في نهاية المطاف العالم الرُّوحي بأعمق وأبعد ما يمكن تصوُّره.

ومهما يكن من أمر، فإن التميِّيز الذي يقيمه كراكاوَر بين «الواقع الموضوعي» و»التجربة العقليَّة أو الروحيَّة» يقودنا (إن لم يُعِدْنا) إلى سؤال صلاحيَّة (أو لاصلاحيَّة) عمل أدبيٍّ ما للاقتباس السِّينمائي، حيث ينبغي، ضمن أشياء أخرى، التَّفكُّر في التَّحويل المقنِع لما هو مكتوب وجامد إلى محتوى بصريٍّ ناطق ومتحرِّك. وتمكن ملاحظة هذه الصُّعوبة أكثر ما يمكن ملاحظتها في اقتباس أعمال أدبيَّة ثريَّة بصورة خاصَّة من ذلك النوع الذي يتعذَّر أو يستشكل فيه فصل الشَّكل عن المضمون، أو المظهر عن الجوهر، حيث أن من بين الصُّعوبات الأساس اختلاف الحقل التَّعبيري؛ أي مهمَّة التَّحويل النَّوعي للمضمون الُّلغوي المقروء إلى مضمون بصري أو مرئي، وخاصة حين يتعلق الأمر بالنُّصوص الأدبيَّة الثريَّة حيث الصُّورة والتَّركيب الكتابيَّان يتشكلان غابة لانهائيَّة من الإيحاءات والدَّلالات.

تتواصل أرقام الحواشي من الحلقات السابقة:

(16): Daniel R. Schwarz, Introduction: Biographical and Historical Contexts in James Joyce--The Dead: Complete Authoritative Text With Biographical and Historical Contexts, Critical History, and Essays from Five Contemporary Critical Perspectives, ed., Daniel R. Schwarz (New York: Bedford Books of St. Martin’s Press, 1994), 11.

(17): Timothy Corrigan, Film and Literature: An Introduction and Reader, 2nd ed., (London: Routledge, 2012), 1.

(18): اقتبس في:

J. Dudley Andrew, The Major Film Theories: An Introduction (London: Oxford University Press, 1976), 88.

(19): تذهب باتريشا هولت Patricia Holt إلى أن «ثمانين بالمائة من الكتب المصنَّفة «الأكثر مبيعاً» (best sellers) قد اقتُبست إلى الشاشة». انظر:

Timothy Corrigan, Film and Literature: An Introduction and Reader, 2.

(20): اقتبس في:

J. Dudley Andrew, The Major Film Theories: An Introduction, 121.

عبدالله حبيب كاتب وشاعر عماني