أمريكا والصين وتجنب الصدام الكبير
الثلاثاء / 26 / رمضان / 1444 هـ - 20:59 - الثلاثاء 18 أبريل 2023 20:59
ترجمة قاسم مكي -
إذا سئل المؤرخ الإغريقي ثوسيديديز عما يحدث في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين اليوم ما الذي سيقوله؟ ذلك هو السؤال الذي وُجِّه لي في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس في يناير الماضي. كان ردي أنه سيقول إن ما يجري بينهما تنافس «ثوسيديديزي» كلاسيكي يتصرف طرفاه طبقا لنظريته حول القوة الصاعدة والقوة المهيمنة. وسيتوقع صداما لم يشهده التاريخ من قبل بينهما.
(قبل 2400 عام ذكر المؤرخ الإغريقي ثوسديديس مؤلف كتاب تاريخ حرب البيلوبونيز أن السبب الحقيقي لتلك الحرب كان الصعود السريع لقوة أثينا وخوف إسبرطة التي كانت تهيمن على بلاد الإغريق وقتها. وفي مؤلفه (مصيرهما الحرب: هل يمكن أن تنجو أمريكا والصين من مصيدة ثوسيديديز؟) اعتبر كاتب هذا المقال جراهام اليسون العلاقة بين الولايات المتحدة والصين مثالا لمصيدة ثوسيديديز. أي أن تدهور قوة مهيمنة وصعود قوة منافسة يجعلان الحرب حتمية - المترجم.)
الجدل الذي دار في عام 2017 مع نشر كتاب (مصيرهما الحرب) صار الآن جزءا من الماضي. لا أحد ينكر أن الصين هي أقوى منافس على الإطلاق تواجهه قوة مهيمنة. فخلال الجيل الماضي تقدمت الصين بوتيرة أسرع وأبعد مدى في كثير من المجالات قياسا بأي بلد آخر على مر التاريخ.
خلال أول عقد قضاه شي في الحكم ارتفع الناتج المحلي الإجمالي للصين من نصف إلى ثلاثة أرباع حجم الاقتصاد الأمريكي (مقيسا بسعر الصرف السائد في السوق). لقد حلت الصين محل الولايات المتحدة بوصفها البلد الصناعي والشريك التجاري رقم واحد في العالم وصارت مصدرا لمعظم المستلزمات الحيوية في سلاسل التوريد العالمية. كما عززت أيضا قدراتها العسكرية مع تركيزها على الطوارئ على طول حدودها والبحار المحيطة إلى حد أنها الآن لديها ميزات مهمة في الصراعات المحتملة خصوصا تلك التي تتعلق بتايوان.
في الأثناء ما اسماه ونستون تشرشل «التيارات المميتة» في السياسة الداخلية التي دفعت ببريطانيا إلى الحرب مع ألمانيا في عام 1914 تسود الآن في الولايات المتحدة.
فكل من شاهد الجلسات الافتتاحية للجنة المختارة الخاصة بالصين في مجلس النواب الأمريكي الجديد رأي بوضوح تدافع الساسة الجمهوريين والديموقراطيين لإظهار أي منهم أكثر تشددا تجاه الصين. وكان المرشح الرئاسي مايك بومبيو قد دعا سابقا إلى اعتراف الولايات المتحدة بتايوان كبلد مستقل. وقانون سياسة تايوان الذي دفع به كل من رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ عن الحزب الديمقراطي بوب مينينديز والجمهوري ليندسي جراهام اقترح مبدئيا تسمية تايوان «حليفا رئيسيا خارج حلف الناتو».
ومن المفيد الإشارة في هذا الصدد إلى أن رئيسة تايوان تساي انغ-وين وليس رئيس مجلس النواب الأمريكي كيفن مكارثي هي من قدّر العواقب التي من المرجح أن تترتب عن تسجيل زيارة أخرى إلى تايوان بواسطة رئيس المجلس، واقترحت بديلا أقل استفزازا.
نحن نشهد عدم ارتياح مماثل في بيجينج حيث اتهم شي الولايات المتحدة وحلفاءها بالسعي إلى «احتواء وحصار وقهر» بلده في خطاب ملتهب ألقاه أمام اجتماع «الجلستين» في الصين الشهر الماضي.
ردد تعليقات شي وزير الخارجية الجديد تشين غانغ الذي اتهم الساسة «المكارثيِّين الجديد المصابون بالهستيريا» في الولايات المتحدة بالرغبة في القضاء على الصين في «لعبة مجموع صفري.»
لحسن الحظ لدينا في بايدن وشي زعيمين جادَّين وعاقلين يدركان أن الحرب بين بلديهما ستكون كارثية. فإذا تحولت حرب محلية حول تايوان إلى حرب شاملة يتم فيها تبادل الهجمات النووية ستهدد وجود كلا البلدين.
ومهما تباعدت الخلافات بين القوتين المتنافستين إذا كان البديل للتعايش بينهما هو حقا التدمير المتبادل سيلزم حينها الزعيمين في كل من واشنطن وبيجينج البحث عن سبيل للتعاون في بعض المجالات وفي ذات الوقت التنافس دون هوادة في المجالات الأخرى.
وفيما يجتهد المفكرون في كلا الحكومتين لإيجاد إطار لفعل ذلك هنالك دروس يجب تعلمها من المفهوم الصيني القديم «شركاء التنافس.» يبدو هذا المفهوم وكأنه ينطوي على تناقض (في جمعه بين الشراكة والمنافسة- المترجم).
لكنه يصف العلاقة التي أسستها سلالة «سونغ» مع الجارة «لياو» وهي مملكة منشوريَّة على الحدود الشمالية للصين قبل ألف عام.
بعدما توصل امبراطور سونغ إلى أن جيوشه لن تتمكن من هزيمة لياو في صراع عسكري تفاوض على إبرام معاهدة تشانيوان في عام 1005 التي وافق بموجبها كلا الطرفين على أن يكونا متنافسين شرسين في بعض الميادين لكن شريكين كبيرين في ميادين أخرى.
بناء على هذا الترتيب الفريد دفعت مملكة سونغ وهي القوة المهيمنة جزية لمملكة لياو وافقت هذه الأخيرة على استثمارها في التطوير الاقتصادي والعلمي والتقني لمملكة سونغ. بهذا الإطار الذي تأسس بموجب معاهدة تشانيوان تجنبت القوتان نشوب الحرب بينهما لفترة تزيد عن قرن.
استمدت شراكة التنافس بين سونغ ولياو مفهومها من حكمة صينية أقدم تعود إلى الحقبة المعروفة بحقبة الربيع والخريف (770- 481 قبل الميلاد تقريبا).
وكما كتب سن تسو عن مملكتي «وو» و«يوي» المتنافستين في كتابه «فن الحرب» فإن شعبا مملكة «يوي» ومملكة «وو» يتبادلان العداوة لكن «عندما يبحران في نفس القارب ويصادفان عاصفة يساعد كل منهما الآخر مثلما تساعد اليدُ اليسرى اليدَ اليمنى.» فحين يتطلب الحفاظ على الوجود التعاون حتى بين ألدّ عدويَّن فإنهما يفعلان ذلك.
ما الذي يمكن أن تبدو عليه شراكة التنافس في العلاقات الأمريكية الصينية اليوم؟ نقطة البداية ستكون الإقرار بالحقائق البنيويَّة الأساسية التي يواجهها كلا البلدين. يعني ذلك باختصار يجب عليهما البقاء في عالم دمار متبادل ومؤكد. فلدى كل من الولايات المتحدة والصين الآن ترسانة نووية قادرة على تحمل الضربة الأولى من أحد الطرفين والرد بهجوم يدمر من يبادر بالهجوم. وبالتالي يظل الحقيقة التأسيسية للعلاقات بين الولايات المتحدة والصين تأكيد الرئيس الأمريكي دونالد ريجان بأن الحرب النووية «لا يمكن الفوز فيها لطرف وبالتالي يجب عدم خوضها» تماما كما كان ذلك كذلك إبان الحرب الباردة الأشد خطورة.
إدراكا لهذا الخطر النووي والطرائق التي يمكن أن تنتهك بها التهديدات بتوجيه ضربات نووية تكتيكية ضد أوكرانيا «التابو النووي» الذي ظهر خلال العقود السبعة الماضية اتخذ الرئيس شي والمستشار الألماني شولتز خطوة كبرى في نوفمبر الماضي. فقد أعلنا دون لبس أنهما يعارضان حتى التهديد باستخدام الأسلحة النووية.
وكما ذكرت وزارة الخارجية الصينية أعلن شي أن على المجتمع الدولي «معارضة التهديد باستخدام أو استخدام الأسلحة النووية والدعوة إلى عدم استخدام الأسلحة النووية وعدم خوض حروب نووية ومنع نشوب أزمة نووية في منطقة أوراسيا.»
مبدأ «عدم التهديد باستخدام السلاح النووي» الذي ينادي به كل من شي وشولتز خطوة شجاعة تتجاوز أي إعلان سابق من أية دولة كبيرة.
الصين مثلا تتبنى سياسة «عدم المبادرة باستخدام السلاح النووي.» لكنها لم تقل أبدا بعدم «التهديد باستخدامه.»
والأمن القومي لألمانيا، رغم عدم تصريح شولتز بذلك، يعتمد على «الردع الأمريكي الموسَّع» الذي يوظف تهديد المبادرة باستخدام السلاح النووي للدفاع عن حلفائها.
مبدأ الرئيس شي والمستشار شولتز بيان ناصع بأن الصين يمكنها العمل على نحو يخدم مصلحة يشاطرها فيها منافسوها (الولايات المتحدة) مهما كانت حدة الخلافات بينها حول الحيلولة دون تنفيذ روسيا ضربات نووية وتجنب حوافز الانتشار النووي التي يمكن أن توجدها مثل هذه الضربات.
يواجه الأمريكيون والصينيون باعتبارهما شعبين يعيشان معا في نفس المجال الحيوي ما يماثل التدمير المتبادل المؤكد في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المنفلتة. فالصين الدولة رقم واحد على صعيد العالم في إطلاق انبعاثات الكربون والولايات المتحدة رقم اثنين.
وفي المسارات التي نمضي فيها حاليا يمكن لأي من البلدين بمفرده تقويض المناخ بحيث يستحيل لأي منهما أن يعيش فيه.
وفي العالم المعولم الحالي لدينا أيضا نظام مالي متكامل (متداخل) بشدة وعُرضة للأزمات من شاكلة الانكماش العظيم في عام 2008. وهي أزمات يمكنها تسبيب ركود عظيم آخر (مثل ركود ثلاثينيات القرن الماضي). وكان قد تم تلافي مثل هذا الركود في عام 2008 لكن بصعوبة وفقط باستحداث حوافز مشتركة جرى تنسيقها بعناية بواسطة الولايات المتحدة والصين.
بخلاف هذه المصالح المشتركة هناك الجائحات والإرهاب وانتشار الأسلحة النووية والتحديات العالمية الأخرى التي لا يمكن لأي من البلدين التعامل معها بمفرده.
وأخيرا هنالك منافع للتكامل العالمي لا يمكن مقاومة جاذبيتها خصوصا في المجال الاقتصادي يمكن أن تجلب معها «اضطرابا اقتصاديا متبادلا ومؤكدا.»
بالطبع بعض المجالات ستتصف بطابع المنافسة الشرسة. وفي الغالب سيكون حاصل المنافسة في الميدان العسكري مجموعا صفريا حيث تحتدم المنافسة في كل مجال من مجالاته، كما أشار بوضوح وزير الدفاع الأمريكي السابق جيمس ماتيس في استراتيجيته للدفاع القومي لعام 2018. وبما أن الجانبين سيتنافسان من أجل الهيمنة الاقتصادية والتقنيَّة سيكون فك الارتباط بينهما في مجالات مُختارة حتميا.
باختصار الولايات المتحدة والصين محكومتان بأمرين متناقضين هما التنافس على نحو لم يشهد له التاريخ مثيلا والتعاون لضمان بقائهما. وسيتطلب إيجاد استراتيجية كبرى تجمع بين التنافس والتعاون خيالا استراتيجيا استثنائيا.
وفيما يصارع واضعو السياسات في كلا البلدين لتنفيذ هذه المهمة يمكن الاستفادة من أفكار «شراكة التنافس» التي أتاحت لمملكتي سونغ ولياو العيش معا لفترة 120 عاما دون حرب.
جراهام اليسون أستاذ الحكم بمدرسة جون كنيدي للحكم في جامعة هارفارد- عن موقع معهد أبحاث آسيا بجامعة سنغافورة الوطنية.
ترجمة خاصة لـ($)