مرفأ قراءة... صورة «بيبرس» في الأدب الشعبي كما صورته السيرة
السبت / 9 / رمضان / 1444 هـ - 19:17 - السبت 1 أبريل 2023 19:17
- 1 -
كنا قد تحدثنا في الحلقة السابقة من مرفأ قراءة عن التعريف بسيرة الظاهر بيبرس وطبعاتها وإشارات ولمحات عامة لوضعية الشخصية التي صاغ الوجدان الجمعي الشعبي سيرتها من منظور بطولي خالص في فترة حرجة من فترات تاريخنا العربي والإسلامي وكيف تجسدت وتركزت هموم الشعب العربي والإسلامي وآماله وطموحاته في ذلك الوقت في هذه السيرة التي صورت كفاحا بطوليا متصلا في مواجهة الغزاة من التتار والمغول والصليبيين للحفاظ على أراضي العالم الإسلامي ومقدساته وحمايتها وصونها من اعتداءات هؤلاء الغزاة.
واليوم سنعرف بسيرة الظاهر بيبرس أو السيرة الظاهرية في الأدب الشعبي كما وصلنا النص الكامل الذي أعاد المرحوم جمال الغيطاني طباعته ونشره في سلسلة (أدب الحرب) في منتصف تسعينات القرن الماضي.
سيرة الظاهر بيبرس؛ كما يعرفها المرحوم عبد اللطيف حمزة في دراساته عن الأدب الشعبي في مصر في العصر المملوكي، هي قصة فريدة من قصص الفروسية العربية، جمعت بين الحقيقة والخيال. وجاءت صورة دقيقة من عادات الشعوب التي تحدثت عنها -وأخصها بحكم التكوين والإنشاء الشعب المصري العربي الإسلامي- ومعتقدات هذه الشعوب وما نسب إليها من خرافات وخوارق العادات.
ولقد قام المستشرق البريطاني الشهير إدوارد وليم لين Lane في كتابه المهم (المصريون المحدثون عاداتهم وتقاليدهم) الذي ترجمه إلى العربية عدلي طاهر نور، بتلخيص هذه السيرة من أولها إلى آخرها، والحديث عنها حديثا مفصلا شارحا كأحسن وأوفى ما يكون، خاصة أنه رصد طائفة في مقاهي القاهرة تروي هذه السيرة وتقص أحداثها مساء كل ليلة في حلقات متصلة، وعرف رواة هذه السيرة في الأحياء الشعبية القاهرية والدمشقية في الشام على السواء باسم «الظاهرية».
- 2 -الظاهر بيبرس كما يعرفها لين هي سيرة طويلة تقع في خمسين جزءًا. وقد وصلت القصتان الأخيرتان منها بتاريخ مصر إلى العصر الحاضر (يقصد أواخر القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر كله) ولهذه السيرة فوق ذلك خاتمة تجيش بالعاطفة الوطنية لا القبلية. وفي ذلك ما فيه من مسايرة هذه السيرة لمقتضيات الأحوال وتطور الحياة المصرية ذاتها عبر الأجيال.
وعلى الرغم من ذلك ذهب الباحثون إلى أن القدر لم يقيض لسيرة الظاهر بيبرس من المؤلفين البارعين ما قيضه للخليفة العباسي هارون الرشيد في قصص «ألف ليلة وليلة». فكأن الموهبة القصصية أخذت تضمحل بعد ظهور هذا الكتاب الأخير؛ وهو «ألف ليلة وليلة».
وعلى هذا وذاك فهناك طائفة من القصص الطويلة جدا في «سيرة الظاهر بيبرس»، ولكن من الصعب استخلاصها وروايتها منفصلة عن غيرها.
أما عن تاريخ تأليف هذه السيرة أو الزمن الذي أخذت تتشكل فيه وتتحور حتى وصلت إلى صورتها النهائية التي وصلتنا فمن الصعب تحديده بدقة ذلك أن المؤرخين أو القصاص الذين اشتركوا في تأليفها جيلًا بعد آخر، من الصعب تمييز هذه الوحدات أو الفصل فيها، وبالتالي فمن الصعب كذلك أن يتم البت فيها برأي قاطع واثق.
ومع ذلك، فقد نسبت هذه القصص تارة إلى (ابن الديناري) وإلى أصحابٍ له عاونوه في وضع بعض القصص. كما نسبت تارة أخرى إلى محمد بن دقيق العيد المتوفي سنة 702 هجرية. وإن عرف عن هذا الأخير أنه كان مولعا بالأغاني الشعبية كالأزجال والمواليا أكثر من ولعه بالقصص. ثم نسبت السيرة إلى أشخاص آخرين، وهكذا.
- 3 -ولعل سيرة الظاهر بيبرس من بين السير الشعبية العربية التي وصلتنا التي تطرح بقوة إشكالية الشخصية بين الواقع والخيال، فالظاهر بيبرس كان حاكما مملوكيا عظيما وشهيرا، ولم تغفل كتب التاريخ الرسمي أخباره ووقائع حكمه وحروبه، وقد لا يعنينا كل ذلك بقدر ما يعنينا أن نعرض -ولو سريعًا- لصورة «الظاهر بيبرس» في التاريخ وصورته في الأدب الشعبي وكما خلد سيرته الوجدان الجمعي العربي الإسلامي في تلك الفترة.
الظاهر بيبرس يسمى في السيرة باسم (محمود)، وجعلت له نسبا غريبا. وأضفت عليه السيرة صفة «العروبة»، ونزعت عنه صفة «الجركس» التي له في الحقيقة. وفي هذا كله ما يرضي الذوق العربي والخيال العربي.
وتصور لنا السيرة كذلك كيف أن الظاهر وفد على مصر من حلب الشام والتحق بخدمة الصالح نجم الدين أيوب، وكيف أن كل من كان يلقى (الظاهر) يتنبأ له بمستقبل حسن. وظاهرة التنبؤ تمثل جانبا من حياة المصريين كما يبدو ذلك من المثل الشائع بينهم، وهو قولهم: «الديك الفصيح في البيضة يصيح».
ويوصف الظاهر في التاريخ بأنه أسمر اللون، وبإحدى عينيه بياض. أما السيرة فلم تشر إلى هذا العيب، وإنما وصفته بالذكاء والشجاعة والحسن، وبأنه إذا غضب ظهرت في وجهه «جدريات»، وبدا بين عينيه شبه سبع من اللحم. حتى إذا سكت عنه الغضب ذهب كل أثر لهذه العلامات على اختلافها. وفي إخفاء عيوب الظاهر الجسدية ما يتفق وأذواق المصريين الذين يقربون بأبطالهم من مرتبة الرسل، ويصفونهم بالكمال التام في الخلقة. وربما كان للحديث عن «الجدريات» التي تظهر في وجه بيبرس عند الغضب صلة ما بالحديث عن «الحَسَنة» أو «الخال» من العلامات المميزة لأجساد بعض الناس، بل ربما كانت له صلة كذلك بما تميز به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من أن له «شامة» أو علامة يعرف بها، ولا نظير لها في أجساد سائر الخلق.
- 4 -وقد أسند التاريخ إلى الظاهر بيبرس وظائف محددة، أما في السيرة فهو رئيسٌ لفرقةٍ من المماليك اسمها «الوجاقية»، وهو بمثابة والٍ على مصر من قبل الملك الصالح نجم الدين أيوب، وهو كاشف للجيزة، ثم هو أمير للقدس. وكل هذه الوظائف أُسندت إليه في السيرة قبل أن يستولي على مصر.
كما حرصت «السيرة الشعبية» على أن تجعل في يده الحل والربط، وبقي على هذا زمانا إلى أن أرادت له السيرة وضعًا آخر يخالف الوضع الأول. فقد أضفت السيرة بعد ذلك على شخصية الظاهر بيبرس وضعية الفاتح المجاهد، وجعلته مجرد رمز للدولة لا عمل له إلا الذهاب إلى البلاد المفتوحة بعد الفراغ من فتحها، والانتهاء من المعركة.
أما صفات (الظاهر) النفسية، فالتاريخ يحدثنا أنه كان سياسيًا ماهرًا يعمد أحيانًا إلى اصطناع الدس والمكيدة في سبيل الوصول إلى غايته. والسيرة تصفه لنا بالدهاء، وتصف أعوانه بأنهم أشد منه دهاء، وأوسع حيلة، وأشد مكرا. تريد بذلك أن تقول إن الظاهر بيبرس رجل تغلب عليه (الطيبة) ولذا تنفي عنه صفة التآمر. ولكنها إن وصفته بهذه الصفة ومنحت لنا أنه لا ينجح فيها كل النجاح. مع أن القارئ لمصرع تورانشاه أو قطز لا يسعه إلا أن يتهم الظاهر بيبرس بهذه الصفة الأخيرة التي هي صفة «التآمر».
ثم إن السيرة أسبغت على الظاهر صفة الدين، وجعلت منه وليا من أولياء الله الصالحين. وهو ما يتفق كذلك وطبيعة المصريين وميول المصريين.
كما أسرفت السيرة كذلك في وصف الظاهر بالشجاعة النادرة، وهي الشجاعة التي استطاع بها التغلب على اللصوص وقطاع الطريق، ثم هي الشجاعة التي اقترنت إلى جانب ذلك ببعض الصفات الخلقية العالية التي ارتقت بالظاهر إلى حد «الأسطورة»، وأرضت بذلك خيال القاص وذوق هذا القاص، فضلا على إرضاء أفق التوقع لدى متلقي السيرة من المستمعين المتحلقين حول «الراوي الشعبي».
- 5 -وأخيرا تتفنن السيرة في تكوين أو تشييد الصورة التي مات بها الظاهر بيبرس. فتجعله يموت شهيدًا بعد أداء فريضة الحج وزيارة قبر الرسول صلوات الله وسلامه عليه. وفكرة الشهادة نفسها تريح نفوس المصريين وتتفق وميولهم الدينية العاطفية.
(والخلاصة) في سيرة الظاهر بيبرس أنها سيرة بطل يشاركه أبطال آخرون في محاربة الصليبيين. والأحداث كلها بعد ذلك كرّ وفرّ بين العرب المسلمين من جهة، والصليبيين من جهة ثانية...
(وللحديث بقية)..
كنا قد تحدثنا في الحلقة السابقة من مرفأ قراءة عن التعريف بسيرة الظاهر بيبرس وطبعاتها وإشارات ولمحات عامة لوضعية الشخصية التي صاغ الوجدان الجمعي الشعبي سيرتها من منظور بطولي خالص في فترة حرجة من فترات تاريخنا العربي والإسلامي وكيف تجسدت وتركزت هموم الشعب العربي والإسلامي وآماله وطموحاته في ذلك الوقت في هذه السيرة التي صورت كفاحا بطوليا متصلا في مواجهة الغزاة من التتار والمغول والصليبيين للحفاظ على أراضي العالم الإسلامي ومقدساته وحمايتها وصونها من اعتداءات هؤلاء الغزاة.
واليوم سنعرف بسيرة الظاهر بيبرس أو السيرة الظاهرية في الأدب الشعبي كما وصلنا النص الكامل الذي أعاد المرحوم جمال الغيطاني طباعته ونشره في سلسلة (أدب الحرب) في منتصف تسعينات القرن الماضي.
سيرة الظاهر بيبرس؛ كما يعرفها المرحوم عبد اللطيف حمزة في دراساته عن الأدب الشعبي في مصر في العصر المملوكي، هي قصة فريدة من قصص الفروسية العربية، جمعت بين الحقيقة والخيال. وجاءت صورة دقيقة من عادات الشعوب التي تحدثت عنها -وأخصها بحكم التكوين والإنشاء الشعب المصري العربي الإسلامي- ومعتقدات هذه الشعوب وما نسب إليها من خرافات وخوارق العادات.
ولقد قام المستشرق البريطاني الشهير إدوارد وليم لين Lane في كتابه المهم (المصريون المحدثون عاداتهم وتقاليدهم) الذي ترجمه إلى العربية عدلي طاهر نور، بتلخيص هذه السيرة من أولها إلى آخرها، والحديث عنها حديثا مفصلا شارحا كأحسن وأوفى ما يكون، خاصة أنه رصد طائفة في مقاهي القاهرة تروي هذه السيرة وتقص أحداثها مساء كل ليلة في حلقات متصلة، وعرف رواة هذه السيرة في الأحياء الشعبية القاهرية والدمشقية في الشام على السواء باسم «الظاهرية».
- 2 -الظاهر بيبرس كما يعرفها لين هي سيرة طويلة تقع في خمسين جزءًا. وقد وصلت القصتان الأخيرتان منها بتاريخ مصر إلى العصر الحاضر (يقصد أواخر القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر كله) ولهذه السيرة فوق ذلك خاتمة تجيش بالعاطفة الوطنية لا القبلية. وفي ذلك ما فيه من مسايرة هذه السيرة لمقتضيات الأحوال وتطور الحياة المصرية ذاتها عبر الأجيال.
وعلى الرغم من ذلك ذهب الباحثون إلى أن القدر لم يقيض لسيرة الظاهر بيبرس من المؤلفين البارعين ما قيضه للخليفة العباسي هارون الرشيد في قصص «ألف ليلة وليلة». فكأن الموهبة القصصية أخذت تضمحل بعد ظهور هذا الكتاب الأخير؛ وهو «ألف ليلة وليلة».
وعلى هذا وذاك فهناك طائفة من القصص الطويلة جدا في «سيرة الظاهر بيبرس»، ولكن من الصعب استخلاصها وروايتها منفصلة عن غيرها.
أما عن تاريخ تأليف هذه السيرة أو الزمن الذي أخذت تتشكل فيه وتتحور حتى وصلت إلى صورتها النهائية التي وصلتنا فمن الصعب تحديده بدقة ذلك أن المؤرخين أو القصاص الذين اشتركوا في تأليفها جيلًا بعد آخر، من الصعب تمييز هذه الوحدات أو الفصل فيها، وبالتالي فمن الصعب كذلك أن يتم البت فيها برأي قاطع واثق.
ومع ذلك، فقد نسبت هذه القصص تارة إلى (ابن الديناري) وإلى أصحابٍ له عاونوه في وضع بعض القصص. كما نسبت تارة أخرى إلى محمد بن دقيق العيد المتوفي سنة 702 هجرية. وإن عرف عن هذا الأخير أنه كان مولعا بالأغاني الشعبية كالأزجال والمواليا أكثر من ولعه بالقصص. ثم نسبت السيرة إلى أشخاص آخرين، وهكذا.
- 3 -ولعل سيرة الظاهر بيبرس من بين السير الشعبية العربية التي وصلتنا التي تطرح بقوة إشكالية الشخصية بين الواقع والخيال، فالظاهر بيبرس كان حاكما مملوكيا عظيما وشهيرا، ولم تغفل كتب التاريخ الرسمي أخباره ووقائع حكمه وحروبه، وقد لا يعنينا كل ذلك بقدر ما يعنينا أن نعرض -ولو سريعًا- لصورة «الظاهر بيبرس» في التاريخ وصورته في الأدب الشعبي وكما خلد سيرته الوجدان الجمعي العربي الإسلامي في تلك الفترة.
الظاهر بيبرس يسمى في السيرة باسم (محمود)، وجعلت له نسبا غريبا. وأضفت عليه السيرة صفة «العروبة»، ونزعت عنه صفة «الجركس» التي له في الحقيقة. وفي هذا كله ما يرضي الذوق العربي والخيال العربي.
وتصور لنا السيرة كذلك كيف أن الظاهر وفد على مصر من حلب الشام والتحق بخدمة الصالح نجم الدين أيوب، وكيف أن كل من كان يلقى (الظاهر) يتنبأ له بمستقبل حسن. وظاهرة التنبؤ تمثل جانبا من حياة المصريين كما يبدو ذلك من المثل الشائع بينهم، وهو قولهم: «الديك الفصيح في البيضة يصيح».
ويوصف الظاهر في التاريخ بأنه أسمر اللون، وبإحدى عينيه بياض. أما السيرة فلم تشر إلى هذا العيب، وإنما وصفته بالذكاء والشجاعة والحسن، وبأنه إذا غضب ظهرت في وجهه «جدريات»، وبدا بين عينيه شبه سبع من اللحم. حتى إذا سكت عنه الغضب ذهب كل أثر لهذه العلامات على اختلافها. وفي إخفاء عيوب الظاهر الجسدية ما يتفق وأذواق المصريين الذين يقربون بأبطالهم من مرتبة الرسل، ويصفونهم بالكمال التام في الخلقة. وربما كان للحديث عن «الجدريات» التي تظهر في وجه بيبرس عند الغضب صلة ما بالحديث عن «الحَسَنة» أو «الخال» من العلامات المميزة لأجساد بعض الناس، بل ربما كانت له صلة كذلك بما تميز به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من أن له «شامة» أو علامة يعرف بها، ولا نظير لها في أجساد سائر الخلق.
- 4 -وقد أسند التاريخ إلى الظاهر بيبرس وظائف محددة، أما في السيرة فهو رئيسٌ لفرقةٍ من المماليك اسمها «الوجاقية»، وهو بمثابة والٍ على مصر من قبل الملك الصالح نجم الدين أيوب، وهو كاشف للجيزة، ثم هو أمير للقدس. وكل هذه الوظائف أُسندت إليه في السيرة قبل أن يستولي على مصر.
كما حرصت «السيرة الشعبية» على أن تجعل في يده الحل والربط، وبقي على هذا زمانا إلى أن أرادت له السيرة وضعًا آخر يخالف الوضع الأول. فقد أضفت السيرة بعد ذلك على شخصية الظاهر بيبرس وضعية الفاتح المجاهد، وجعلته مجرد رمز للدولة لا عمل له إلا الذهاب إلى البلاد المفتوحة بعد الفراغ من فتحها، والانتهاء من المعركة.
أما صفات (الظاهر) النفسية، فالتاريخ يحدثنا أنه كان سياسيًا ماهرًا يعمد أحيانًا إلى اصطناع الدس والمكيدة في سبيل الوصول إلى غايته. والسيرة تصفه لنا بالدهاء، وتصف أعوانه بأنهم أشد منه دهاء، وأوسع حيلة، وأشد مكرا. تريد بذلك أن تقول إن الظاهر بيبرس رجل تغلب عليه (الطيبة) ولذا تنفي عنه صفة التآمر. ولكنها إن وصفته بهذه الصفة ومنحت لنا أنه لا ينجح فيها كل النجاح. مع أن القارئ لمصرع تورانشاه أو قطز لا يسعه إلا أن يتهم الظاهر بيبرس بهذه الصفة الأخيرة التي هي صفة «التآمر».
ثم إن السيرة أسبغت على الظاهر صفة الدين، وجعلت منه وليا من أولياء الله الصالحين. وهو ما يتفق كذلك وطبيعة المصريين وميول المصريين.
كما أسرفت السيرة كذلك في وصف الظاهر بالشجاعة النادرة، وهي الشجاعة التي استطاع بها التغلب على اللصوص وقطاع الطريق، ثم هي الشجاعة التي اقترنت إلى جانب ذلك ببعض الصفات الخلقية العالية التي ارتقت بالظاهر إلى حد «الأسطورة»، وأرضت بذلك خيال القاص وذوق هذا القاص، فضلا على إرضاء أفق التوقع لدى متلقي السيرة من المستمعين المتحلقين حول «الراوي الشعبي».
- 5 -وأخيرا تتفنن السيرة في تكوين أو تشييد الصورة التي مات بها الظاهر بيبرس. فتجعله يموت شهيدًا بعد أداء فريضة الحج وزيارة قبر الرسول صلوات الله وسلامه عليه. وفكرة الشهادة نفسها تريح نفوس المصريين وتتفق وميولهم الدينية العاطفية.
(والخلاصة) في سيرة الظاهر بيبرس أنها سيرة بطل يشاركه أبطال آخرون في محاربة الصليبيين. والأحداث كلها بعد ذلك كرّ وفرّ بين العرب المسلمين من جهة، والصليبيين من جهة ثانية...
(وللحديث بقية)..