ثقافة

زهران القاسمي: الموروث الشعبي متاح للجميع والمشكلة في كيفية الاستفادة منه بشكل لا يوقعنا في التكرارية أو في المجانية

غدا.. الإعلان عن الفائز بجائزة البوكر العربية 2023

 
- لا يكفي المرء عمرا لكي يعرف العراق وكنوزه

- في أعمالي السردية منذ «جبل الشوع» وحتى «تغريبة القافر» كان المشهد الافتتاحي هو آخر ما أكتبه في العمل

- كتبت المشاعر بلغة أقرب للشعر ولكنها أيضا قريبة من البيئة حتى أشعر القارئ بارتباط ما يحدث في العمل

- من حق الشخصية داخل العمل السردي أن تنطق بلغتها المحلية حتى تكون حية وحقيقية

يعلن مساء الغد في العاصمة الإماراتية أبوظبي عن الرواية الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر» لعام 2023، وتضم الجائزة في قائمتها القصيرة التي أعلنت في الأول من مارس 2023 رواية «تغريبة القافر» للكاتب والشاعر العُماني زهران القاسمي، و«كونشيرتو قورينا إدواردو» لليبية نجوى بن شتوان، و«أيام الشمس المشرقة» للمصرية ميرال الطحاوي، و«مُنّا» للجزائري الصديق حاج أحمد، و«حجر السعادة» للعراقي أزهر جرجيس، و«الأفق الأعلى» للسعودية فاطمة عبد الحميد.

وتتميز روايات القائمة القصيرة كما وصفها محمد الأشعري رئيس لجنة التحكيم بتنوع كبير في المضامين، فمن تفسخ مجتمع ما بعد الحرب والصراعات الطائفية، ووقوع عبء هذا التفسخ على الطفولة وعلى البسطاء من الناس، كما في رواية «حجر السعادة»، إلى أسطورة الماء وتجلياتها في ذاكرة الناس ومخيالهم الجماعي كما في رواية «تغريبة القافر».

وفي الساعات القليلة الفاصلة عن موعد الإعلان عن الفائز، نتوقف مع القناص ونحن نقف في أعلى قمة من جبل الشوع، وفيما نأكل العسل نتحدث عن تغريبة القافر، آملين أن تكون البوكر عمانية هذه الليلة..

• كيف تقضي هذه الفترة من حياتك؟ أقصد إلى حين إعلان النتائج يبدو أنك قضيت وقتا رائعا في العراق!

هناك الكثير من المشاريع القرائية، والكثير من الكتب والأفلام، أحاول الاسترخاء كثيرا خصوصا عندما أكون بالقرية، أقضي وقت المساء في المشي بين الجبال كعادتي وأقضي بعض ما يتبقى من الليل في مشاهدة فيلم سينمائي، وبين هذا وذاك عادة يكون هناك كتاب للقراءة.

كانت تجربة الذهاب إلى العراق ومشاركتي في مهرجان بابل للثقافات مثرية على الرغم من قصر الوقت، ولكوني أذهب إليها لأول مرة فكنت أحاول اكتشاف البلد وطبيعة الناس وثقافتهم، وفي الحقيقة لا يكفي المرء عمرا لكي يعرف العراق وكنوزه.

تعرفت على بعض الكتاب والأدباء، رأيت الناس عن قرب وهم يعيشون حياتهم بشكل طبيعي، البلد تتعافى تدريجيا وأعجبني حب الحياة في أهلها وقدرتهم على تجاوز كل ما مر بهم.

• ما أول ما ستقوم بفعله إذا فزت بالبوكر؟

كنت أتمنى أن أغلق هاتفي وأدخل عميقا في الجبال لكي أشعر بالهدوء والسكينة، لكن ذلك محال طبعا، سوف أرسل رسالة لزوجتي وأطفالي وأخبرهم بالخبر.

• هل تعمدت اختيار المشهد الافتتاحي وحدثه المدوي بهذه الطريقة مسبقا أو أنه جاء هكذا كما أملته عليك لحظة الكتابة؟ بمعنى هل تخطط طويلا لافتتاحيات روايتك؟

في أعمالي السردية منذ جبل الشوع وحتى تغريبة القافر كان المشهد الافتتاحي هو آخر ما أكتبه في العمل، هناك أعمال بدأت بكتابة الفصل الأخير فيها وهناك أعمال بدأتها من الوسط، ولكني لا أعتمد على مخطط واضح، يكفي أن الفكرة العامة مرسومة في رأسي وأستطيع أن أغير وأبدل فيها كيفما أشاء، بعد انتهاء العمل أحاول أن أرتبه وأكتشف أخطاءه.

• تحتفي روايتك بالغرائبية، وهذا عالم ساحر جدا وآسر، ألم تخف أن تكرر حكايات ربما تكون معروفة في الموروث الشعبي؟

المشكلة ليست في تكرار الحكايات المعروفة في الموروث الشعبي، فالموروث متاح للجميع لكي ينهل منه حسب حاجته، ولكن المشكلة كيف نستطيع أن نستفيد من هذا الموروث بشكل لا يوقعنا في التكرارية أو في المجانية، وأنا أعتقد أن النص الروائي الذي كتبته خال تماما من الغرائبية بل هو واقعي تماما، وأن الغرائبية فيه جاءت على لسان الشخصيات وهو يعني ثقافتها في زمن القص. لكن عندما نعود إلى أصل الحكاية سنجد إمكانية حدوثها في أي مكان بكل احتمالاتها.

• في روايتك يتساوى الحب والطبيعة، فهما يحركان بعضهما ويحددان مصائر الشخصيات، هل نستطيع القول: إن حب الطبيعة لدى زهران كان مرآة له في كتابة طبيعة الحب إذ حتى في صورك عن الحب تشبهه بأفعال الطبيعة؟

لدي قناعة بأن الطبيعة تلعب دورا كبيرا في تكوين شخصية الإنسان، فعندما نعود إلى الحالة النفسية للإنسان العماني الذي يعيش في القرية سنجد أنه يركن إلى الهدوء والبساطة ومع ذلك نجد أنه أيضا متطرف في الحب والكراهية لأن البيئة المحيطة به قد شكلته على هذه الحال، فالجبال الصامتة والتي تمتص كل الأصوات وتشعرك بالسكينة والهدوء، هي أيضا قاسية وصلبة وعالية وتحتاج إلى جهد لرقيها ولمعرفة ما فيها، ينطبق ذلك على البشر الذين يعيشون فيها، فهم يفرقون تماما عن البشر الذين ولدوا في المدينة أو الصحراء أو في القرى الساحلية.

كنت أتعمد كتابة المشاعر بلغة أقرب للشعر ولكنها أيضا قريبة من البيئة حتى أشعر القارئ أن كل ما يحدث في هذا العمل مرتبط ببعضه البعض، فالحب هو انبجاس الماء من قلب الحجر مثلا، وأن لكل شخص ماءه الذي يرويه وهكذا.

• توظف لغة سينمائية في وصف المشاهد الروائية، فنحن نرى ونسمع ونلمس ونشم من خلال لغتك، ألا تعتقد أنها رواية جاهزة لتتحول إلى فيلم سينمائي؟

أنا أقضي وقتا كثيرا في متابعة الأفلام السينمائية لدرجة أنني صرت أركز على الكاميرا وزواياها وماذا تأخذ من الملامح والحركات، ولأن العمل السينمائي هو في حقيقته عمل سردي وقد وضع له سيناريو وتصور لإخراجه بطريقة بصرية فإن ذلك الترابط الشديد بين السينما والرواية صار قريب جدا ولا يمكن فصله، وعندما نعود إلى كثير من الروايات في العالم هذا الوقت سنجدها تعتمد على الصورة الوصفية وكأن هناك كاميرا تصور المشهد كتابيا.

• أنت لا تتهيب استخدام اللهجة العامية في حوارات الشخصيات، وأنت اليوم مقروء عربيا، ألم تخف من حاجز اللهجة في الوصول إلى القارئ غير العماني؟

العجيب في الأمر أنه في كثير من الحوارات التي كتبتها كان المحاور يتطرق إلى هذه النقطة وعندما عدت إلى الروايات الموجودة بالقائمة القصيرة كان معظمها يكتب حوار الشخصيات باللغة المحلية للمكان، فلماذا ينظر لأعمالنا بهذه الغرابة عندما نقترب من لغة الشخصيات بينما في الأعمال المصرية مثلا نجد أنها عادية وطبيعية ومقبولة.

على الرغم من ذلك حاولت جاهدا في تغريبة القافر تخفيف الحوار حتى يبقى مفهوما لدى القراء العرب أو أن يفهم من سياق الكلام.

أعتقد بأن من حق الشخصية داخل العمل السردي أن تنطق بلغتها الأم، بلغتها المحلية حتى تكون حية وحقيقية.

• هل يمنح الراوي العليم مساحة آمنة لزهران للتعبير عن المكان الخاص والشخصيات المختلفة، أو تراه ضرورة فنية تفرضها الرواية نفسها؟

اعتقد أن العمل يفرض صوته الخاص، ففي رواية القناص كان هناك صوتان، الراوي العليم وضمير المتكلم، لأن الضرورة كانت تحتاج إلى ذلك، في تغريبة القافر مثلا جعلت الراوي قريبا من الشخصيات وكأنه قروي يتحدث من داخل الرواية، فهو وإن كان راو عليم إلا أنه لم يخرج بتاتا من بيئة وزمن العمل.

• تشد القارئ في هذه الرواية معاني العطش وتأويلاته المختلفة، وهذا موضوع جلي في اشتغالات زهران القاسمي بتنويعاتها. هل نستطيع القول: إن العطش هو السر المحرض للحكاية كما هو السر وراء البحث عن الحياة؟

ليس العطش فقط إنما أيضا الوفرة، كان العمل مرتكزا على الماء، فللماء حالاته المختلفة التي تلعب دورا كبيرا في استقرار الإنسان من تشتته وموته، كان العطش جزءا مهما من ذلك لكي تخرج هذه الشخصية من عالمها الخاص لتكون شخصية معروفة.

كان الماء يتلاعب بمصائر البشر في العمل كما يتلاعب بمصائرهم في الواقع، فالماء مورد من موارد الطبيعة يحب استغلاله على الوجه الأمثل، وكما ندرك تماما أن العالم يواجه مشكلة وأزمة مائية قد تنتج منها حروب كبيرة، وكما نعلم أيضا أن الماء هو مادة للحياة وهو مادة قد تسبب الهلاك والموت.

•أخيرا.. هل هناك مشروع قادم يلوح في الأفق؟

كنت قد بدأت في مشروع روائي جديد لكني توقفت بسبب وجود روايتي في هذه الجائزة وقررت تأجيل العمل حتى ينتهي هذا الموضوع.