أعمدة

تحت الشمس: نحو اقتصاد متنوع ومستدام

 
ظل النفط لعقود عديدة المصدر الرئيسي للدخل في الدول الخليجية، فكانت تنفق بسخاء على مشروعات التنمية في مختلف القطاعات: التعليم والصحة والطرقات وأوجدت البنى الأساسية، إذ لا تزال تشكل هذه المشروعات أهمية قصوى للحكومات لمواكبة الاحتياجات.

ولم يكن إيجاد اقتصاد مستدام أولوية بالنسبة لها، وكان الاعتماد شبه كلي على إيرادات النفط، وبقدر ما يكون حجمها يكون الإنفاق، وكلما توسعت في موازناتها، انتابها القلق مخافة أي هزة للأسعار فترتبك جدولة مصروفاتها، ولا حلول سوى ترشيد الإنفاق وتأجيل المشروعات، والسحب من صناديق الاحتياط، وتوقف الترقيات، وتراجع معدلات التوظيف حتى تعود الأسعار لمستوى يمكنها من استئناف الإنفاق.

ففي سلطنة عمان يسهم النفط بنسبة لا تقل عن 80 بالمائة لسنوات طويلة، ولا يخفى على أحد ما وصلت إليه الأمور عندما حلت أزمة تراجع الأسعار التي بدأت بوادرها في نهاية عام 2014 واستمرت لمدة طويلة، وتلاحقت معها أزمة كورونا، فتعاظم الدين العام إلى مستوى غير مسبوق، وجمدت الكثير من المشروعات وتأثر كل شيء، وبقي الوضع المالي يمثل تحديا كبيرا إلى أن تحسنت أسعار النفط وانتهجت الحكومة خطة لاستعادة التوازن المالي مما كان لها الأثر البالغ في تحسن الوضع المالي.

قد تكون مساهمة قطاع النفط الآن أقل عن السنوات السابقة، فحسب تقديرات الموازنة العامة لسنة 2023 تمثل قرابة 67 بالمائة، لكنه لا يزال المصدر الرئيسي وبطبيعة الحال يعد ذلك من أكبر التحديات في سلطنة عمان، وهو أمر توليه الحكومة الآن اهتماما كبيرا، حيث تسعى إلى تحقيق التنويع الاقتصادي وجذب الاستثمار، انطلاقا من رؤية عمان 2040 التي تستهدف بناء اقتصاد متنوع ومستدام من خلال إطلاق العديد من البرامج والمبادرات لتسريع التنويع خصوصا في القطاعات التي حددتها الخطة الخمسية العاشرة، إذ يعد البرنامج الوطني «تنويع» أحد أهم برامج الخطة الذي يستهدف الدفع بالتنويع الاقتصادي في قطاعات التعدين والسياحة والصناعات التحويلية والنقل واللوجستيات والأمن الغذائي بما يتناسب مع التطورات التكنولوجية الحاصلة وبما يضمن استدامتها، ويحقق قيمة مضافة لها.

وجاءت العديد من المبادرات لتعزز هذا التوجه، حيث أطلقت وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار مبادرة 100 فرصة استثمارية في القطاع الصناعي، فضلا عن جهود جهاز الاستثمار في جذب رؤوس الأموال الأجنبية والمحلية، إذ أعلن أمس عن 36 فرصة استثمارية بقيمة 1.5 مليار ريال عماني في قطاعات مختلفة لتمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وهي خطوة في الاتجاه الصحيح لتنويع مصادر الدخل.

تلك الخطط والبرامج بدأت تؤتي ثمارها على الاقتصاد الوطني، كما توضحه المؤشرات، حيث ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية بنهاية 2022 بنسبة 30 بالمائة متجاوزا 44 مليار ريال عماني، وحققت الأنشطة غير النفطية نموا بنسبة 16.9%.

إن الحراك الذي تشهده سلطنة عمان الآن ينبئ بمستقبل باهر، وهي تخطو خطوات ثابتة نحو بناء اقتصاد متنوع ومستدام باستغلال كافة الفرص والإمكانيات المتاحة، في مختلف القطاعات، ومنها الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، ومع الاستمرار في تنفيذ الخطط والاستراتيجيات المدروسة سيتحقق لعمان ما تصبو إليه من تقدم ورفعة، والعيش الكريم للمواطنين.