محمد عبدالنبي: الرواية حفل خاص لا يجوز أن يدخله إلَّا من يحمل بطاقة دعوة
يرى أن الكتابة هي محاولة للنجاة
الثلاثاء / 4 / شوال / 1444 هـ - 20:35 - الثلاثاء 25 أبريل 2023 20:35
اعتمدت على حياتي الشخصية في مواضع كثيرة من روايتي «كل يوم تقريبا»
أنا غير مولَع للغاية بالمكان وأميل أكثر لمركزية الإنسان أو الشخصية المتخيلة
لا حاجة لنا لتجاوز نجيب محفوظ لأنه خارج المنافسة
الجوائز والاستقبال النقدي والمقروئية أشياء جميلة ولكنها مصدر لوجع الرأس
القصة تشعرني بأنني في بيتي ولا أكتب الرواية إلَّا مُضطرًا
هناك إنتاج روائي عربي غزير من مدارس متنوعة لدرجة تبعث على الدوار
يعد محمد عبدالنبي أحد الكتاب المتميزين في المشهد الأدبي المصري، وقد أصدر عددًا كبيرًا من المجموعات القصصية والروايات التي حصلت على جوائز وتقدير نقدي كبير ومنها «وردة الخونة»، «بعد أن يخرج الأمير للصيد»، «شبح أنطون تشيخوف»، «كما يذهب السيل بقرية نائمة»، «كان يا مكان»، «بعد أن يخرج الأمير للصيد»، «رجوع الشيخ»، «في غرفة العنكبوت»، وكذلك أصدر كتابا» حول فكرة الأدب بشكل عام هو «في غرفة الكتابة». كما أصدر محمد عبدالنبي مؤخرًا روايته الجديدة «كل يوم تقريبا» عارضًا لحياة بطل كاتب يسعى إلى النجاة بنفسه من عنف الواقع منتقلًا من مكان إلى مكان ومن صداقة إلى صداقة ومن علاقة إلى علاقة.
في هذا الحوار يتحدث محمد عبدالنبي عن بطله وعن نفسه وعن التشابه بينهما، وكذلك عن المشهد الأدبي العربي.
قرأتُ «كل يوم تقريبًا» باعتبارها رواية عن نجاة الفرد بنفسه في قارب بعيدًا عن مآسي الواقع.. وهذا تفسير قدمته الرواية نفسها، وأنت باعتبارك قارئًا لا كاتبًا هل تراها عملًا عن النجاة أم السجن الكبير للإنسان؟
قد يكون هذا صحيحًا، وقد تكون الكتابة نفسها هي محاولة للنجاة، أو محاولة لرؤية سُبل النجاة، ومدى نجاحها أو إخفاقها. أيًا كان ما يخرج به القارئ من الرواية، سواء شعرَ أنها عن النجاة أو شعر أنَّ النجاة مستحيلة داخل أسوار السِجن أو أي تأويل آخَر، سيكون هذا المعنى من إنتاجه هو في تفاعله مع الرواية التي لا أظن أنها تعطي كلمة نهائية بهذا الخصوص.
لماذا كنت مهتمًا بتسجيل وقائع حقيقية في العمل مثل أحداث صراع طلبة الأزهر والأمن على خلفية نشر رواية الكاتب السوري حيدر حيدر «وليمة لأعشاب البحر»؟ ما الذي يقدمه التوثيق لعمل فني؟
هذا أمر حدث بالمصادفة، كنتُ قد سجّلت بعض ملاحظات عن تلك الواقعة القديمة لسببٍ ما، ربما للاستعانة بها إذا أردت الكتابة عنها ذات يوم. واستخدمت تلك الملاحظات والقصاصات بالفعل ذات مرة في كتابة شهادة عن حياتي الجامعية في جامعة الأزهر، خلال أواخر تسعينيات القرن الماضي، في عدد من مجلة «أمكنة» التي يشرف عليها الشاعر والروائي المصري علاء خالد، كان مخصصًا لحياة الجامعة. لا أظن أنَّ التوثيق في حد ذاته قيمة مضافة لأي عمل فني، لكني مفتون بشكل شخصي بفكرة الكولاج الذي قد يتجاور فيه الذاتي والشخصي إلى جانب العام والموضوعي، أو الخطاب الرسمي والوثائق إلى جانب جموح الشِعر والتخييل. كانت أحداث الوليمة مناسبة للغاية من ناحية توفر مادتها تحت يدي وإحساسي الشخصي بها وحمولتها الدلالية بالنسبة إلى مجتمع كامل في لحظة بعينها.
أثناء رسمها لشخصية البطل الرئيسي لها فؤاد.. رسمت الرواية أيضًا صورة للعلاقة بين القاهرة والدلتا. هل كان في ذهنك تلك المراوحة في البطولة بين المكان والشخصيات؟
لا أبدًا، لا أعتقد أنني كاتب مكان؛ أي غير مولَع للغاية بالمكان، هو بالطبع عنصر أساسي في اللعبة السردية لكنه ليس مركزيًا عندي، وفي هذه الرواية لا المدينة ولا القرية هي بؤرة السرد أو تدور حولها بقية الخيوط. أظن أنني أميل أكثر لمركزية الإنسان أو الشخصية المتخيلة. لم تشغل القرية في هذه الرواية إلَّا فصلًا واحدا، على ما أذكر، وهو أقرب إلى استدعاء حكايات عائلية لفؤاد، معظمها حدث من قبل أن يولَد هو، لا سبيل للتيقن منها أو من دقة سردها بما أنها تصله بعد عقود من وقوعها، على لسان أم أصبحت ذاكرتها موضع شك. لكنَّ الأساسي، على ما أظن، هو انسلاخ فؤاد من أصوله القروية تدريجيًا، وهو انسلاخ غير اختياري بدأ منذ أن تعلم القراءة والكتابة، وحملته الثقافة إلى نقطةٍ أبعد مرة بعد أخرى، أبعد عن الجذور أو العفوية أو العمل اليدوي والعلاقة المباشرة بالطبيعة. لستُ متأكدًا ولكن أظن أنَّ انتصار الثقافة على الطبيعة هي خسارة لجانب مهم جدًا في داخل كل إنسان.
هل يمكن القول إن المكان وجَّه كثيرًا من تصرفات الشخصيات خاصة ونحن نتحدث عن أماكن فقيرة أو شعبية مثل بهتيم أو الوايلي؟
لا يمكن أن تفصل الشخصية عمومًا عن بيئتها ولحظتها وسياقها، من بين هذا طبعًا الأحياء الشعبية والحياة الفقيرة لأغلب سكّانها، حياة الورش والمصانع والمقاهي الصغيرة والأسواق الشعبية، حياة الجريمة والإدمان والتفكك الأخلاقي، لكنها أيضًا حياة الكفاح والصبر والدأب والحرص على صنع الحياة وتغذيتها واستمرارها. لكن هل تملي علينا الأماكن التي نعيش فيها تصرفاتنا؟ لا أظن هذا، لكنها، شأنها شأن اللحظة التي نعيش فيها من التاريخ الإنساني مثلًا، تسهم بلا شك في تشكيلنا وفي وسمنا أحيانًا بميسمها بما لا يبتعد عن الطبقة الاجتماعية والبيئة المحيطة.
تمتلئ الرواية بكثير من الشرور غير الطبيعية.. هل يمكن تلخيصها في نقمة الشخصيات على الحياة والأهل والفقر؟
مبدئيًا دَعني أتحفّظ قليلًا على كلمة الشرور، الشَر كالخير قيم نسبية ومتغيرة، ومردها أخلاقي أو ديني في أغلب الوقت، يصعب قياسها إلَّا باتخاذ موقف واضح وغالبًا موقف أخلاقي. أظن أنَّ المسألة هي العنف أو القسوة، وهي سمات قد تصبغ ممارسات بعض شخصيات الرواية في بعض الأحيان، وهي في جزء منها اختيار حر تمامًا لا يمكن أن نبرئ فاعلها من مسؤوليته، وفي جزء آخَر منها رد فعل على قسوة وعنف الظروف المحيطة، سواء من فقر أو خلافه. لكن ما أؤمن به الآن، أنَّه ليس بالضرورة أن يولّد العنف عنفًا، ولا أن نرد على أذى العالَم بأن نؤذي الآخرين، يمكن كسر سلسلة العنف بطرق كثيرة، الفن أحد هذه الطرق.
قدمت الرواية كذلك تصورًا عن الجيل التالي للتسعينيين، جيل الألفية الجديدة، المولود غالبًا في السبعينيات والثمانينيات.. هل ترى أن الزمن نفسه له دور في توجيه تصرفات تلك الشخصيات؟
جيل الألفية الجديدة تسمية غريبة قليلًا بالنسبة إليَّ، لا أدري لماذا. التقسيم الجيلي نفسه موضع خلاف، لكن إذا كانت شخصية فؤاد وأصحابه من رفاق السوء هم من مواليد نهاية السبعينيات والثمانينيات، فهم بين التسعينيات وبين الألفية الجديدة عمليًا، رِجل هنا ورِجل هناك، اكتمل نمو وعيهم في التسعينيات عمليًا، بكل ما يحيط ذلك العقد من غموض وركود وتوتر وحيرة، في مصر على الأقل، وفي حدود ما أتذكّر، ومن البديهي أنَّنا أبناء زمننا، بكل ما فيه من حسنات وسيئات، لكن مرة أخرى أميلُ للتأكيد على حرية الفرد في اختياراته، مهما بدا مجرد ألعوبة في أيدي ظروف أيامه، لأنَّ نفس الظروف تنتج طوال الوقت أشخاصًا مختلفين من حيث المواقف.
صورة المثقف جاءت باعتباره الصعلوك، الذي لا يجد مفرًا من السرقة أو الاشتباك بالأيدي، الذي يمكنه العيش حتى على الأرصفة.. هل أقرت الرواية بالصورة النمطية للمثقف؟
لكن هل هذه صورة نمطية للمثقف؟ أو هل هي كذلك الآن على الأقل؟ لا أظن، لعلَّها صورة لأحد أنماط المثقف والفنان، هو المبدع المتمرد المجنون قليلًا، الذي يحاول أن تعكس حياته قناعاته بقدر الإمكان، وأن تكون حياته هي نفسها قطعته الفنية التي يعمل عليها. كان هذا نمطًا موجودًا وفاعلًا في حقب مختلفة وفي دول عديدة، واتخذ أشكالًا مختلفة. هناك بودلير، ثم جان جينيه، وهنري ميلر، وآخرون. لكن بالطبع هناك صور أخرى للمثقف، وكلها أيضًا نمطية، مثل صورة المثقف المنعزل في برجه العاجي، صاحب البيريه والعصا مثل توفيق الحكيم، وهناك المثقف الانتهازي الذي يبيع مواقفه لمن يدفع، وهناك المثقف النجم لامع الوجه بابتسامة بلاستيكية. أقول إنّ كل هذه صور نمطية لأنَّ الشخصية الحقيقية الحية يُفترض بها أن تتجاوز فكرة النمط أو الصورة، سواء اقتربت منه أم ابتعدت عنه، لأنَّ كل إنسان فيه من الأقنعة والأدوار والمستويات ما يهدم أي تصور مسبق عنه.
كان هناك أيضًا المثقفون الآمنون المطمئنون بتعبير فؤاد.. لماذا لم تتقاطع الرواية قليلًا معهم؟
ليس دور الرواية عمومًا أن تفتح أبوابها للجميع، إنها مثل حفل بدعوات خاصة، لا يجوز أن يدخل إليها إلَّا من يحمل بطاقات الدعوة، وهذه البطاقات تحددها احتياجات الرواية الضرورية وخطها الأساسي، لذلك لم يكن من الممكن أن يحضر جميع هؤلاء حتى لو لم تكن حياتهم مملة ومتوقعة، فما من حياة إلَّا وفيها لمسة من السِحر أو لحظة من الجنون.
لجوءك فنيًا إلى حيلة أشباح فؤاد أو أقرانه الذين يحكون عنه أو يسردون من دونه في قصاصاته هل سببها تبرير التنقل الدائم بين الأزمان المختلفة لحياة فؤاد؟
هذا اختيار أتى متأخرًا، في عملية الكتابة، أي بعد كتابة قدر كبير جدًا من المادة الخام للرواية. يعد اختيار نوع الراوي قرارًا مصيريًا في حياة أي رواية، لأنَّ اعتماد الصوت غير المناسب أو النبرة غير المضبوطة من شأنها أن تطيح بالعمل ككل مهما بُذل فيه من جهد. لم أشأ أن يكون فؤاد هو الراوي المتكلم وهو نفسه بطل الرواية لكي أبتعد به أولًا عن إحساس المذكّرات واليوميات التي يفترض أن العمل منطلق منها، ولكي أتخذ ثانيًا مسافة منه يمكن معها رؤيته في أنوار وظلال مختلفة، سواء كان هذا في صالحه أم ضده. لا أرى الصلة بين اعتماد أشباح فؤاد كراوٍ وبين التنقلات الزمنية الكثيرة، لكنهم أقرب إلى شهود صامتين، على حياة صاحبهم، يجدون فجأة الفرصة للتكلم بل والكتابة (كأنهم في ورشة كتابة نص جماعي) عن صاحبهم، وتحديد الصورة التي سيرى نفسه عليها في السطور، لا أدري حتى الآن هل هم أحسنوا استغلال هذه الفرصة أم لا.
الزمن في الرواية يكاد يكون متجمدًا فليس هناك حدث رئيسي يتطور.. ما رأيك؟
لا يوجد حدث رئيسي ولا توجد حكاية مكتملة وبالتالي لا يوجد خط زمني تصاعدي من الماضي للحاضر للمستقبل. وقد جربت الكتابة بهذه الطريقة من قبل ولم تعد تثير اهتمامي الآن، وهي طريقة يعتمدها آلاف الكتاب فينجح قليل منهم ويخفق أكثرهم. مع هذه الرواية كنتُ أبحث عن طريقة مختلفة للكتابة، يكون فيها الزمن الوحيد هو الزمن الحاضر، كل شيء يحدث هنا والآن، بصرف النظر عمَّا كان وما سيكون. كل مشهد أو فقرة لوحة مستقلة بذاتها إلى حد كبير، ومع ذلك لا بدَّ من وضعها في سياقها الأكبر لتتضح وتضيء. تجميد الزمن بتعبيرك هو طموح الفن التشكيلي من رسم ونحت، وهو نفسه ما تفعله وسائل أخرى كثيرة كالصورة الفوتوغرافية أو حتى دفاتر اليوميات الشخصية، ليست مجرد مسألة توثيق وتذكير، بل هي أيضًا تجميد للحظة، طبعًا هذا طموح مستحيل، لكن لا يجب أن يكتفي الفن بالممكن والمتاح.
لماذا جزمتْ الأشباح بأن فؤاد شخصية ملفقة في بداية الرواية؟ هل فيك من بعض صفات فؤاد؟ الإنسان الذي يمتلك عدة شخصيات بداخله، المنظم والفوضوي، الصامت والمولع بالتحدث، المنعزل والاجتماعي؟
تأكيد الأشباح على أنَّ صاحبها الذي تسكنه ليس حقيقيًا هو حيلة سردية أقرب إلى الإشارة النمطية إيَّاها في مستهل الكتب والأفلام القائلة بأنَّ جميع أحداث وشخصيات هذا العمل هي من وحي خيال المؤلف، وأي تشابه بينها وبين الواقع هو من قبيل المصادفة. إذا وضعنا هذا جنبًا إلى جنب أنهم يعتمدون على دفاتر يوميات فؤاد، وعلى المعلومات الدقيقة الواردة عنه، تبرز المفارقة المقصودة، هي أنه قد يكون شخصية حقيقية فعلًا لكنه أيضًا شخصية متخيلة وملفقة، ما دمنا اتفقنا على تحويله لنَص فلا داعي للتشبث بإحالات واقعية خارج حدود هذه الصفحات. طبعًا المشتركات بيني وبين فؤاد كثيرة، وربما هو أحد الأشباح التي تسكنني أو أنا أحد الأشباح التي تسكنه. اعتمدت على حياتي الشخصية في مواضع كثيرة من الرواية وعلى أقنعة مختلفة لي، لكن من ناحية أخرى مَن منَّا لا يملك نسخًا كثيرة منه، أو مَن منَّا بلا أشباح تسكنه، أو أصوات أو أدوار، يتفاوض معها طوال الوقت فمرة يكسب ومرة يخسر.
جئت على اسم نجيب محفوظ أكثر من مرة وكان في أحدها نوع من السخرية الخفيفة.. هل طموحك ككاتب تجاوزه؟
إذا كان المقصود هو الإشارة إلى مشهد التكية والجبلاوي فلا أظن أنَّ ثمة سخرية ولو خفيفة، بقدر ما هي حسرة ما، ربما مبللة ببعض التهكم من حالة فؤاد في تلك اللحظة. هي حسرة على عدم القدرة على تكرار معانٍ وصورٍ بعينها، ما دامت وُجدَت في الفن بأقصى قوة لها وفي حالة تكاد تكون مكتملة، هذه هي المسألة مع بعض شخصيات ورموز نجيب محفوظ، أنها صارت علامات على نفسها وعلى ما هو خارجها بشكل ما. طموحي الشخصي ككاتب يتغير، ولا علاقة له بنجيب محفوظ، لأنَّ عالمه ومنجَزه اكتمل وصار جزءًا من المعتَمد الأدبي العربي والعالمي، نعيد اكتشافه بين الحين والآخر وننبهر أو نتحفظ، لكن لا حاجة بنا لتجاوزه لأنه من ناحية خارج المنافسة، ومن ناحية ثانية لا توجد في الفن منافسة، بل تجاور وتعدد. نستطيع أن نقول إنني، في هذه الرواية على الأقل، كان همّي الفني أبعد ما يكون عن الرواية المحفوظية بأشكالها وتجلياتها المختلفة، لذلك ففي إشاراتي إليه في العمل نظرة من بعيد إلى مكانٍ عزيز وثمين مثل التكية، لا يسعنا أن نواصل العيش فيه أو الدوران حول أسواره.
أين تضع هذه الرواية بين أعمالك الأخرى؟ ما المختلف والمتشابه بينها؟
أترك هذه المَهمة للقراء، نقادًا أو غير نقاد، وللزَمن الذي هو أكثر القراء والنقّاد حيادًا وموضوعية. المثير للاهتمام بالنسبة لي هو المحاولة المتواصلة، مرة بعد أخرى، لكتابة مختلفة عمَّا سبقها، عَدم الاعتماد على ما أنجزَ مِن قبل، أنجزته أنا أو أنجزه آخرون من قبلي. الحافز الأساسي لعملية الكتابة هو استكشاف مناطق مختلفة وجديدة بالنسبة إليّ، أن أبدأ الكتابة كل مرة كأنني أوّل مرة أكتب، وربما أيضًا آخر مرة. لذلك لا أكتب كثيرًا، لأنَّ المشكلة ليست في الأفكار التي يمكن تقديمها بل في طريقة عرضها ومغامرة السرد المختلفة التي أود أن أخوضها.
ما الذي تطمح إليه من وراء الأدب؟ هل الجوائز وما لها مثل فؤاد؟ أم الرغبة في كسر العزلة أم شيء آخر؟
في أثناء الكتابة لا أطمح لشيء محدد، أترك نفسي على هواها تمامًا، وقد استغرق في كتابة عمل واحد لسنوات، مثل هذه الرواية. لكن بعد الانتهاء من الكتابة فإني أطمح إلى كل شيء، شأني شأن معظم الكتّاب، سوءا كانت الجوائز والاستقبال النقدي والمقروئية والتوزيع الجيد، كل هذه أشياء جميلة وأحيانًا تكون مصدرًا لوجع الرأس، لكنها ليست جزءًا أصيلًا من عملية الكتابة، إنها تقع خارج قلعة الكتابة، بعيدًا في أسواق البيع والشراء والمكسب والخسارة، أمَّا بداخل القلعة فلا يوجد غير الأشباح العاكفين على أوراقهم، لا شيء يهم ما داموا مبسوطين.
تكتب القصة والرواية فأيهما أقرب إليك وهل أنت منقسم بينهما؟
لا أشعرُ أنني منقسم بينهما، لكني إذا كان عليَّ الاختيار فسوف أختار القصة بكل تأكيد. لا أكتب الرواية إلَّا مُضطرًا، بمعنى حينما لا يكون هناك أي بديل لكتابة عمل سردي طويل، لأنَّ هذا ما يفرضه العالَم الذي أحاول أن أستكشفه أو الشخصية الأساسية أو الهَم الذي أود أن أطرحه. مع القصة القصيرة أشعر بأنني في بيتي، أتحرك بحرية وعفوية وثقة. مع كل قصة أقرؤها أو أكتبها أشعر بأنني خرجت في نزهة سريعة أو تعرّفت بشخصٍ جديد.
الرواية أقرب إلى إقامة طويلة، لو لم يحترس الكاتب في اختيار البيت الذي سيقيم فيه والأشخاص الذين سيعيش بينهم فيه، فكأنه حكم على نفسه بعقوبة سِجن لفترة غير محددة، كما أنَّ هناك دائمًا خطر ألَّا يكتمل المشروع، فتظل المادة المكتوبة معلّقة كاحتمال مزعج، إمَّا أن تبرد حرارته مع الوقت وإمَّا أن يقرر الكاتب استكماله للنهاية بأي ثمن. مخاطر القصة مختلفة لأنها كالطلقة، إمَّا أن تصيب الهدف وإمَّا أن تطيش. أحب في القصة وحدة الانطباع العام للعمل، مهما كان طويلًا، وهو الأمر شِبه النادر في أي عمل روائي مهما كان قصيرًا.
أخيرًا كيف ترى المشهد الروائي الآن؟
لا أظن أنَّه يمكن لأي قارئ أن يحيط بالمشهد الروائي العربي الآن، أو حتَّى في بلد عربي واحد، من ناحية أن هناك إنتاجا غزيرا ومن أجيال مختلفة ومن مدارس وخبرات متنوعة لدرجة تبعث على الدوار. غاية ما يستطيع المرء أن يبحث عمَّا يلائم ذوقه الشخصي بقدر الإمكان، وأن يبتعد عمّا لا يستسيغه، فقراءة كل ما يصدر من روايات ليست فريضة واجبة فضلًا عن أنها مهمة مستحيلة. ما يلهمني أكثر في الوقت الراهن هي التجارب التي تخرج من صفوف الشباب، وأشعرُ أنها تنطلق من منطقة شجاعة ومختلفة وتحاول أن تقدم تجارب خارج السائد والرائج تجاريًا أو تلك الأنماط الجاهزة للروايات التاريخية مثلًا أو الاجتماعية. قرأت في العام الماضي بعض هذه الأعمال الشجاعة، مثل رواية «حشيش سمك برتقال» لهدى عمران ورواية «الأولى لجيجي» لمحمد حمامة، ومؤخرًا أيضًا رواية «الياقوت» لأمجد الصبّان. أعلم تمامًا أنَّ هناك تجارب أخرى تتسم بالتفرد والشجاعة لكن مرة أخرى لا أحد يستطيع أن يتابع كل شيء.
أنا غير مولَع للغاية بالمكان وأميل أكثر لمركزية الإنسان أو الشخصية المتخيلة
لا حاجة لنا لتجاوز نجيب محفوظ لأنه خارج المنافسة
الجوائز والاستقبال النقدي والمقروئية أشياء جميلة ولكنها مصدر لوجع الرأس
القصة تشعرني بأنني في بيتي ولا أكتب الرواية إلَّا مُضطرًا
هناك إنتاج روائي عربي غزير من مدارس متنوعة لدرجة تبعث على الدوار
يعد محمد عبدالنبي أحد الكتاب المتميزين في المشهد الأدبي المصري، وقد أصدر عددًا كبيرًا من المجموعات القصصية والروايات التي حصلت على جوائز وتقدير نقدي كبير ومنها «وردة الخونة»، «بعد أن يخرج الأمير للصيد»، «شبح أنطون تشيخوف»، «كما يذهب السيل بقرية نائمة»، «كان يا مكان»، «بعد أن يخرج الأمير للصيد»، «رجوع الشيخ»، «في غرفة العنكبوت»، وكذلك أصدر كتابا» حول فكرة الأدب بشكل عام هو «في غرفة الكتابة». كما أصدر محمد عبدالنبي مؤخرًا روايته الجديدة «كل يوم تقريبا» عارضًا لحياة بطل كاتب يسعى إلى النجاة بنفسه من عنف الواقع منتقلًا من مكان إلى مكان ومن صداقة إلى صداقة ومن علاقة إلى علاقة.
في هذا الحوار يتحدث محمد عبدالنبي عن بطله وعن نفسه وعن التشابه بينهما، وكذلك عن المشهد الأدبي العربي.
قرأتُ «كل يوم تقريبًا» باعتبارها رواية عن نجاة الفرد بنفسه في قارب بعيدًا عن مآسي الواقع.. وهذا تفسير قدمته الرواية نفسها، وأنت باعتبارك قارئًا لا كاتبًا هل تراها عملًا عن النجاة أم السجن الكبير للإنسان؟
قد يكون هذا صحيحًا، وقد تكون الكتابة نفسها هي محاولة للنجاة، أو محاولة لرؤية سُبل النجاة، ومدى نجاحها أو إخفاقها. أيًا كان ما يخرج به القارئ من الرواية، سواء شعرَ أنها عن النجاة أو شعر أنَّ النجاة مستحيلة داخل أسوار السِجن أو أي تأويل آخَر، سيكون هذا المعنى من إنتاجه هو في تفاعله مع الرواية التي لا أظن أنها تعطي كلمة نهائية بهذا الخصوص.
لماذا كنت مهتمًا بتسجيل وقائع حقيقية في العمل مثل أحداث صراع طلبة الأزهر والأمن على خلفية نشر رواية الكاتب السوري حيدر حيدر «وليمة لأعشاب البحر»؟ ما الذي يقدمه التوثيق لعمل فني؟
هذا أمر حدث بالمصادفة، كنتُ قد سجّلت بعض ملاحظات عن تلك الواقعة القديمة لسببٍ ما، ربما للاستعانة بها إذا أردت الكتابة عنها ذات يوم. واستخدمت تلك الملاحظات والقصاصات بالفعل ذات مرة في كتابة شهادة عن حياتي الجامعية في جامعة الأزهر، خلال أواخر تسعينيات القرن الماضي، في عدد من مجلة «أمكنة» التي يشرف عليها الشاعر والروائي المصري علاء خالد، كان مخصصًا لحياة الجامعة. لا أظن أنَّ التوثيق في حد ذاته قيمة مضافة لأي عمل فني، لكني مفتون بشكل شخصي بفكرة الكولاج الذي قد يتجاور فيه الذاتي والشخصي إلى جانب العام والموضوعي، أو الخطاب الرسمي والوثائق إلى جانب جموح الشِعر والتخييل. كانت أحداث الوليمة مناسبة للغاية من ناحية توفر مادتها تحت يدي وإحساسي الشخصي بها وحمولتها الدلالية بالنسبة إلى مجتمع كامل في لحظة بعينها.
أثناء رسمها لشخصية البطل الرئيسي لها فؤاد.. رسمت الرواية أيضًا صورة للعلاقة بين القاهرة والدلتا. هل كان في ذهنك تلك المراوحة في البطولة بين المكان والشخصيات؟
لا أبدًا، لا أعتقد أنني كاتب مكان؛ أي غير مولَع للغاية بالمكان، هو بالطبع عنصر أساسي في اللعبة السردية لكنه ليس مركزيًا عندي، وفي هذه الرواية لا المدينة ولا القرية هي بؤرة السرد أو تدور حولها بقية الخيوط. أظن أنني أميل أكثر لمركزية الإنسان أو الشخصية المتخيلة. لم تشغل القرية في هذه الرواية إلَّا فصلًا واحدا، على ما أذكر، وهو أقرب إلى استدعاء حكايات عائلية لفؤاد، معظمها حدث من قبل أن يولَد هو، لا سبيل للتيقن منها أو من دقة سردها بما أنها تصله بعد عقود من وقوعها، على لسان أم أصبحت ذاكرتها موضع شك. لكنَّ الأساسي، على ما أظن، هو انسلاخ فؤاد من أصوله القروية تدريجيًا، وهو انسلاخ غير اختياري بدأ منذ أن تعلم القراءة والكتابة، وحملته الثقافة إلى نقطةٍ أبعد مرة بعد أخرى، أبعد عن الجذور أو العفوية أو العمل اليدوي والعلاقة المباشرة بالطبيعة. لستُ متأكدًا ولكن أظن أنَّ انتصار الثقافة على الطبيعة هي خسارة لجانب مهم جدًا في داخل كل إنسان.
هل يمكن القول إن المكان وجَّه كثيرًا من تصرفات الشخصيات خاصة ونحن نتحدث عن أماكن فقيرة أو شعبية مثل بهتيم أو الوايلي؟
لا يمكن أن تفصل الشخصية عمومًا عن بيئتها ولحظتها وسياقها، من بين هذا طبعًا الأحياء الشعبية والحياة الفقيرة لأغلب سكّانها، حياة الورش والمصانع والمقاهي الصغيرة والأسواق الشعبية، حياة الجريمة والإدمان والتفكك الأخلاقي، لكنها أيضًا حياة الكفاح والصبر والدأب والحرص على صنع الحياة وتغذيتها واستمرارها. لكن هل تملي علينا الأماكن التي نعيش فيها تصرفاتنا؟ لا أظن هذا، لكنها، شأنها شأن اللحظة التي نعيش فيها من التاريخ الإنساني مثلًا، تسهم بلا شك في تشكيلنا وفي وسمنا أحيانًا بميسمها بما لا يبتعد عن الطبقة الاجتماعية والبيئة المحيطة.
تمتلئ الرواية بكثير من الشرور غير الطبيعية.. هل يمكن تلخيصها في نقمة الشخصيات على الحياة والأهل والفقر؟
مبدئيًا دَعني أتحفّظ قليلًا على كلمة الشرور، الشَر كالخير قيم نسبية ومتغيرة، ومردها أخلاقي أو ديني في أغلب الوقت، يصعب قياسها إلَّا باتخاذ موقف واضح وغالبًا موقف أخلاقي. أظن أنَّ المسألة هي العنف أو القسوة، وهي سمات قد تصبغ ممارسات بعض شخصيات الرواية في بعض الأحيان، وهي في جزء منها اختيار حر تمامًا لا يمكن أن نبرئ فاعلها من مسؤوليته، وفي جزء آخَر منها رد فعل على قسوة وعنف الظروف المحيطة، سواء من فقر أو خلافه. لكن ما أؤمن به الآن، أنَّه ليس بالضرورة أن يولّد العنف عنفًا، ولا أن نرد على أذى العالَم بأن نؤذي الآخرين، يمكن كسر سلسلة العنف بطرق كثيرة، الفن أحد هذه الطرق.
قدمت الرواية كذلك تصورًا عن الجيل التالي للتسعينيين، جيل الألفية الجديدة، المولود غالبًا في السبعينيات والثمانينيات.. هل ترى أن الزمن نفسه له دور في توجيه تصرفات تلك الشخصيات؟
جيل الألفية الجديدة تسمية غريبة قليلًا بالنسبة إليَّ، لا أدري لماذا. التقسيم الجيلي نفسه موضع خلاف، لكن إذا كانت شخصية فؤاد وأصحابه من رفاق السوء هم من مواليد نهاية السبعينيات والثمانينيات، فهم بين التسعينيات وبين الألفية الجديدة عمليًا، رِجل هنا ورِجل هناك، اكتمل نمو وعيهم في التسعينيات عمليًا، بكل ما يحيط ذلك العقد من غموض وركود وتوتر وحيرة، في مصر على الأقل، وفي حدود ما أتذكّر، ومن البديهي أنَّنا أبناء زمننا، بكل ما فيه من حسنات وسيئات، لكن مرة أخرى أميلُ للتأكيد على حرية الفرد في اختياراته، مهما بدا مجرد ألعوبة في أيدي ظروف أيامه، لأنَّ نفس الظروف تنتج طوال الوقت أشخاصًا مختلفين من حيث المواقف.
صورة المثقف جاءت باعتباره الصعلوك، الذي لا يجد مفرًا من السرقة أو الاشتباك بالأيدي، الذي يمكنه العيش حتى على الأرصفة.. هل أقرت الرواية بالصورة النمطية للمثقف؟
لكن هل هذه صورة نمطية للمثقف؟ أو هل هي كذلك الآن على الأقل؟ لا أظن، لعلَّها صورة لأحد أنماط المثقف والفنان، هو المبدع المتمرد المجنون قليلًا، الذي يحاول أن تعكس حياته قناعاته بقدر الإمكان، وأن تكون حياته هي نفسها قطعته الفنية التي يعمل عليها. كان هذا نمطًا موجودًا وفاعلًا في حقب مختلفة وفي دول عديدة، واتخذ أشكالًا مختلفة. هناك بودلير، ثم جان جينيه، وهنري ميلر، وآخرون. لكن بالطبع هناك صور أخرى للمثقف، وكلها أيضًا نمطية، مثل صورة المثقف المنعزل في برجه العاجي، صاحب البيريه والعصا مثل توفيق الحكيم، وهناك المثقف الانتهازي الذي يبيع مواقفه لمن يدفع، وهناك المثقف النجم لامع الوجه بابتسامة بلاستيكية. أقول إنّ كل هذه صور نمطية لأنَّ الشخصية الحقيقية الحية يُفترض بها أن تتجاوز فكرة النمط أو الصورة، سواء اقتربت منه أم ابتعدت عنه، لأنَّ كل إنسان فيه من الأقنعة والأدوار والمستويات ما يهدم أي تصور مسبق عنه.
كان هناك أيضًا المثقفون الآمنون المطمئنون بتعبير فؤاد.. لماذا لم تتقاطع الرواية قليلًا معهم؟
ليس دور الرواية عمومًا أن تفتح أبوابها للجميع، إنها مثل حفل بدعوات خاصة، لا يجوز أن يدخل إليها إلَّا من يحمل بطاقات الدعوة، وهذه البطاقات تحددها احتياجات الرواية الضرورية وخطها الأساسي، لذلك لم يكن من الممكن أن يحضر جميع هؤلاء حتى لو لم تكن حياتهم مملة ومتوقعة، فما من حياة إلَّا وفيها لمسة من السِحر أو لحظة من الجنون.
لجوءك فنيًا إلى حيلة أشباح فؤاد أو أقرانه الذين يحكون عنه أو يسردون من دونه في قصاصاته هل سببها تبرير التنقل الدائم بين الأزمان المختلفة لحياة فؤاد؟
هذا اختيار أتى متأخرًا، في عملية الكتابة، أي بعد كتابة قدر كبير جدًا من المادة الخام للرواية. يعد اختيار نوع الراوي قرارًا مصيريًا في حياة أي رواية، لأنَّ اعتماد الصوت غير المناسب أو النبرة غير المضبوطة من شأنها أن تطيح بالعمل ككل مهما بُذل فيه من جهد. لم أشأ أن يكون فؤاد هو الراوي المتكلم وهو نفسه بطل الرواية لكي أبتعد به أولًا عن إحساس المذكّرات واليوميات التي يفترض أن العمل منطلق منها، ولكي أتخذ ثانيًا مسافة منه يمكن معها رؤيته في أنوار وظلال مختلفة، سواء كان هذا في صالحه أم ضده. لا أرى الصلة بين اعتماد أشباح فؤاد كراوٍ وبين التنقلات الزمنية الكثيرة، لكنهم أقرب إلى شهود صامتين، على حياة صاحبهم، يجدون فجأة الفرصة للتكلم بل والكتابة (كأنهم في ورشة كتابة نص جماعي) عن صاحبهم، وتحديد الصورة التي سيرى نفسه عليها في السطور، لا أدري حتى الآن هل هم أحسنوا استغلال هذه الفرصة أم لا.
الزمن في الرواية يكاد يكون متجمدًا فليس هناك حدث رئيسي يتطور.. ما رأيك؟
لا يوجد حدث رئيسي ولا توجد حكاية مكتملة وبالتالي لا يوجد خط زمني تصاعدي من الماضي للحاضر للمستقبل. وقد جربت الكتابة بهذه الطريقة من قبل ولم تعد تثير اهتمامي الآن، وهي طريقة يعتمدها آلاف الكتاب فينجح قليل منهم ويخفق أكثرهم. مع هذه الرواية كنتُ أبحث عن طريقة مختلفة للكتابة، يكون فيها الزمن الوحيد هو الزمن الحاضر، كل شيء يحدث هنا والآن، بصرف النظر عمَّا كان وما سيكون. كل مشهد أو فقرة لوحة مستقلة بذاتها إلى حد كبير، ومع ذلك لا بدَّ من وضعها في سياقها الأكبر لتتضح وتضيء. تجميد الزمن بتعبيرك هو طموح الفن التشكيلي من رسم ونحت، وهو نفسه ما تفعله وسائل أخرى كثيرة كالصورة الفوتوغرافية أو حتى دفاتر اليوميات الشخصية، ليست مجرد مسألة توثيق وتذكير، بل هي أيضًا تجميد للحظة، طبعًا هذا طموح مستحيل، لكن لا يجب أن يكتفي الفن بالممكن والمتاح.
لماذا جزمتْ الأشباح بأن فؤاد شخصية ملفقة في بداية الرواية؟ هل فيك من بعض صفات فؤاد؟ الإنسان الذي يمتلك عدة شخصيات بداخله، المنظم والفوضوي، الصامت والمولع بالتحدث، المنعزل والاجتماعي؟
تأكيد الأشباح على أنَّ صاحبها الذي تسكنه ليس حقيقيًا هو حيلة سردية أقرب إلى الإشارة النمطية إيَّاها في مستهل الكتب والأفلام القائلة بأنَّ جميع أحداث وشخصيات هذا العمل هي من وحي خيال المؤلف، وأي تشابه بينها وبين الواقع هو من قبيل المصادفة. إذا وضعنا هذا جنبًا إلى جنب أنهم يعتمدون على دفاتر يوميات فؤاد، وعلى المعلومات الدقيقة الواردة عنه، تبرز المفارقة المقصودة، هي أنه قد يكون شخصية حقيقية فعلًا لكنه أيضًا شخصية متخيلة وملفقة، ما دمنا اتفقنا على تحويله لنَص فلا داعي للتشبث بإحالات واقعية خارج حدود هذه الصفحات. طبعًا المشتركات بيني وبين فؤاد كثيرة، وربما هو أحد الأشباح التي تسكنني أو أنا أحد الأشباح التي تسكنه. اعتمدت على حياتي الشخصية في مواضع كثيرة من الرواية وعلى أقنعة مختلفة لي، لكن من ناحية أخرى مَن منَّا لا يملك نسخًا كثيرة منه، أو مَن منَّا بلا أشباح تسكنه، أو أصوات أو أدوار، يتفاوض معها طوال الوقت فمرة يكسب ومرة يخسر.
جئت على اسم نجيب محفوظ أكثر من مرة وكان في أحدها نوع من السخرية الخفيفة.. هل طموحك ككاتب تجاوزه؟
إذا كان المقصود هو الإشارة إلى مشهد التكية والجبلاوي فلا أظن أنَّ ثمة سخرية ولو خفيفة، بقدر ما هي حسرة ما، ربما مبللة ببعض التهكم من حالة فؤاد في تلك اللحظة. هي حسرة على عدم القدرة على تكرار معانٍ وصورٍ بعينها، ما دامت وُجدَت في الفن بأقصى قوة لها وفي حالة تكاد تكون مكتملة، هذه هي المسألة مع بعض شخصيات ورموز نجيب محفوظ، أنها صارت علامات على نفسها وعلى ما هو خارجها بشكل ما. طموحي الشخصي ككاتب يتغير، ولا علاقة له بنجيب محفوظ، لأنَّ عالمه ومنجَزه اكتمل وصار جزءًا من المعتَمد الأدبي العربي والعالمي، نعيد اكتشافه بين الحين والآخر وننبهر أو نتحفظ، لكن لا حاجة بنا لتجاوزه لأنه من ناحية خارج المنافسة، ومن ناحية ثانية لا توجد في الفن منافسة، بل تجاور وتعدد. نستطيع أن نقول إنني، في هذه الرواية على الأقل، كان همّي الفني أبعد ما يكون عن الرواية المحفوظية بأشكالها وتجلياتها المختلفة، لذلك ففي إشاراتي إليه في العمل نظرة من بعيد إلى مكانٍ عزيز وثمين مثل التكية، لا يسعنا أن نواصل العيش فيه أو الدوران حول أسواره.
أين تضع هذه الرواية بين أعمالك الأخرى؟ ما المختلف والمتشابه بينها؟
أترك هذه المَهمة للقراء، نقادًا أو غير نقاد، وللزَمن الذي هو أكثر القراء والنقّاد حيادًا وموضوعية. المثير للاهتمام بالنسبة لي هو المحاولة المتواصلة، مرة بعد أخرى، لكتابة مختلفة عمَّا سبقها، عَدم الاعتماد على ما أنجزَ مِن قبل، أنجزته أنا أو أنجزه آخرون من قبلي. الحافز الأساسي لعملية الكتابة هو استكشاف مناطق مختلفة وجديدة بالنسبة إليّ، أن أبدأ الكتابة كل مرة كأنني أوّل مرة أكتب، وربما أيضًا آخر مرة. لذلك لا أكتب كثيرًا، لأنَّ المشكلة ليست في الأفكار التي يمكن تقديمها بل في طريقة عرضها ومغامرة السرد المختلفة التي أود أن أخوضها.
ما الذي تطمح إليه من وراء الأدب؟ هل الجوائز وما لها مثل فؤاد؟ أم الرغبة في كسر العزلة أم شيء آخر؟
في أثناء الكتابة لا أطمح لشيء محدد، أترك نفسي على هواها تمامًا، وقد استغرق في كتابة عمل واحد لسنوات، مثل هذه الرواية. لكن بعد الانتهاء من الكتابة فإني أطمح إلى كل شيء، شأني شأن معظم الكتّاب، سوءا كانت الجوائز والاستقبال النقدي والمقروئية والتوزيع الجيد، كل هذه أشياء جميلة وأحيانًا تكون مصدرًا لوجع الرأس، لكنها ليست جزءًا أصيلًا من عملية الكتابة، إنها تقع خارج قلعة الكتابة، بعيدًا في أسواق البيع والشراء والمكسب والخسارة، أمَّا بداخل القلعة فلا يوجد غير الأشباح العاكفين على أوراقهم، لا شيء يهم ما داموا مبسوطين.
تكتب القصة والرواية فأيهما أقرب إليك وهل أنت منقسم بينهما؟
لا أشعرُ أنني منقسم بينهما، لكني إذا كان عليَّ الاختيار فسوف أختار القصة بكل تأكيد. لا أكتب الرواية إلَّا مُضطرًا، بمعنى حينما لا يكون هناك أي بديل لكتابة عمل سردي طويل، لأنَّ هذا ما يفرضه العالَم الذي أحاول أن أستكشفه أو الشخصية الأساسية أو الهَم الذي أود أن أطرحه. مع القصة القصيرة أشعر بأنني في بيتي، أتحرك بحرية وعفوية وثقة. مع كل قصة أقرؤها أو أكتبها أشعر بأنني خرجت في نزهة سريعة أو تعرّفت بشخصٍ جديد.
الرواية أقرب إلى إقامة طويلة، لو لم يحترس الكاتب في اختيار البيت الذي سيقيم فيه والأشخاص الذين سيعيش بينهم فيه، فكأنه حكم على نفسه بعقوبة سِجن لفترة غير محددة، كما أنَّ هناك دائمًا خطر ألَّا يكتمل المشروع، فتظل المادة المكتوبة معلّقة كاحتمال مزعج، إمَّا أن تبرد حرارته مع الوقت وإمَّا أن يقرر الكاتب استكماله للنهاية بأي ثمن. مخاطر القصة مختلفة لأنها كالطلقة، إمَّا أن تصيب الهدف وإمَّا أن تطيش. أحب في القصة وحدة الانطباع العام للعمل، مهما كان طويلًا، وهو الأمر شِبه النادر في أي عمل روائي مهما كان قصيرًا.
أخيرًا كيف ترى المشهد الروائي الآن؟
لا أظن أنَّه يمكن لأي قارئ أن يحيط بالمشهد الروائي العربي الآن، أو حتَّى في بلد عربي واحد، من ناحية أن هناك إنتاجا غزيرا ومن أجيال مختلفة ومن مدارس وخبرات متنوعة لدرجة تبعث على الدوار. غاية ما يستطيع المرء أن يبحث عمَّا يلائم ذوقه الشخصي بقدر الإمكان، وأن يبتعد عمّا لا يستسيغه، فقراءة كل ما يصدر من روايات ليست فريضة واجبة فضلًا عن أنها مهمة مستحيلة. ما يلهمني أكثر في الوقت الراهن هي التجارب التي تخرج من صفوف الشباب، وأشعرُ أنها تنطلق من منطقة شجاعة ومختلفة وتحاول أن تقدم تجارب خارج السائد والرائج تجاريًا أو تلك الأنماط الجاهزة للروايات التاريخية مثلًا أو الاجتماعية. قرأت في العام الماضي بعض هذه الأعمال الشجاعة، مثل رواية «حشيش سمك برتقال» لهدى عمران ورواية «الأولى لجيجي» لمحمد حمامة، ومؤخرًا أيضًا رواية «الياقوت» لأمجد الصبّان. أعلم تمامًا أنَّ هناك تجارب أخرى تتسم بالتفرد والشجاعة لكن مرة أخرى لا أحد يستطيع أن يتابع كل شيء.