ثقافة

ذكريات الشهر الفضيل.. عبدالله بن أحمد البريكي: صمت أول رمضان قبل 80 عاما وكان في وقت الصيف

 
لشهر رمضان ذكريات لا تنسى، حيث يحتفظ الجميع بذكرياته مع تقدّم العمر ويعقدون المقارنات بين رمضان الماضي والحاضر ومن خلال استراحة الصائم نستذكر أحاديث ومواقف من رمضان مع الوالد عبدالله بن أحمد بن عبد الله البريكي الذي أخبرنا عن أول رمضان أتمّ صيامه ومن شجّعه على الصيام، فيقول: ‏صمت في الصيف في سن السابعة من عمري ولم تكن توجد لدينا كهرباء في تلك السنة قبل 80 سنة من الآن. ‏ومن شدة الحر كنا نذهب إلى النخيل «المزرعة» ونتغطى بلحاف مبلول بالماء من الحوض وعندما يجف اللحاف نعيد الكرة مرة أخرى.

‏والذي أمرنا بالصيام هم والدي ووالدتي وأخوتي الكبار.

وحول عملية تحري رؤية هلال شهر رمضان، ومعرفة وقت دخول الشهر الفضيل أوضح أن ‏كل جماعة في المسجد يقفون بعد صلاة المغرب يتحرون رؤية الهلال، وكذلك الحكومة وضعت متحرين في كل الولايات لتحري الهلال، فإن ثبتت الرؤية تطلق مدفع في كل ولاية وتكون ثلاث طلقات متجهة إلى البحر يسمعها كل أهل الولاية.

وأتذكر في سنة من السنوات كنا صائمين إلى الضحى وأتتنا الأخبار من مركز الولاية أنه لا يوجد صيام وعليكم الإفطار وأنه يوم العيد، وفجأة نقوم بالاستعداد ليوم العيد ونأكل ونشرب ونستمتع بيوم العيد. ‏وفي ثمانينيات القرن الماضي حدث أن صمنا يوم العيد وكانت الشرطة تأتي بمكبرات الصوت وتخبرنا أنه يوم العيد وعليكم الإفطار.

وتابع الوالد عبدالله حديثه عن أيام رمضان في الماضي بقوله: كنا نقضي أوقاتنا في النهار في أعمالنا اليومية، فنحن نكون في المزارع وأصحاب البحر في البحر وأصحاب الجمال عند جمالهم في البر.

‏وغالبا كنا نقرأ القرآن في الليل بعد صلاة العشاء والتراويح، وكان كل بيت تسمع فيه قراءة للقرآن، والبيت الذي لا يعرف أصحابه القراءة يقومون باستئجار اثنين، واحد يقرأ والآخر يستمع وتكون المبادلة بينهما ‏إلى وقت السحور وكنا نقرأ القرآن على سراج أبو سحة أو فنار أبو غاز. ‏‏والغريب من الذي كنا نلاحظه وهو أننا كنا عندما نلعب في الليل نحس أن الدنيا كلها نور وذلك فقط في شهر رمضان المبارك.

وعن الوجبات الرمضانية التي كان الناس بالماضي يتناولونها وقت الإفطار والسحور قال: كنا نفطر على سبع تمرات ونشرب كوبا من اللبن وبعدها نذهب إلى صلاة المغرب وبعد الصلاة نرجع إلى البيت وإذا وجدنا عشاء نتعشى وإن لم نجد نذهب إلى صلاة التراويح بعدها، وكذلك السحور، نتسحر على السمك فقط وبعض الناس المقتدرين يتسحرون على الرز ولبن ‏البقر.

وكانت تمر علينا أوقات صعبة ولكن أصعب أوقات رمضان بالنسبة لنا هي أوقات القيظ أو الصيف فكنا نعمل في «جداد» النخيل وكان هذا العمل شاقا جدا بالنسبة لنا، فالكثير منا يعمل في الجداد والآخرون في اللقاط والبعض في تنقية وترتيب الرطب وغير ذلك من الأعمال.

وبالنسبة للمحاصيل الزراعية، كان ‏المزارع يأكل مما يزرع، والبعض كان يشتري من تلك المحاصيل، وكذلك أصحاب البحر يصيدون الأسماك ولكن الغالب علينا في الحارة أن الجميع يساعد بعضهم البعض، فالغني يساعد الفقير ويتفقد أحواله.

وكان جلب الماء هو من اختصاص النساء فكن يذهبن إلى الآبار العذبة ويحضرن الماء في الخرس ويضعنه في «الحب» وهو وعاء فخاري كبير يحفظ فيه الماء، وهذا «الحب» يكون باردا ويحافظ على درجة حرارة الماء في البيت.

وكان القليل من الناس توجد لديه ساعات، وهي تعتمد على التوقيت العربي يعني أنه بعد أذان المغرب تكون 12، ولكن معظم الأهالي يعتمدون على الغروب للإفطار وعلى النجوم في السحور وفي النهار نعتمد على «ساعة العصا» ونعرف التوقيت من خلالها، وفي وقت الغروب يخرج الأطفال لسماع الأذان ثم يأتون بعد ذلك ركضا ليخبروا أهلهم أن الأذان قد حان.

وعن المظاهر الاجتماعية يقول: كان أفراد الأسرة الواحدة يجتمعون على مائدة الإفطار وقد يشترك معهم في ذلك الجيران، وفي حال وجود ضيف يكون الإفطار جماعيا في المسجد لكل أفراد القرية.

وعن الاستعداد للعيد، أشار البريكي إلى أنهم يقومون بشراء القماش وتقوم النساء بخياطته وأثناء أيام العيد نقوم بتبادل التهاني بين الجميع وبعد ذلك تمشي فرقة العيالة من مصلى العيد إلى بيت الشيخ ويكون الإفطار عبارة عن الرز واللحم فقط في بيت الشيخ أما بقية البيوت فتوجد عندها العصيدة، ثم بعدها نقوم بالزيارات الجماعية لكل بيوت القرية، كذلك كنا نتجمع على الغداء الجماعي في كل يوم لمدة ثلاثة أيام ونقيم بعض الفنون التقليدية كفن الرزحة وركض عرضة الهجن وغيرها من التقاليد.

ويضيف الوالد عبدالله إنه من الذكريات القديمة العالقة في ذهنه وهي ليست متعلقة بالشهر الفضيل ولكنها متعلقة بحدث كبير وقع في القرية، ففي شهر مارس من عام ١٩٦٧م نشب حريق هائل في منطقة ديل آل بريك وكانت بدايته من ديل آل عبدالسلام وكانت وقتها الرياح شديدة مما ساعد على سرعة انتقال الحريق بين المنازل ولم يستطع الناس إخماد الحريق، حيث قاموا بحفر خندق نهاية منطقة ديل آل بريك وبعد وصول النار لذلك الخندق انطفأت، ويضيف الوالد عبدالله أنه أثناء وقوع الحريق ثالث أيام عيد الأضحى المبارك كان الرجال يحيون فعاليات العيد بمركز الولاية، بينما كانت النساء وكبار السن والأطفال داخل المنازل، حيث استطاع الجميع النجاة من النيران الملتهبة وفروا جميعا إلى البحر والبعض الآخر لجأ إلى المزارع وحمل ما يستطيع من أمتعة وبالنسبة للحيوانات فقد التهمتها ألسنة النيران.