التداوي بالفلسفة، معضلات تعالجها الفلسفة..
رحلة بين دفتين
السبت / 9 / رمضان / 1444 هـ - 14:04 - السبت 1 أبريل 2023 14:04
التداوي بالفلسفة
'الفلسفة هي السلم الذي ارتقته الحضارة المعاصرة صعودا متدرجا نحو تحسين قدرة الإنسان المعاصر على التفكير في مواجهة الأوهام، وتحسين قدرته على التعايش في مواجهة الشقاء، وتحسين قدرته على التعايش في مواجهة عنف الإنسان ضد أخيه الإنسان. هذا الأفق قد لا يُدرك معظمه، غير أنه الأفق الذي لا بديل عنه سوى الهمجية والانحطاط'.
يُصارع الإنسان في حياته معضلات ومآسي بشتى أنواعها، فمنها الفقد والمرض والحرب والخذلان والحزن والخيبة والإفلاس وغيرها من الصعوبات التي قد تمر على أي إنسان في هذه البسيطة، وربما إذا ما انفرجت أزمة ظهرت أزمة أخرى في طريقه أَعسرُ وأمّر من تلك التي تيسرت، هل يمكن للفلسفة أن تعيش معنا؟ أم أن الفلسفة ترف لا يعيشها إلّا المترفون؟ وهنا نأتي للسؤال الذي ساقه الأستاذ سعيد ناشيد والذي وصفه بالسؤال الجذري 'ما الذي يمكن أن تقوله الفلسفة لمن يعيش الحياة في ظروف شديدة القسوة والضراوة؟'
إن الفلسفة اصطلاحا ليست أمرا شائكا عسيرا كما يزعم البعض، فالفلسفة باختصار هي 'حب الحكمة' في أصلها اللغوي المشتق من اليونانية، ومنذ بزوغ الفلسفة وتدوين تاريخها الذي بدأ قبل الميلاد، إلّا أن أسئلة الفلسفة لم تعرف يوما الهدوء في مدارسها المتنوعة في السعي للإجابة عن كل سؤال مطروح أو حتى طرح سؤال جديد من قبل الفلاسفة أنفسهم وكأنما الفلسفة تُنعش نفسها بنفسها، وعلى تعبير الأستاذ سعيد ناشيد في مقدمة كتابه 'التداوي بالفلسفة': 'هناك أسئلة تطرحها الفلسفة، وهناك أسئلة مطروحة على الفلسفة'.
ما سعى له الكاتب ابتداء هو ليس الابتذال والنظر للحياة بنظرة علوية متكبرة استعلائية، بل هي نظرة استقرائية يطرح فيها الكاتب الأسئلة في جميع فصوله الإثني والعشرين ومن بعدها يجيب بكل سلاسة واقتدار عن كل فصل سواء كان ذلك الجواب مما أجاب عليه الفلاسفة من قبل أم مما جادت به قريحته الفلسفية العميقة، ولا أراني أبالغ إن قلت إن الكاتب كما وصف ابتداء أن 'هذا الكتاب قبل أن يكون كتابي فهو كتاب لي، كتبته لنفسي أولا. ومن يدري! لربما في أعماق كل واحد منا يمكننا أن نصادف البشرية جمعاء'، وهنا يكمن جمال الكتاب بحيث تراه يعيش فينا بكل سطوره وكلماته ولا أجمل من أن ترى حياتك بكل ذبذباتها المتراكمة وبكل لحظاتها السعيدة والحزينة مسطرة في كتاب تقول وأنت تعيش في صفحاته مخاطبا روحك وذاتك ها أنا ذا.
الأمل وجهة نبنيها نحن البشر على المدى الطويل، نعيش بتلك الآمال ونحيا بها، الأمل نوع من أنواع الرغبات الحالمة الخيالية في تحقيق الذات وإخراسها وربما الآمال تكون إحالة لما نعيشه من فشل في تحقيق ما نبتغيه في الحياة وهنا وكما يشير الكاتب إلى أنه 'نتحدث عن الأمل الكاذب على وجه التحديد'، نلجأ للأمل الكاذب كنوع من الإحالة هربا من الواقع المخيف نكتسي بأمل عودة المفقود من اللاشيء ربما وهذا على سبيل المثال، ومن هنا قد نفهم ما يشير له الكاتب نقلا عن نيتشه 'كان اليونانيون يعتبرون الأمل شر الشرور؛ الشر الأكثر مكرا وخداعا: فالشر هو ما تبقى في قاع الجرة' ومن الأحرى أن ندرك أنه ما إن نتحرر من سجن الأمل فإننا نحرر أنفسنا بصورة كلية لحياة جديدة نبدأ فيها خطواتنا من جديد، ليس وكأن شيئا لم يكن بل لأننا لم نعد نخشى شيئا لم يعد هنالك ما يثير فينا هواجس القلق والوسواس، لم نعد نصارع لأمل لا وجود له، ومن المهم أن نعي بأنه حتى في الأيديولوجيات الخلاصية رسم الكاتب خطا عجيبا بقوله 'قد يكون مبدأ الأمل عامل استقطاب كبيرا، لكنه سرعان ما يصبح لغما ينتج العنف، ولو بعد حين'، وفي السطور الختامية لفصل 'قد لا نحتاج إلى الأمل' يلتقط الكاتب مقولة شهيرة مكتوبة على شاهد قبر الروائي اليوناني الشهير نيكوس كازانتزاكيس 'لا آمل شيئا، لا أخشى شيئا، أنا حرّ'.
جاء في الشعور المأساوي بالحياة لكاتبه الإسباني ميغيل دي أونامونو المتوفى عام 1936 للميلاد أن الحب هو الأساس المدمر لكل شيء، وأن الحب أنانية متبادلة بين المتحابين، بيد أن سعيد ناشيد لا يرى الحب كمنطقتين إحداهما بيضاء تلمع فيها سيرة الحب وكأنه سحر فائض رقيق تنجلي فيه كل معاني الغربة والخذلان، والمنطقة الأخرى كمنطقة ميغيل السوداء التي يصور فيها الحب كعذاب وشر مطلق مدمر، بل يرى أن الحب شعور متنام متطور مع التجربة البشرية وأصبح اليوم الحب شيئا شبيها بالسحر كمجازه وعلى سبيل المثال وكما أورد الكاتب 'لقد فهم الإنسان المعاصر معنى القمر، فهو مجرّد كتلة صخرية شاحبة وجرداء. لذلك لم يعد القمر يلهم الشعراء والعشاق كما كان في الأزمنة القديمة'، وهنا ينجلي لنا ليس معنى الحب بالضرورة، بل سر الحب الذي عكف بعض الفلاسفة على عدم إسدال الستار عنه، لأنه ما الحب بلا سره؟
وفي ختام هذا المقال الذي لا يوفي للكتاب حقه، لست بمن يوصي أو يتعصب لرأي أو كاتب، ولكن أدعو للتأمل في الفلسفة وجذورها وبياناتها المتنوعة كأمل بسيط نعيش فيه اليوم يوسع لدينا البناء الحضاري الذي يسهم في وحدة الإنسان وتقدم حضارته وينبذ عنها العنف وقذارته، في تجليات هذا الكتاب ستجد 'دفاعا عن الحياة البسيطة، وفق بوح سبق إليه نيتشه بتواضع حين قال: إن نمط الحياة البسيطة هدف بعيد للغاية بالنسبة لي، وسأنتظر حتى يأتي أناس أكثر حكمة مني ليعثروا بنا عليه'
فما الحياة البسيطة؟
يُصارع الإنسان في حياته معضلات ومآسي بشتى أنواعها، فمنها الفقد والمرض والحرب والخذلان والحزن والخيبة والإفلاس وغيرها من الصعوبات التي قد تمر على أي إنسان في هذه البسيطة، وربما إذا ما انفرجت أزمة ظهرت أزمة أخرى في طريقه أَعسرُ وأمّر من تلك التي تيسرت، هل يمكن للفلسفة أن تعيش معنا؟ أم أن الفلسفة ترف لا يعيشها إلّا المترفون؟ وهنا نأتي للسؤال الذي ساقه الأستاذ سعيد ناشيد والذي وصفه بالسؤال الجذري 'ما الذي يمكن أن تقوله الفلسفة لمن يعيش الحياة في ظروف شديدة القسوة والضراوة؟'
إن الفلسفة اصطلاحا ليست أمرا شائكا عسيرا كما يزعم البعض، فالفلسفة باختصار هي 'حب الحكمة' في أصلها اللغوي المشتق من اليونانية، ومنذ بزوغ الفلسفة وتدوين تاريخها الذي بدأ قبل الميلاد، إلّا أن أسئلة الفلسفة لم تعرف يوما الهدوء في مدارسها المتنوعة في السعي للإجابة عن كل سؤال مطروح أو حتى طرح سؤال جديد من قبل الفلاسفة أنفسهم وكأنما الفلسفة تُنعش نفسها بنفسها، وعلى تعبير الأستاذ سعيد ناشيد في مقدمة كتابه 'التداوي بالفلسفة': 'هناك أسئلة تطرحها الفلسفة، وهناك أسئلة مطروحة على الفلسفة'.
ما سعى له الكاتب ابتداء هو ليس الابتذال والنظر للحياة بنظرة علوية متكبرة استعلائية، بل هي نظرة استقرائية يطرح فيها الكاتب الأسئلة في جميع فصوله الإثني والعشرين ومن بعدها يجيب بكل سلاسة واقتدار عن كل فصل سواء كان ذلك الجواب مما أجاب عليه الفلاسفة من قبل أم مما جادت به قريحته الفلسفية العميقة، ولا أراني أبالغ إن قلت إن الكاتب كما وصف ابتداء أن 'هذا الكتاب قبل أن يكون كتابي فهو كتاب لي، كتبته لنفسي أولا. ومن يدري! لربما في أعماق كل واحد منا يمكننا أن نصادف البشرية جمعاء'، وهنا يكمن جمال الكتاب بحيث تراه يعيش فينا بكل سطوره وكلماته ولا أجمل من أن ترى حياتك بكل ذبذباتها المتراكمة وبكل لحظاتها السعيدة والحزينة مسطرة في كتاب تقول وأنت تعيش في صفحاته مخاطبا روحك وذاتك ها أنا ذا.
الأمل وجهة نبنيها نحن البشر على المدى الطويل، نعيش بتلك الآمال ونحيا بها، الأمل نوع من أنواع الرغبات الحالمة الخيالية في تحقيق الذات وإخراسها وربما الآمال تكون إحالة لما نعيشه من فشل في تحقيق ما نبتغيه في الحياة وهنا وكما يشير الكاتب إلى أنه 'نتحدث عن الأمل الكاذب على وجه التحديد'، نلجأ للأمل الكاذب كنوع من الإحالة هربا من الواقع المخيف نكتسي بأمل عودة المفقود من اللاشيء ربما وهذا على سبيل المثال، ومن هنا قد نفهم ما يشير له الكاتب نقلا عن نيتشه 'كان اليونانيون يعتبرون الأمل شر الشرور؛ الشر الأكثر مكرا وخداعا: فالشر هو ما تبقى في قاع الجرة' ومن الأحرى أن ندرك أنه ما إن نتحرر من سجن الأمل فإننا نحرر أنفسنا بصورة كلية لحياة جديدة نبدأ فيها خطواتنا من جديد، ليس وكأن شيئا لم يكن بل لأننا لم نعد نخشى شيئا لم يعد هنالك ما يثير فينا هواجس القلق والوسواس، لم نعد نصارع لأمل لا وجود له، ومن المهم أن نعي بأنه حتى في الأيديولوجيات الخلاصية رسم الكاتب خطا عجيبا بقوله 'قد يكون مبدأ الأمل عامل استقطاب كبيرا، لكنه سرعان ما يصبح لغما ينتج العنف، ولو بعد حين'، وفي السطور الختامية لفصل 'قد لا نحتاج إلى الأمل' يلتقط الكاتب مقولة شهيرة مكتوبة على شاهد قبر الروائي اليوناني الشهير نيكوس كازانتزاكيس 'لا آمل شيئا، لا أخشى شيئا، أنا حرّ'.
جاء في الشعور المأساوي بالحياة لكاتبه الإسباني ميغيل دي أونامونو المتوفى عام 1936 للميلاد أن الحب هو الأساس المدمر لكل شيء، وأن الحب أنانية متبادلة بين المتحابين، بيد أن سعيد ناشيد لا يرى الحب كمنطقتين إحداهما بيضاء تلمع فيها سيرة الحب وكأنه سحر فائض رقيق تنجلي فيه كل معاني الغربة والخذلان، والمنطقة الأخرى كمنطقة ميغيل السوداء التي يصور فيها الحب كعذاب وشر مطلق مدمر، بل يرى أن الحب شعور متنام متطور مع التجربة البشرية وأصبح اليوم الحب شيئا شبيها بالسحر كمجازه وعلى سبيل المثال وكما أورد الكاتب 'لقد فهم الإنسان المعاصر معنى القمر، فهو مجرّد كتلة صخرية شاحبة وجرداء. لذلك لم يعد القمر يلهم الشعراء والعشاق كما كان في الأزمنة القديمة'، وهنا ينجلي لنا ليس معنى الحب بالضرورة، بل سر الحب الذي عكف بعض الفلاسفة على عدم إسدال الستار عنه، لأنه ما الحب بلا سره؟
وفي ختام هذا المقال الذي لا يوفي للكتاب حقه، لست بمن يوصي أو يتعصب لرأي أو كاتب، ولكن أدعو للتأمل في الفلسفة وجذورها وبياناتها المتنوعة كأمل بسيط نعيش فيه اليوم يوسع لدينا البناء الحضاري الذي يسهم في وحدة الإنسان وتقدم حضارته وينبذ عنها العنف وقذارته، في تجليات هذا الكتاب ستجد 'دفاعا عن الحياة البسيطة، وفق بوح سبق إليه نيتشه بتواضع حين قال: إن نمط الحياة البسيطة هدف بعيد للغاية بالنسبة لي، وسأنتظر حتى يأتي أناس أكثر حكمة مني ليعثروا بنا عليه'
فما الحياة البسيطة؟