المحراب الذي أهمله الزوار
الاحد / 7 / ذو القعدة / 1444 هـ - 18:38 - الاحد 28 مايو 2023 18:38
في عام 1252م أي في عام 650 هـ احتشد الناس في نزوى وتحديدا في جامع سعال وهم يشاهدون ذلك الفنان والنحات العماني الرائع الذي ينهي لمساته النهائية في أجمل محراب قديم في الخليج العربي ليخط فيه صاحب فكرة المحراب والذي تكفل بكل ما تحتاجه هذه التحفة الفنية الآسرة فوثق تاريخ النقش الذي يشير إلى ربيع الثاني سنة 650هـ وكتب ختاما:
«مما أمر بعمله العبد الراجي رحمة ربه أحمد بن إبراهيم بن محمد السعالي»، وحينما نقول السعالي فهذا نسبة إلى حارة سعال التي تشتهر في تاريخ نزوى بإقامة الكثير من العلماء فيها وتضم بين جنباتها قبر الإمام الصلت بن مالك الخروصي الذي بدأ حكمه عام 237 هـ.
ويجب أن يعرف القارئ من خارج عُمان أن الإمام هو لقب حاكم عُمان في تلك الفترة والذي وصل للحكم عن طريق اجتماع وترشيح أهل الحل والعقد فقط والمكون من كبار الفقهاء لاختيار من يمثلهم في حكم البلاد.
وعودة لهذا المحراب الذي يعود عمره لأكثر من 800 سنة، فقد ظل صامدا شاهدا على براعة النحات العماني الذي يتميز بذوق رفيع وإحساس مرهف ظهر جليا كالشمس في هذا المحراب المليء بالآيات القرآنية المكتوبة بالخط الكوفي والزخارف المشجرة التي لا ترى لها مثيلا في المنطقة كمحراب مزخرف تم بناؤه عام 1252م.
ويشير بعض الباحثين إلى أن ناقش المحراب قد تأثر بالنقوش الإسلامية التي ظهرت في عهد الدولة الفاطمية والذي تجلى في بعض مساجد اليمن الشقيق ليندمج هذا الفنان العماني مع كل الفنون البديعة التي تركها أصحابها في كل محراب وضعوا به لمساتهم.
حينما وقفت أول مرة أمام محراب جامع سعال في مدينتي العزيزة نزوى أصبت بالذهول والقشعريرة لدقة ما صنعه النحات في هذه التحفة الفنية، كنت أتساءل ما هذه المقدرة الدقيقة جدا التي استطاع من خلالها أن يصنع محرابه هكذا؟!
وهل كان يتخيل لحظتها وهو ينهي توقيعه بالمحراب بأن أجيالا وأجيالا بعد عدة قرون سيقفون أمام ما صنعته يداه وقلبه، يتأملونه بكل دهشة؟!
لقد صنعه بروحه التي كانت مليئة بالسلام والاطمئنان والحب والإبداع، فلا يمكن أن يصنع هذا المحراب إلا فنان عظيم يملؤه السلام الإلهي، وهائم في حب الله بطريقته التي نراها ماثلة في الجامع. هذا الجامع الذي صلى فيه العديد من حكام عُمان والذي تم ترميمه من قبل وزارة التراث والسياحة أصبح اليوم من أهم الوجهات السياحية التي من المفترض أن تستقطب آلاف الزوار لمشاهدة تحفة تعد من أقدم وأندر المحاريب المزخرفة في سلطنة عمان. نعم جامع سعال يقع داخل حارة سعال الضيقة التي لا يعرفها الكثير ولكنها هي الحارة المقابلة لسوق نزوى وقلعتها وكأنها الوجه الآخر لذات العملة الأثرية الجميلة.
وهنا أسجل عتبي على الجهات المعنية من شركات ومؤسسات رسمية وأفراد في عدم اهتمامهم بوضع محراب جامع سعال من الوجهات المهمة، وهو مما يجب أن يصبح معلما يستحق الزيارة لمشاهدة عمق الفنان العماني النحات من خلال روعة المحراب.
كما أنني أدعو كل فنان عماني مختص بالنحت خاصة أن يتوجه إلى محراب جامع سعال ليطلع على إرث أجداده وفنهم الذي يفوق جماله كل الكلمات التي أخطها هنا.
كل من يشاهد المحراب سيشعر كم أن العماني صاحب ذوق رفيع وفنان عالمي من الطراز النادر، وكأنك في هذا المحراب ستندمج مع زخارفه لتسافر في خيالك نحو جنبات جامع قرطبة بالأندلس في مجد حضارة المسلمين، أو في إحدى جنبات زخارف الجامع الأزهر في مصر بعهد الفاطميين، أو كأنك تنتقل عبر الزمن نحو جامع دمشق في عهد الأمويين.
عزيزي القارئ، حاول أن تخصص وقتك لزيارة جامع سعال لتستمتع جدا وتتأمل جيدا كل تفاصيل زخارف محرابه، وبعدها أغمض عينيك وتخيل كيف كان واقفا ذلك الفنان العظيم مبتسما بكل حب وهو يختتم لمساته الأخيرة ليصنع لنا أجمل محراب عماني قديم تشاهده في حياتك، تخيل كيف كان شعور المصلين الذين أحاطوا به مع حاكم عُمان لحظتها وهم في قمة سعادتهم مفتخرين جدا بمنجز بطلهم وبأن زخارفه بالمحراب كانت ككلمة الحمد لله تعبيرا لحبهم لله الرحيم، تخيل كم كان سعيدا هذا النحات للغاية وكم كان أولاده يفتخرون به أمام أصدقائهم وكيف أن امرأته أخبرته بأنها فخورة جدا به كزوج وأب وفنان موهوب يعتبره أهالي نزوى وخاصة أهالي حارتهم سعال بأنه النحات الأفضل في زمانهم، وهو كذلك بالفعل، والدليل ستراه بأم عينيك أيها القارئ حينما تأتي لزيارته.
ومن هنا أقترح على الجهات المعنية بوضع أسهم توضيحية بالطريق لإيصال كل راغب لجامع سعال، كما أدعو شباب نزوى بتخصيص عربات الجولف كالمستخدمة بحارة العقر لتسهيل ونقل الضيوف الكرام لجامع سعال، والذي يصلي فيه الناس حتى يومنا هذا.
نصر البوسعيدي كاتب عماني
«مما أمر بعمله العبد الراجي رحمة ربه أحمد بن إبراهيم بن محمد السعالي»، وحينما نقول السعالي فهذا نسبة إلى حارة سعال التي تشتهر في تاريخ نزوى بإقامة الكثير من العلماء فيها وتضم بين جنباتها قبر الإمام الصلت بن مالك الخروصي الذي بدأ حكمه عام 237 هـ.
ويجب أن يعرف القارئ من خارج عُمان أن الإمام هو لقب حاكم عُمان في تلك الفترة والذي وصل للحكم عن طريق اجتماع وترشيح أهل الحل والعقد فقط والمكون من كبار الفقهاء لاختيار من يمثلهم في حكم البلاد.
وعودة لهذا المحراب الذي يعود عمره لأكثر من 800 سنة، فقد ظل صامدا شاهدا على براعة النحات العماني الذي يتميز بذوق رفيع وإحساس مرهف ظهر جليا كالشمس في هذا المحراب المليء بالآيات القرآنية المكتوبة بالخط الكوفي والزخارف المشجرة التي لا ترى لها مثيلا في المنطقة كمحراب مزخرف تم بناؤه عام 1252م.
ويشير بعض الباحثين إلى أن ناقش المحراب قد تأثر بالنقوش الإسلامية التي ظهرت في عهد الدولة الفاطمية والذي تجلى في بعض مساجد اليمن الشقيق ليندمج هذا الفنان العماني مع كل الفنون البديعة التي تركها أصحابها في كل محراب وضعوا به لمساتهم.
حينما وقفت أول مرة أمام محراب جامع سعال في مدينتي العزيزة نزوى أصبت بالذهول والقشعريرة لدقة ما صنعه النحات في هذه التحفة الفنية، كنت أتساءل ما هذه المقدرة الدقيقة جدا التي استطاع من خلالها أن يصنع محرابه هكذا؟!
وهل كان يتخيل لحظتها وهو ينهي توقيعه بالمحراب بأن أجيالا وأجيالا بعد عدة قرون سيقفون أمام ما صنعته يداه وقلبه، يتأملونه بكل دهشة؟!
لقد صنعه بروحه التي كانت مليئة بالسلام والاطمئنان والحب والإبداع، فلا يمكن أن يصنع هذا المحراب إلا فنان عظيم يملؤه السلام الإلهي، وهائم في حب الله بطريقته التي نراها ماثلة في الجامع. هذا الجامع الذي صلى فيه العديد من حكام عُمان والذي تم ترميمه من قبل وزارة التراث والسياحة أصبح اليوم من أهم الوجهات السياحية التي من المفترض أن تستقطب آلاف الزوار لمشاهدة تحفة تعد من أقدم وأندر المحاريب المزخرفة في سلطنة عمان. نعم جامع سعال يقع داخل حارة سعال الضيقة التي لا يعرفها الكثير ولكنها هي الحارة المقابلة لسوق نزوى وقلعتها وكأنها الوجه الآخر لذات العملة الأثرية الجميلة.
وهنا أسجل عتبي على الجهات المعنية من شركات ومؤسسات رسمية وأفراد في عدم اهتمامهم بوضع محراب جامع سعال من الوجهات المهمة، وهو مما يجب أن يصبح معلما يستحق الزيارة لمشاهدة عمق الفنان العماني النحات من خلال روعة المحراب.
كما أنني أدعو كل فنان عماني مختص بالنحت خاصة أن يتوجه إلى محراب جامع سعال ليطلع على إرث أجداده وفنهم الذي يفوق جماله كل الكلمات التي أخطها هنا.
كل من يشاهد المحراب سيشعر كم أن العماني صاحب ذوق رفيع وفنان عالمي من الطراز النادر، وكأنك في هذا المحراب ستندمج مع زخارفه لتسافر في خيالك نحو جنبات جامع قرطبة بالأندلس في مجد حضارة المسلمين، أو في إحدى جنبات زخارف الجامع الأزهر في مصر بعهد الفاطميين، أو كأنك تنتقل عبر الزمن نحو جامع دمشق في عهد الأمويين.
عزيزي القارئ، حاول أن تخصص وقتك لزيارة جامع سعال لتستمتع جدا وتتأمل جيدا كل تفاصيل زخارف محرابه، وبعدها أغمض عينيك وتخيل كيف كان واقفا ذلك الفنان العظيم مبتسما بكل حب وهو يختتم لمساته الأخيرة ليصنع لنا أجمل محراب عماني قديم تشاهده في حياتك، تخيل كيف كان شعور المصلين الذين أحاطوا به مع حاكم عُمان لحظتها وهم في قمة سعادتهم مفتخرين جدا بمنجز بطلهم وبأن زخارفه بالمحراب كانت ككلمة الحمد لله تعبيرا لحبهم لله الرحيم، تخيل كم كان سعيدا هذا النحات للغاية وكم كان أولاده يفتخرون به أمام أصدقائهم وكيف أن امرأته أخبرته بأنها فخورة جدا به كزوج وأب وفنان موهوب يعتبره أهالي نزوى وخاصة أهالي حارتهم سعال بأنه النحات الأفضل في زمانهم، وهو كذلك بالفعل، والدليل ستراه بأم عينيك أيها القارئ حينما تأتي لزيارته.
ومن هنا أقترح على الجهات المعنية بوضع أسهم توضيحية بالطريق لإيصال كل راغب لجامع سعال، كما أدعو شباب نزوى بتخصيص عربات الجولف كالمستخدمة بحارة العقر لتسهيل ونقل الضيوف الكرام لجامع سعال، والذي يصلي فيه الناس حتى يومنا هذا.
نصر البوسعيدي كاتب عماني