أفكار وآراء

التوترات تتصاعد بين أمريكا وروسيا في سوريا

ترجمة - أحمد بن عبدالله الكلباني -

يتجه الجيش الروسي إلى مسلك مرتفع الحدة تجاه الأزمة السورية، وهذا ما يثير التوترات بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، وما يعزز هذه التوترات حدوث تطورات منها إسقاط طائرة دون طيار أمريكية من قبل مقاتلة روسية في البحر الأسود، وهذا ما يثير حقا مخاوف من أن موسكو وواشنطن يسيران نحو مسار تصادمي.

صحيح أن المواجهات الروسية الأمريكية التي تحدث في شمال شرق سوريا ليست جديدة، ولكنها هادئة نوعا ما، ومع التطورات الأخيرة بين القوتين التي حدثت هذا الشهر يخشى عدد من المحللين من أن تثير مناوشات أكثر جدية بين البلدين، وبالتالي يجب إيجاد مسار لخفض هذا التصعيد ومنع حدوث كوارث حرب قد تخرج عن السيطرة.

منذ عام 2015 والجيشان الأمريكي والروسي في حالة عدم استقرار في سوريا، وذلك منذ أن أرسل الكرملين القوات لدعم الحكومة السورية.

أما القوات الأمريكية فقد توجهت إلى سوريا في عام 2014 بهدف مواجهة تنظيم «داعش»، وذلك بالتعاون مع القوات السورية الديمقراطية التي يقودها الأكراد، وإلى اليوم لا يزال في سوريا حوالي 900 من أفراد القوات الأمريكية.

وكان واضحا من قبل المحللين أن يكون هناك صدام بين القوتين الأمريكية والروسية، ومنعًا لهذا الصدام تم إنشاء «قنوات اتصال» في عام 2015 بهدف منع المواجهات العسكرية المباشرة، ولكن ورد تقرير من الولايات المتحدة مفاده أن هناك «سلوك غير مهني» تمارسه القوات الجوية الروسية!

وجاء في التقرير أن الطائرات الروسية تتصرف تصرفًا عدوانيا ضد القواعد العسكرية الأمريكية، وذلك بصورة غير نموذجية، ومن تلك التصرفات -على سبيل المثال- أن الطائرات الروسية تقوم باستطلاعات فوق القواعد الأمريكية كل يوم تقريبا خلال الشهر الماضي، ما يعد انتهاكا واضحا لاتفاقية عدم التضارب بين البلدين.

وجاء بتصريح للجنرال «أليكسوس جرينكوتش» قائد القوات الجوية الأمريكية في الشرق الأوسط: «إن الموقف العدواني لروسيا في سوريا إنما يأتي نتيجة لعودة القادة الروس بعد فشلهم في أوكرانيا».

وأضاف: «هذا بالنسبة لي أمر مقلق للغاية، أعتقد أن بعض هؤلاء القادة يحاولون إعادة سمعتهم من خلال هذا السلوك غير المنضبط، خاصة حينما ألحقت القوات الروسية أضرارا بطائرة أمريكية من نوع SU - 27 في غرب شبه جزيرة القرم مما تسبب في تحطمها في المياه الإقليمية».

وكذلك ورد في بيان للقيادة الأوروبية انتقادٌ لاعتراض الطائرة بدون طيار الأمريكية، وجاء في البيان أن المقاتلة الروسية ألقت الوقود وحلقت بطريقة متهورة أمام الطائرة بدون طيار قبل أن تضرب مروحتها.

في حين نفت وزارة الدفاع الروسية تلك المزاعم، زاعمةً أن زيادة الرحلات الأمريكية بدون طيار قبالة سواحل القرم أمرٌ استفزازي يجب مواجهته بطبيعة الحال.

بالمقابل يجب معرفة الموقع الحساس لشبه جزيرة القرم بالنسبة لروسيا، فهي منطقة كانت تابعة لأوكرانيا، وقد ضمتها روسيا إليها في عام 2014، وتستخدم اليوم قاعدة عسكرية لروسيا في حربها على أوكرانيا، لذلك فإن الطائرات الأمريكية بدون طيار التي تحلق بالقرب من القرم تشكل تهديدا على روسيا، ويعد التصرف الأمريكي «سيئ التقدير» ويؤدي بطبيعة الحال إلى تصعيد التوترات بين روسيا وأمريكا، بل وبين منظمة حلف شمال الأطلسي التي تزيد من دعمها العسكري لكييف.

وتنعكس تلك التوترات القائمة على وضع القوتين في سوريا، بل إن الوضع في سوريا يمثل مخاطر أكبر، ووفق مسؤولين أمريكيين لم تعد القوات الروسية في سوريا تُبلغ القوات الأمريكية بتحركاتها، وذلك في انتهاك صريح لما تم تأسيسه من «قنوات اتصال» أو البروتوكولات التي تطلب من كل طرف إبلاغ الآخر بالتحركات الجوية، خاصة على المناطق التي يسيطر عليها الطرف الآخر.

وهذا ما أدى كذلك إلى مواجهة القوات الأمريكية لطائرة روسية دون طيار اعترضت ما تعتبره القوات الأمريكية مجالها الجوي، وقال مسؤولون إن ذلك من باب التزام القوات الأمريكية بمراقبة مجالها الجوي ورد أي حوادث محتملة لضمان سلامة قواتها على الأرض.

الأمر الذي دفع بالولايات المتحدة إلى تعزيز وجودها العسكري في الشرق الأوسط، ولذلك لمواجهة العدوان الروسي المتزايد في سوريا، فقامت القوات الأمريكية بنشر طائراتها الهجومية قبل الموعد المحدد لذلك، ووجهت أوامرها ببقاء حاملة الطائرات في المنطقة، وهذا الإجراء الأمريكي يؤكد أن واشنطن ستتخذ جميع الإجراءات المتاحة للدفاع عن قواتها وحمايتها في سوريا ومناطق أخرى أكثر اتساعا.

هذه التطورات العسكرية بين الطرفين تزيد حتما من حجم القلق، خاصة في ظل غياب إجراء واضح من الطرفين، مما قد يعني مزيدا من التوترات التي تنعكس على المنطقة العربية بشكل سلبي.

وتؤكد التطورات الأخيرة أن المسار يتجه نحو التصعيد، وفي هذه الأوقات العصيبة التي تتصاعد فيها الأزمات، لا مجال لأدنى سوء فهم، لأن ذلك قد يؤدي إلى أخطاء جسيمة، ومن المهم وجود الأطراف ذوي الحكمة لمنع الكوارث، لأن ما نشهده من تطورات لا تَعِدُ بمستقبل قريب ضامن للسلام، لذلك فإن الوضع بحاجة إلى بروتوكولات صريحة وخريطة واضحة ترسم مسارا لمنع التضارب بين القوتين الأمريكية والروسية، وهناك حاجة ملحة لتفعيل «قنوات الاتصال» ووجود خط هاتف ساخن بين الطرفين، ووجود من يجيب على تلك الاتصالات، لتجنب كارثة محتملة في سوريا.

يجب العمل على مواجهة ذلك، واحتواء التداعيات بين الطرفين اليوم، وإذا ما حدثت مرة أخرى.

حايد حايد كاتب عمود سوري وزميل مشارك استشاري في برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في تشاتام هاوس.

ترجمة خاصة لجريدة عمان نقلا عن «آسيا تايمز»