رأي عُمان

عُمان.. ودورها الحضاري في السلام

 
تساءل الكثيرون خلال الأيام الماضية عن المكاسب السياسية التي تحققها سلطنة عمان بالتوسط للإفراج عن مواطنين غربيين أو إيرانيين«المتحفظ عليهم» في سجون تلك البلدان، خاصة مع نجاح سلطنة عمان في الإفراج عن عدد منهم خلال الأيام الماضية.

إن الأمر أكبر بكثير من أن ننظر إليه من زاوية المكاسب السياسية الآنية، رغم أنها موجودة حقا إذا ما تطرقنا إلى موضوع القوة الناعمة التي اكتسبتها سلطنة عمان خلال السنوات الماضية.

لكن من قال إن «الوساطة» لا بدّ أن تحقق مكاسب لحظية، فعبر التاريخ كان هناك من يقوم على الدوام بدور الوسيط بين الفرقاء، وبين الدول المتحاربة، ومكسب هذا الوسيط يتمثل دائما في أنه يمتلك قوة احترام الآخرين له، وتقديرهم لجهوده وقوته الناعمة. وهذا في حد ذاته قوة لا يمكن الاستهانة بها، خاصة عندما تكون في منطقة متوترة.

إن منطقة الشرق الأوسط تحتاج، دائما، لوجود دولة مثل سلطنة عمان قادرة على نزع فتيل الحروب والقيام بوساطات معقدة في ظل بيئة جيوسياسية صعبة.

وما كان لسلطنة عُمان أن تنجح في مثل هذه المساعي لو لم تكن مستقرة من الداخل، وتعيش في وئام وسلام مع الآخرين من حولها. فلا يمكن أن تكون وسيطا ناجحا إذا كنت وحدك تعيش في توترات سياسية وخلافات مع الآخرين. وهذا في حد ذاته مكسب كبير حينما يعرفك الآخرون بأنك وسيط سلام تمتلك كل الميزات التي تساعدك على النجاح.

والوساطات الناجحة التي تقوم بها سلطنة عمان ليست مصادفات عابرة، فهي تعبر عن قوة دبلوماسية وفكر سياسي ومهارة في التفاوض إضافة إلى أن كل الأطراف تبقى في حاجة دائمة لك.

لا يمكن أن ننسى أيضا، في هذا السياق الجانب الحضاري الذي تنطلق معه سلطنة عمان وهي تقوم بكل هذه الأدوار التقريبية بين الفرقاء في المنطقة، فسلطنة عُمان إن لم تكن أقدم كيان سياسي ما زال قائما في المنطقة فهي بحق بين أقدم تلك الكيانات وهذا يحملها مسؤولية تاريخية فهي الأقدر على فهم كل المتغيرات التي تحدث في الإقليم ومساراتها وهذا يجعلك تملك أفكارا جديرة بالطرح على الجميع لتجاوز التحديات، فتتجنب الأخطار التي متى ما وقعت، لا قدر الله، ستجعلنا ضمن ضحاياها،.

لذلك فإن نجاحات الدبلوماسية العمانية جديرة أن تجعلنا نشعر معها بالفخر ولأسباب كثيرة جدا ربما أهمها أننا نضمن بقاءنا بعيدا عن الأخطار، التي من بينها الحروب الطاحنة، وسواء كنت في قلب الحروب أو إلى جوارك فأنت لا تأمن على نفسك من تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة.

ولا يمكن أن نقلل من أهمية نظرة العالم إلى سلطنة عمان حينما يتحدث الجميع عنها بأنها دولة السلام والأمن والاستقرار فهذا النظر في حد ذاته قوة لبلدنا لأن الأمن والسلام والاستقرار لا يأتي من ضعف ولكن يأتي، بالضرورة، من القوة وبكل معاني القوة أيضا.

وفي هذا الأمر دروس للآخرين بأن ينظروا إلى دور الحلول السلمية في نزع فتيل الخلافات والحروب، والعالم في أشد الحاجة في هذا التوقيت بالذات إلى مثل هذه الأفكار وهذه الدروس ليعيش في أمن وسلام في لحظة متقلبة جدا من لحظات التاريخ.

وحينما ننظر إلى منطقة الشرق الوسط وما يحيط بها من تقلبات ومن اضطرابات كبرى فلا يمكن إلا أن ننظر بكثير من الإكبار للدور الذي تضطلع به سلطنة عمان حتى لو اختارت بلدان دائما ألا تكبر الدور، الكبير فعلا، الذي تقوم به، وتعتبر جهدها واجبا عليها بحكم التاريخ والحضارة.