أفكار وآراء

بعد عشرين عاما لم يزل المدافعون عن حرب العراق مسيطرين

ترجمة: أحمد شافعي -

في وارسو في فبراير الماضي، أدان الرئيس الأمريكي جو بايدن الحرب الروسي غير الشرعي لأوكرانيا بقوله: «إن غزو قوات قوامها مئة ألف لبلد آخر لهو أمر لم يحدث له مثيل منذ الحرب العالمية الثانية». بعد شهر واحد حلت الذكرى العشرون لأكبر كارثة في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية منذ فيتنام، وهي «الحرب الاختيارية» التي شنتها أمريكا على العراق، حيث قام 130 ألف جندي أمريكي بغزو ذلك البلد بهدف الإطاحة بحكومته.

في ضوء حجم تلك الحماقة، مفهوم أن يرغب بايدن في دفنها داخل ثقب في الذاكرة، وبرغم أن الكثير من التعليقات على هذه الذكرى العشرين لم تكن أورويلية نسبة إلى الروائي جورج أورويل صاحب رواية (1948) بقدر تعليق بايدن، لكنها سعت إلى تفسير الكارثة أو تبريرها أو تهوينها. وليس هذا مفاجئا، في ضوء أن معاناة عواقب تلك الحرب لم تكد تشمل أحدا من الجناة، والدعاة، والمهللين الذين قادونا نحن الأمريكيين إليها. بل لقد أعيد تلميع سمعتهم، واستردوا مكاناتهم في مؤسسة السياسية الخارجية في أمريكا.

والغريب أن من قادونا إلى تلك الكارثة مستمرون في السيطرة على منابر إعلامية كبرى، بينما الذين حذرونا منها مبعدون إلى حد كبير في الهوامش.

لم تكن تخطئة حرب العراق بالمهمة اليسيرة. فقد روجت إدارة جورج دبليو بوش لعقيدة «الحرب الوقائية»، واستهزأت بضرورة أن تسعى أمريكا ـ في ذروة اللحظة أحادية القطب ـ إلى طلب تفويض من الأمم المتحدة، أو موافقة من حلفائها في الناتو، أو الانصياع للقانون الدولي.

لقد كان العراق هدفا للمحافظين الجدد لفترة طويلة قبل وقوع هجمات 11 سبتمبر 2001 مثلما أوضح دعاة (مشروع القرن الأمريكي الجديد). إذ بدأ الدفع للحرب بعد ساعات من وقوع الهجمات، برغم حقيقة أن صدام حسين كان عدوا لدودا للقاعدة.

حملة المبيعات

بدأت إدارة بوش حملة لبيع التهديد أي الإقناع به ، بجعله -على حد تعبير وزير الخارجية دين أتشيصن في بداية الحرب الباردة- «أوضح من الحقيقة». وللحصول على استشارات بشأن رسائلها استأجرت الإدارة خبراء محترفين في العلاقات العامة من قبيل شارلوت بيرز ملكة شارع ماديسن، إذ أخذوها مباشرة من الحملات المظفرة بالجوائز لبيع أرز بين وشامبو هيد آند شولدرز. سعى الجميع في الإدارة، نزولا من الرئيس، إلى ربط صدام حسين بـ11 سبتمبر، برغم أنهم لم يمتلكوا أي دليل على رابط لم يكن له أصلا وجود. ثم ركزوا على الخطر الذي تشكله أسلحة الدمار الشامل المملوكة لصدام حسين.

للتغلب على تحليلات المخابرات المركزية، شكَّل نائب الرئيس ديك تشيني مجموعة استخباراته الخاصة، واخترع جون ريندون المتخصص في جماعات الضغط البرلمان الوطني العراقي برئاسة أحمد الجلبي الذي كان يقدم المعلومات الاستخباراتية بحسب الطلب.

برغم إثارة الخوف، واجهت إدارة بوش أضخم مظاهرات سبق تنظيمها ضد حرب قبل بدايتها، في ما أطلقت عليه نيويورك تايمز «القوة العظمى الجديدة».

رفضت ألمانيا وفرنسا وحلف شمال الأطلسي التأييد، واستنكرت الأمم المتحدة العقوبات. لكن صحفيين ومحررين في وسائل إعلام رئيسية رددوا مزاعم الإدارة وسارع منظرون ليبراليون إلى استعراض حميتهم الوطنية.

وانضم ساسة ليبراليون -مع استثناءات قليلة- حفاظا على «مصداقيتهم». وأفلح الوابل اليومي من التشويه والخداع: ففي عشية الحرب، كان ثلثا الأمريكيين يرون أن صدام حسين وراء 11/9، وكان قرابة أربعة أخماسهم يرون أنه على شفا امتلاك أسلحة نووية.

ومن هنا كانت الكارثة. كبدت الحرب الولايات المتحدة 4600 من القتلى، وأكثر من 30 ألف جريح. وتقدر الخسائر العراقية بـ400 ألف، مع رقم مهول يبلغ سبعة ملايين لاجئ وملايين آخرين مهجرين داخل بلدهم. واجتاحت الصراعات الطائفية العراق. وظهر جيل جديد من الجهاديين واستشرى. وحظيت إيران بنفوذ في المنطقة.

لم تتعاف سمعة أمريكا قط حتى يومنا هذا. فأغلب العالم بقي خارج الصراع الروسي الأوكراني، رافضين الغطرسة الأمريكية المنادية «بنظام عالمي قائم على القواعد» باعتباره مراءاة. وانتشر نفوذ الصين في حين تخبطت الولايات المتحدة في حروب لا نهاية لها في الشرق الأوسط. سئم الأمريكيون الحروب التي لا تنتهي بانتصار. وأهدرت الصحافة مصداقيتها. وانفضحت الغطرسة وانعدام المسؤولية في مؤسسة السياسة الخارجية، وكل ذلك أسهم في فوز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية في 2016.

تبرير المأساة

بعد عشرين عاما من بداية حرب العراق، يكافح أنصارها والمدافعون عنها من أجل تبرير المسار الكارثي الذي سلكوه، أو لتخفيف الأحكام وتحقيق ما وصفه الرئيس السابق لاتحاد السياسة الخارجية ريتشارد هاس بـ«الإجماع بعيد المنال على تركة الحرب». فمن المبررات الشائعة أن الحرب كانت خطأ أو مأساة، ولم تكن جريمة. فيقال إن إدارة بوش كانت تعتقد فعلا أن لدى صدام أسلحة دمار شامل، فكان الأمر ـ مثلما كتب هال براندس في فورين أفيرز «مأساة مفهومة، ناجمة عن دافع شريف ومخاوف حقيقية».

وبرغم الافتقار إلى دليل فإن «كتلة حرجة من كبار المسؤولين كلموا بعضهم بعضا حتى صدَّقوا التبرير الأسهل» بحسب ما توصل إليه ماكس فيشر في نيويورك تايمز.

والواقع أن تلك «الحرب الاختيارية» كانت نتاجا للغطرسة، في وقت بلغت فيه الولايات المتحدة ذروة قوتها، إذ قادتها زمرة من المتعصبين الذين احتقروا القانون والدليل و»النظام القائم على القواعد». أو كما قالها وزير الخارجية السابق كولين باول في مراجعته للمواد المقدمة ضمن خطبته أمام الأمم المتحدة «إن هذا هراء».

ذهب آخرون مذهبا مثيرا للضحك بقولهم إن العراق اليوم أفضل حالا بسبب الغزو. لقد كان صدام حسين رجلا سيئا» فـ»هو سلاح الدمار الشامل العراقي الذي لا نزاع فيه» كما يكتب بريت ستيفن في التايمز مبررا دعمه للحرب. وكان التخلص منه نصرة للعراقيين مثلما يقول ستيفن إذ «بات العراق والشرق الأوسط والعالم كله أفضل حالا بعد الخلاص من طاغية خطير». لا يمكن الوصول إلى هذه النتيجة المذهلة إلا بتجاهل الخراب الذي حل على البلد والمنطقة وعلى مصداقية أمريكا. وهي الغطرسة نفسها التي أدت إلى تغيير النظام في ليبيا بما أدى مرة أخرى إلى حرب أهلية دموية. ويشير البعض -من قبيل ديفيد فروم كاتب خطب بوش الذي يقال إنه من صاغ مصطلح «محور الشر» (أي التجميع العجيب للعراق وإيران ـ العدوين اللدودين ـ مع نظام كوريا الشمالية الذي لم تكن له أدنى صلة بأي منهما)- يشير ذلك البعض إلى أن العراقيين هم الذين يتحملون أكثر اللوم. فنحن «قدمنا للعراق مستقبلا أفضل» حسبما كتب فروم في تغريدة جاء فيها أيضا أنه «مهما تكن أخطاء الغرب، كانت الحرب الطائفية خيارا اختاره العراقيون بأنفسهم».

إن ثمن عدم محاسبة مرتكبي تلك الكارثة هو أن رؤيتهم للعالم لم تزل مهيمنة على مؤسسة الأمن الوطني في أمريكا. لقد وصل بايدن إلى الحكم متعهدا بوضع سياسة خارجية تعبِّر عن الطبقة الوسطى، لكنه مضى قدما إلى إعادة تأكيد وهم أمريكا الإمبريالي ـ بأن لدينا الموارد والحكمة والشخصية اللازمة للعب دور الشرطي في العالم، ومواجهة روسيا والصين في عقري داريهما، فضلا عن مطاردة الإرهابيين، وإسقاط القنابل من الطائرات المسيرة في سبعة بلاد، وإرسال القوات إلى أكثر من مئة بلد عبر العالم.

منطقي أن ندين حرب روسيا لأوكرانيا باعتباره انتهاكا للقانون الدولي. لكن ريتشارد هاس -العضو الأصيل في مؤسسة السياسة الخارجية لدينا- يمكن أن يكتب -دونما سخرية في ظاهر القول- إن الدرس المستخلص من العراق لا يتمثل في معارضة الحرب العدوانية وإنما في أن «الحروب الاختيارية ينبغي ألا تتم إلا بالقدر الأقصى من العناية والدراسة للتكاليف والفوائد المحتملة».

مؤكد أن من أهوال حرب العراق المستمرة أنه على الرغم من الكارثة، لم تزل مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية ثابتة ولم تزل رؤيتها للعالم على حالها لم تتغير.

كاترينا فاندين هيوفيل مديرة تحرير مجلة «ذي نيشن» الأمريكية وكاتبة عمود أسبوعي في صحيفة واشنطن بوست.

عن صحيفة آسيا تايمز