«عمان» تطرح تساؤلا: لماذا تحقق الكوميديا جماهيرية أكبر؟!
بين الأعمال المسرحية والسينمائية والدرامية
الأربعاء / 15 / شعبان / 1444 هـ - 21:48 - الأربعاء 8 مارس 2023 21:48
محمد خير الجراح: الممثل الجيد يمكن أن يؤدي دورا كوميديا إذا استطاع المخرج توظيفه بالمكان والطريقة الصحيحة -
يوسف الجراح: الفنان الخليجي الكوميدي يضع في باله احترام الجمهور وتقديم ما يلائم ذوقه العام -
محمد الملا: مشاهدة المأساة أو الهموم على المسرح في قالب كوميدي تهوِّن من حجم القضية -
يوسف بوهلول: إضحاك الناس بالكوميديا المسفة أمر سهل لكنه غير متقبل عمومًا -
خالد البريكي: لا يمكن أن نعطي العمل التراجيدي سوداوية مطلقة.. واللجوء إلى الكوميديا أمر مهم -
هشام صالح: الكوميديا فن فطري يحمله بعض الفنانين بروح عفوية بعيدا عن جو التصنع -
يتجه غالب الجمهور في كثير من الأحيان إلى الأعمال الكوميدية التي تبعث في النفس البهجة والضحك، أعمال مسرحية أو سينمائية أو مسلسلات تلفزيونية، حتى وإن كانت تلك الأعمال في مجملها أعمالا تراجيدية أو أعمالا درامية، فإن الشخصيات الكوميدية فيها تحقق نجومية عالية، ويتشوق المشاهدون لرؤيتها لكسر حاجز التراجيديا أو الحكاية السوداوية، فمن تابع سلسلة «باب الحارة» ولم تُضحكه شخصية «أبو بدر»، ومن تابع مسلسل «من شارع الهرم إلى..» ولم تضحكه المواقف الكوميدية فيه رغم الحكاية التراجيدية العامة للعمل، ومن منا لم يتعلق بمسلسل «طاش ما طاش» الباقي في الذاكرة الجمعية إلى اليوم، وعلى المستوى المحلي بقيت مسلسلات خالدة في الذاكرة وشخصيات لا يزال يُضرب بها المثل مثل «الشايب خلف»، و «سلوم الحافي».
تلك الأعمال والشخصيات المذكورة آنفًا لم تحقق جماهيرية إلا بعد نجاحها في صنع الضحكات على وجوه المتلقين، فليس أي عمل كوميدي يستطيع إضحاك الناس، فهناك شعرة دقيقة بين المضحك والسخيف، فهل كل عمل كوميدي ناجح؟ وهل كل فنان يستطيع تأدية الدور الكوميدي؟ وهل من السهولة إضحاك الناس؟
«عمان» التقت بمجموعة من الفنانين العرب للإجابة عن تلك التساؤلات، فإلى ما قالوا:
أنواع الكوميديا
الفنان السوري محمد خير الجراح، نجم مسلسل «باب الحارة» حدثنا عن الكوميديا في لقاء مباشر معه، فقال: «بشكل عام تعاني بلداننا العربية من أزمات متعددة وطويلة الأمد، سياسية كانت أو اقتصادية أو غيرها، إضافة إلى ضغوط الحياة اليومية، فالناس بحاجة في معظم الأوقات إلى تنفيس وجداني إنساني لتفريغ الضغوطات، فتأتي الكوميديا لتكون ذات أثر كبير جدا في إعطاء المتلقي العربي الراحة النفسية والترفيه الذي يكسر هذا الجمود».
وتابع الفنان محمد الجراح: «في الفن بشكل عام، وبالمسرح الكلاسيكي خصوصا، نرى أنه في قلب العمل التراجيدي هناك مساحة من الكوميديا، ويمكن استعراض نماذج مسرحية كثيرة أدخلت المساحة الكوميدية في العمل التراجيدي، مثلا أعمال شكسبير المسرحية الكبيرة دائما هناك شخصية مهرج تبعث على الضحك، حتى في العروض اليونانية القديمة التي كانت تمتد لأكثر من 5 ساعات، هناك فواصل كوميدية بين المشاهد، ولو لم تكن من صميم النص المسرحي، وذلك للتخفيف على الجمهور، وهذا ما يحدث في الأعمال الدرامية، فالشخصيات الكوميدية فيها ولو كانت ذات مساحة صغيرة، فإنها تصنع لها نجومية، أنت الآن تأخذني بالحديث عن مسلسل (باب الحارة)، وعن سر شخصية (أبو بدر) الذي قمت بتأديته، فهذه الشخصية تكمن في الذكاء الكبير للأستاذ بسام الملا، حيث استغل هذه النقطة لإراحة المشاهد من الشد والجذب الحاصل في أحداث المسلسل من خلال شخصية أبو بدر، كأنه يعيد المشاهد إلى نقطة الراحة النفسية والبهجة، وهو بمثابة تنشيط للمشاهد، لمواصلة الأحداث الكبيرة فيما بعد، لذلك الكوميديا تثبت في عقول الناس إذا تم تأديتها بشكل صحيح».
وحول تأدية الدور الكوميدي، قال الجراح: «للكوميديا أنواع متعددة، ليس بالضرورة أن يكون الممثل طريفا بواقعه حتى يؤدي الدور الكوميدي، هناك كوميديا تعتمد على (الكركتر) أو الشخصية، وهناك كوميديا تعتمد على الطرفة التي تأتي من خلال النص والحوار، وهناك كوميديا الموقف، أنا أعتقد أنه في كوميديا الموقف أي ممثل في الدنيا يمكنه تأدية هذا الدور، ولكن يجب على المخرج إدارة الموقف من خلال المفارقة بين الشخصيات وردات الفعل على المواقف الاستثنائية غير البديهية والمتوقعة، وهذا ما يصنع الضحك لدى المشاهد، لذلك شاهدنا محمود المليجي مضحكا رغم أنه معروف بأدواره الشريرة، وهناك أمثلة أخرى كثيرة، وهناك كوميديا تعتمد على المبالغة في الحركات، وهناك كوميديا المفارقة مثل شخصية مستر بين الصامتة، أعتقد أن أي ممثل جيد يمكنه أداء دور كوميدي إذا استطاع المخرج توظيفه بالمكان والطريقة الصحيحة».
توظيف الكوميديا
وفي لقاء مع الفنان السعودي يوسف الجراح نجم مسلسل «طاش ما طاش»، قال عن الكوميديا: «أسَوّغ الإقبال على الأعمال الكوميدية، فالناس دائما تريد ما يضحكها ويبعث في نفسها السرور، خصوصا إذا كانت مقرونة بقصة جميلة، وهل هناك أجمل من صنع الابتسامة على وجوه الآخرين، من خلال الكلمة الجميلة أو الروح المرحة التي تفرج على الناس همومهم، والكوميديا كل ما كانت جميلة وراقية يتقبلها الناس ويريدونها، فليس هناك أجمل من الضحكة».
وحول تضمين العمل التراجيدي مشاهد كوميدية، قال: «هناك أهمية كبيرة لتوظيف الكوميديا في الأعمال التراجيدية، خاصة الأعمال التي تحاكي قصص المجتمع، فالمجتمع رغم مآسيه يضحك بطبيعة الحال، إذ يتعرض للمواقف المضحكة، لذلك تضمين الكوميديا في الأعمال أيا كانت هو نوع من كسر الجمود، وهو أمر مهم جدا، ولكن ينبغي أن نؤكد على ضرورة توظيف الشخصيات الكوميدية بالطريقة الصحيحة».
وتابع: «جمهور اليوم غير جمهور الأمس غير جمهور المستقبل، والطرفة اليوم يجب أن تُدرس بشكل جيد وشكل جميل حتى يتذكرها الناس، وهذا ما يسمى بالكوميديا ذات البصمة».
وسألنا الفنان يوسف الجراح عن الاشتراطات التي يجب أن تتوفر بالممثل الكوميدي، فقال: «لا يمكن أن أقول إن هناك اشتراطات للشخصية التي تؤدي الدور الكوميدي، فلا السمين يضحك ولا النحيف يضحك؛ لأنه سمين فقط أو نحيف، الموضوع يرجع إلى الحكاية، وهناك فنانون في داخلهم الروح المرحة من الأساس، وهذا ما يساعد على تأدية الدور الكوميدي، ولا أعني أن غيرهم من الممثلين لا يستطيعون تأدية الدور الكوميدي، فالموضوع يرجع إلى النص وإلى التأدية».
واسترسل الفنان السعودي بالحديث قائلا: «بالأعمال الكوميدية الخالصة هناك نجم أو نجمان أساسيان، أما البقية فهم مساندون أو مساعدون لأحداث العمل، وفي رأيي لا يوجد هناك عمل يكون طاقمه كله من نجوم الكوميديا، وهناك مشكلة كبيرة جدا تحدث في المسرحيات الكوميدية بشكل خاص؛ لأن المشاركين يحاولون الخروج عن النص لتمرير كلمة في سعي منهم إلى صنع نجومية، ولكن إذا كان الأمر غير مدروس فقد يصنع نتيجة عكسية، ذلك فإن تلك المحاولات قد تجاوز الخطوط الحمراء أو تصنع خللا في النص العام أو تحدث مشكلة لا يعيها الفنان».
واختتمنا حديثنا مع الفنان يوسف الجراح بسؤاله عن رأيه في نوع من المسلسلات الكوميدية التي تعتمد على الارتجال بشكل عام، قائلا: «هو لون من ألوان الكوميديا الحديثة إذا صح لنا تسميتها، ولكن لا يمكن القول إنها دون نص، فهناك نص عام بكل تأكيد تدخل عليها كوميديا الموقف والحوارات اللحظية، وقد تنجح هذه الأعمال في تقبل الجمهور وتنجح في إضحاكه، ولكن كن على ثقة أن الفنان الخليجي الكوميدي يضع في باله احترام الجمهور، وتقديم ما يلائم ذوقه العام دون تجريح أو إسفاف».
أشهر الفنون
في حين قال الفنان المسرحي القطري محمد الملا: «لطالما شهدت الأعمال الكوميدية سواء في المسرح أو السينما إقبالا جماهيريا في العقود الأخيرة، حيث إن الكوميديا هي أشهر الفنون من عصور الإغريق إلى اليوم، والكوميديا هي أكثر الفنون رغبة في العالم بأسره، وفي الوطن العربي، إذ تحتل مكانة كبيرة عند المتلقي العربي؛ لأن الشعوب العربية مرت بفترات عصيبة من حروب وثورات وظواهر طبيعية وأوبئة، لذا فإن الأعمال الكوميدية تساعد على الترفيه النفسي، خاصة إذا كانت أعمالا كوميدية تترجم مأساة العالم العربي في قالب درامي مسرحيا كان أو تلفزيونيا يعكس الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لذلك تكون هي أقرب للشعب ومصدر إلهام لهم».
وتابع الملا: «بالإضافة إلى ما سبق، نلاحظ دائما في الأعمال الكوميدية أنه يتم طرح موضوعات حساسة في قالب مضحك، وعليه فإن الأعمال الكوميدية دائما يلجأ إليها الجمهور للاستمتاع والضحك؛ لكسر حدة الواقع، ووسيلة للتخفيف عن الهموم والمشاكل، ومشاهدة مأساتهم أو هموهم على المسرح في قالب كوميدي يجعل القضية صغيرة وهينة في أعين المتلقين، وقد يضع المؤلفون حلًا أو موعظة لهذه المأساة تساعد المتلقي في حل مشاكله، فالمسرح منذ قديم الأزمنة وُجِد للترفيه والتعبير عن الرأي».
بين الرقي والإسفاف
وبدوره، قال الفنان البحريني يوسف بوهلول: «لنقُل أولا إن هناك مسارين للكوميديا الجماهيرية، كوميديا راقية، وكوميديا مُسفَّة، لذلك نلحظ أنه ليس بالضرورة أن يحقق العمل الكوميدي نجاحا كبيرا فقط لكونه كوميديا، أنا ضد الكوميديا المسفة، والمجتمع كذلك ضدها بشكله العام، لا أتحدث عن فئة بسيطة تقبل هذا النوع من الكوميديا، ولكني أتحدث عن جمهور عام، خاصة المجتمع العربي، أنْ تُضحك الناس بالكوميديا المسفة أمر سهل، لكنه غير متقبل بشكله العام، ولكن الكوميديا الراقية التي تنجح في إضحاك الناس هي التي تحقق جماهيرية أوسع ويتعطش لها الجمهور، وهي الكوميديا التي تستطيع إيصال الرسائل بطريقة طريفة».
وأضاف الفنان يوسف بوهلول: «إضحاك الجمهور ليس بالأمر السهل، كما أن إضحاك جمهور اليوم ليس هو نفسه إضحاك جمهور الغد، لذلك على الممثل الكوميدي أن يحقق معادلة صعبة، وهي الموازنة بين الروح الكوميدية لدى الفنان نفسه، وبين النص الكوميدي المدروس، وبين الطريقة في طرح الحوار أو الموقف، وبين لغته، وكل ذلك يجب أن يقدم بصورة عفوية بعيدة عن التكلف، فالجمهور اليوم يعي متى يتصنع الفنان، ومتى يقل عنده رتم الكوميديا، وهناك شعرة بين ما هو مضحك فعلا، وبين ما هو غير مضحك، خلاصة الحديث أن الكوميديا ليست سهلة».
النصوص المبتكرة
وحدثنا الفنان السعودي خالد البريكي عن الكوميديا بقوله: «يتجه الجمهور إلى الكوميديا رغبة منه في الابتعاد عن النصوص المكررة، لذلك لجأ المتلقي إلى الأعمال الكوميدية، وإذا تحدثنا عن التلفزيون فإن الجمهور اليوم لا يتابعه، وأعني هنا المحطات التلفزيونية إلا نسبة قليلة جدا وأعمار معينة، فالأعمال التلفزيونية لم تعد بقوتها كما كانت في السابق، والشباب -وهم الأغلب- يتابعون المنصات، في هواتفهم أو حواسيبهم أو الأجهزة اللوحية، أو التلفزيونات الذكية، لذلك اتسعت مدارك المتلقي، فلم يعد يشده العمل التقليدي، فعندما يشاهد عملا مكررا في فكرته فإن العزوف عنه من أسهل ما يكون في ظل التنوع الكبير في تلك المنصات، فهناك أعمال من مختلف دول العالم تستطيع استفزاز الجمهور، وشد انتباهه من خلال الأفكار الفريدة والغريبة التي يتطلع لها المتلقي».
وتابع البريكي: «رأيي في النصوص التي ترد إلينا أنها نصوص عادية جدا، ومملة إذ بها تفاصيل، لذلك يلجأ غالب الجمهور إلى المواد المضحكة، ليس لكونها مضحكة فقط، بل هناك أمر أعمق، يتمثل في أن الكوميديا عبارة عن ابتكار لموقف أو جملة أو حركة غير مكررة، فنجد المقاطع الكوميدية القصيرة تحقق انتشارا كبيرا، بالإضافة إلى الهدف في الابتعاد عن الحزن وضغوط الحياة المتنوعة».
وعن أهمية وجود عنصر الكوميديا في الأعمال التراجيدية، قال الفنان خالد البريكي: «هي طبخة فنية، فلا يمكن أن نعطي العمل التراجيدي سوداوية مطلقة، فاللجوء إلى الوسطية مهم، واللجوء إلى الكوميديا التي تكسر السوداوية كذلك أمر مهم، يمكن أن أشبّه ذلك بتناول التمر حبة تلو الأخرى، يحتاج المرء إلى كسر هذا الطعم الحلو بالقهوة، وكذلك الأعمال التراجيدية تحتاج إلى هذا الكسر، ولكن بشرط أن يكون توظيفه صحيحا، وغالبا ما أرى أن الكوميديا في مثل هذه الأعمال التراجيدية يجب أن تكون كوميديا موقف».
فن فطري
وأخيرا شاركنا الحديث الفنان المسرحي العماني هشام بن صالح جميل، المعروف بأدواره الكوميدية في الأعمال المسرحية، إذ قال: «بطبيعة الحال تحقق الأعمال الكوميدية جماهيرية أكثر من الأعمال التراجيدية، ذلك لأنها بكل بساطة تصل إلى القلب سريعا، وتنسي المتفرج بعض ضغوطاته اليومية، لذلك عندما أتحدث عن الجماهيرية في الأعمال المسرحية الكوميدية فإنها واضحة ويمكن تلمسها وتلمس ردود الفعل الحية والمباشرة».
وتابع حديثه متطرقا إلى مقومات الفنان الكوميدي، فقال: «أهم المقومات التي يجب أن تتوافر بالفنان الكوميدي الفطرة الربانية، فهي أقوى مقومات الفنان الكوميدي بعيدا عن التصنع والمبالغة وجو التهريج، فالكوميديا فن فطري يحمله بعض الفنانين بعيدا عن جو التصنع».
وحول تقمص الشخصية الكوميدية، قال الفنان هشام صالح: «يعتمد على النص والإخراج وطاقم العمل، فكلما كان العمل فيه متجانسا نستطيع إخراج لوحات كوميدية جميلة تليق بالمتفرج، بعيدا عن جو الإسفاف، ويبقى هذا سهلا على الممثل للوصول إلى الدور الكوميدي».
يوسف الجراح: الفنان الخليجي الكوميدي يضع في باله احترام الجمهور وتقديم ما يلائم ذوقه العام -
محمد الملا: مشاهدة المأساة أو الهموم على المسرح في قالب كوميدي تهوِّن من حجم القضية -
يوسف بوهلول: إضحاك الناس بالكوميديا المسفة أمر سهل لكنه غير متقبل عمومًا -
خالد البريكي: لا يمكن أن نعطي العمل التراجيدي سوداوية مطلقة.. واللجوء إلى الكوميديا أمر مهم -
هشام صالح: الكوميديا فن فطري يحمله بعض الفنانين بروح عفوية بعيدا عن جو التصنع -
يتجه غالب الجمهور في كثير من الأحيان إلى الأعمال الكوميدية التي تبعث في النفس البهجة والضحك، أعمال مسرحية أو سينمائية أو مسلسلات تلفزيونية، حتى وإن كانت تلك الأعمال في مجملها أعمالا تراجيدية أو أعمالا درامية، فإن الشخصيات الكوميدية فيها تحقق نجومية عالية، ويتشوق المشاهدون لرؤيتها لكسر حاجز التراجيديا أو الحكاية السوداوية، فمن تابع سلسلة «باب الحارة» ولم تُضحكه شخصية «أبو بدر»، ومن تابع مسلسل «من شارع الهرم إلى..» ولم تضحكه المواقف الكوميدية فيه رغم الحكاية التراجيدية العامة للعمل، ومن منا لم يتعلق بمسلسل «طاش ما طاش» الباقي في الذاكرة الجمعية إلى اليوم، وعلى المستوى المحلي بقيت مسلسلات خالدة في الذاكرة وشخصيات لا يزال يُضرب بها المثل مثل «الشايب خلف»، و «سلوم الحافي».
تلك الأعمال والشخصيات المذكورة آنفًا لم تحقق جماهيرية إلا بعد نجاحها في صنع الضحكات على وجوه المتلقين، فليس أي عمل كوميدي يستطيع إضحاك الناس، فهناك شعرة دقيقة بين المضحك والسخيف، فهل كل عمل كوميدي ناجح؟ وهل كل فنان يستطيع تأدية الدور الكوميدي؟ وهل من السهولة إضحاك الناس؟
«عمان» التقت بمجموعة من الفنانين العرب للإجابة عن تلك التساؤلات، فإلى ما قالوا:
أنواع الكوميديا
الفنان السوري محمد خير الجراح، نجم مسلسل «باب الحارة» حدثنا عن الكوميديا في لقاء مباشر معه، فقال: «بشكل عام تعاني بلداننا العربية من أزمات متعددة وطويلة الأمد، سياسية كانت أو اقتصادية أو غيرها، إضافة إلى ضغوط الحياة اليومية، فالناس بحاجة في معظم الأوقات إلى تنفيس وجداني إنساني لتفريغ الضغوطات، فتأتي الكوميديا لتكون ذات أثر كبير جدا في إعطاء المتلقي العربي الراحة النفسية والترفيه الذي يكسر هذا الجمود».
وتابع الفنان محمد الجراح: «في الفن بشكل عام، وبالمسرح الكلاسيكي خصوصا، نرى أنه في قلب العمل التراجيدي هناك مساحة من الكوميديا، ويمكن استعراض نماذج مسرحية كثيرة أدخلت المساحة الكوميدية في العمل التراجيدي، مثلا أعمال شكسبير المسرحية الكبيرة دائما هناك شخصية مهرج تبعث على الضحك، حتى في العروض اليونانية القديمة التي كانت تمتد لأكثر من 5 ساعات، هناك فواصل كوميدية بين المشاهد، ولو لم تكن من صميم النص المسرحي، وذلك للتخفيف على الجمهور، وهذا ما يحدث في الأعمال الدرامية، فالشخصيات الكوميدية فيها ولو كانت ذات مساحة صغيرة، فإنها تصنع لها نجومية، أنت الآن تأخذني بالحديث عن مسلسل (باب الحارة)، وعن سر شخصية (أبو بدر) الذي قمت بتأديته، فهذه الشخصية تكمن في الذكاء الكبير للأستاذ بسام الملا، حيث استغل هذه النقطة لإراحة المشاهد من الشد والجذب الحاصل في أحداث المسلسل من خلال شخصية أبو بدر، كأنه يعيد المشاهد إلى نقطة الراحة النفسية والبهجة، وهو بمثابة تنشيط للمشاهد، لمواصلة الأحداث الكبيرة فيما بعد، لذلك الكوميديا تثبت في عقول الناس إذا تم تأديتها بشكل صحيح».
وحول تأدية الدور الكوميدي، قال الجراح: «للكوميديا أنواع متعددة، ليس بالضرورة أن يكون الممثل طريفا بواقعه حتى يؤدي الدور الكوميدي، هناك كوميديا تعتمد على (الكركتر) أو الشخصية، وهناك كوميديا تعتمد على الطرفة التي تأتي من خلال النص والحوار، وهناك كوميديا الموقف، أنا أعتقد أنه في كوميديا الموقف أي ممثل في الدنيا يمكنه تأدية هذا الدور، ولكن يجب على المخرج إدارة الموقف من خلال المفارقة بين الشخصيات وردات الفعل على المواقف الاستثنائية غير البديهية والمتوقعة، وهذا ما يصنع الضحك لدى المشاهد، لذلك شاهدنا محمود المليجي مضحكا رغم أنه معروف بأدواره الشريرة، وهناك أمثلة أخرى كثيرة، وهناك كوميديا تعتمد على المبالغة في الحركات، وهناك كوميديا المفارقة مثل شخصية مستر بين الصامتة، أعتقد أن أي ممثل جيد يمكنه أداء دور كوميدي إذا استطاع المخرج توظيفه بالمكان والطريقة الصحيحة».
توظيف الكوميديا
وفي لقاء مع الفنان السعودي يوسف الجراح نجم مسلسل «طاش ما طاش»، قال عن الكوميديا: «أسَوّغ الإقبال على الأعمال الكوميدية، فالناس دائما تريد ما يضحكها ويبعث في نفسها السرور، خصوصا إذا كانت مقرونة بقصة جميلة، وهل هناك أجمل من صنع الابتسامة على وجوه الآخرين، من خلال الكلمة الجميلة أو الروح المرحة التي تفرج على الناس همومهم، والكوميديا كل ما كانت جميلة وراقية يتقبلها الناس ويريدونها، فليس هناك أجمل من الضحكة».
وحول تضمين العمل التراجيدي مشاهد كوميدية، قال: «هناك أهمية كبيرة لتوظيف الكوميديا في الأعمال التراجيدية، خاصة الأعمال التي تحاكي قصص المجتمع، فالمجتمع رغم مآسيه يضحك بطبيعة الحال، إذ يتعرض للمواقف المضحكة، لذلك تضمين الكوميديا في الأعمال أيا كانت هو نوع من كسر الجمود، وهو أمر مهم جدا، ولكن ينبغي أن نؤكد على ضرورة توظيف الشخصيات الكوميدية بالطريقة الصحيحة».
وتابع: «جمهور اليوم غير جمهور الأمس غير جمهور المستقبل، والطرفة اليوم يجب أن تُدرس بشكل جيد وشكل جميل حتى يتذكرها الناس، وهذا ما يسمى بالكوميديا ذات البصمة».
وسألنا الفنان يوسف الجراح عن الاشتراطات التي يجب أن تتوفر بالممثل الكوميدي، فقال: «لا يمكن أن أقول إن هناك اشتراطات للشخصية التي تؤدي الدور الكوميدي، فلا السمين يضحك ولا النحيف يضحك؛ لأنه سمين فقط أو نحيف، الموضوع يرجع إلى الحكاية، وهناك فنانون في داخلهم الروح المرحة من الأساس، وهذا ما يساعد على تأدية الدور الكوميدي، ولا أعني أن غيرهم من الممثلين لا يستطيعون تأدية الدور الكوميدي، فالموضوع يرجع إلى النص وإلى التأدية».
واسترسل الفنان السعودي بالحديث قائلا: «بالأعمال الكوميدية الخالصة هناك نجم أو نجمان أساسيان، أما البقية فهم مساندون أو مساعدون لأحداث العمل، وفي رأيي لا يوجد هناك عمل يكون طاقمه كله من نجوم الكوميديا، وهناك مشكلة كبيرة جدا تحدث في المسرحيات الكوميدية بشكل خاص؛ لأن المشاركين يحاولون الخروج عن النص لتمرير كلمة في سعي منهم إلى صنع نجومية، ولكن إذا كان الأمر غير مدروس فقد يصنع نتيجة عكسية، ذلك فإن تلك المحاولات قد تجاوز الخطوط الحمراء أو تصنع خللا في النص العام أو تحدث مشكلة لا يعيها الفنان».
واختتمنا حديثنا مع الفنان يوسف الجراح بسؤاله عن رأيه في نوع من المسلسلات الكوميدية التي تعتمد على الارتجال بشكل عام، قائلا: «هو لون من ألوان الكوميديا الحديثة إذا صح لنا تسميتها، ولكن لا يمكن القول إنها دون نص، فهناك نص عام بكل تأكيد تدخل عليها كوميديا الموقف والحوارات اللحظية، وقد تنجح هذه الأعمال في تقبل الجمهور وتنجح في إضحاكه، ولكن كن على ثقة أن الفنان الخليجي الكوميدي يضع في باله احترام الجمهور، وتقديم ما يلائم ذوقه العام دون تجريح أو إسفاف».
أشهر الفنون
في حين قال الفنان المسرحي القطري محمد الملا: «لطالما شهدت الأعمال الكوميدية سواء في المسرح أو السينما إقبالا جماهيريا في العقود الأخيرة، حيث إن الكوميديا هي أشهر الفنون من عصور الإغريق إلى اليوم، والكوميديا هي أكثر الفنون رغبة في العالم بأسره، وفي الوطن العربي، إذ تحتل مكانة كبيرة عند المتلقي العربي؛ لأن الشعوب العربية مرت بفترات عصيبة من حروب وثورات وظواهر طبيعية وأوبئة، لذا فإن الأعمال الكوميدية تساعد على الترفيه النفسي، خاصة إذا كانت أعمالا كوميدية تترجم مأساة العالم العربي في قالب درامي مسرحيا كان أو تلفزيونيا يعكس الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لذلك تكون هي أقرب للشعب ومصدر إلهام لهم».
وتابع الملا: «بالإضافة إلى ما سبق، نلاحظ دائما في الأعمال الكوميدية أنه يتم طرح موضوعات حساسة في قالب مضحك، وعليه فإن الأعمال الكوميدية دائما يلجأ إليها الجمهور للاستمتاع والضحك؛ لكسر حدة الواقع، ووسيلة للتخفيف عن الهموم والمشاكل، ومشاهدة مأساتهم أو هموهم على المسرح في قالب كوميدي يجعل القضية صغيرة وهينة في أعين المتلقين، وقد يضع المؤلفون حلًا أو موعظة لهذه المأساة تساعد المتلقي في حل مشاكله، فالمسرح منذ قديم الأزمنة وُجِد للترفيه والتعبير عن الرأي».
بين الرقي والإسفاف
وبدوره، قال الفنان البحريني يوسف بوهلول: «لنقُل أولا إن هناك مسارين للكوميديا الجماهيرية، كوميديا راقية، وكوميديا مُسفَّة، لذلك نلحظ أنه ليس بالضرورة أن يحقق العمل الكوميدي نجاحا كبيرا فقط لكونه كوميديا، أنا ضد الكوميديا المسفة، والمجتمع كذلك ضدها بشكله العام، لا أتحدث عن فئة بسيطة تقبل هذا النوع من الكوميديا، ولكني أتحدث عن جمهور عام، خاصة المجتمع العربي، أنْ تُضحك الناس بالكوميديا المسفة أمر سهل، لكنه غير متقبل بشكله العام، ولكن الكوميديا الراقية التي تنجح في إضحاك الناس هي التي تحقق جماهيرية أوسع ويتعطش لها الجمهور، وهي الكوميديا التي تستطيع إيصال الرسائل بطريقة طريفة».
وأضاف الفنان يوسف بوهلول: «إضحاك الجمهور ليس بالأمر السهل، كما أن إضحاك جمهور اليوم ليس هو نفسه إضحاك جمهور الغد، لذلك على الممثل الكوميدي أن يحقق معادلة صعبة، وهي الموازنة بين الروح الكوميدية لدى الفنان نفسه، وبين النص الكوميدي المدروس، وبين الطريقة في طرح الحوار أو الموقف، وبين لغته، وكل ذلك يجب أن يقدم بصورة عفوية بعيدة عن التكلف، فالجمهور اليوم يعي متى يتصنع الفنان، ومتى يقل عنده رتم الكوميديا، وهناك شعرة بين ما هو مضحك فعلا، وبين ما هو غير مضحك، خلاصة الحديث أن الكوميديا ليست سهلة».
النصوص المبتكرة
وحدثنا الفنان السعودي خالد البريكي عن الكوميديا بقوله: «يتجه الجمهور إلى الكوميديا رغبة منه في الابتعاد عن النصوص المكررة، لذلك لجأ المتلقي إلى الأعمال الكوميدية، وإذا تحدثنا عن التلفزيون فإن الجمهور اليوم لا يتابعه، وأعني هنا المحطات التلفزيونية إلا نسبة قليلة جدا وأعمار معينة، فالأعمال التلفزيونية لم تعد بقوتها كما كانت في السابق، والشباب -وهم الأغلب- يتابعون المنصات، في هواتفهم أو حواسيبهم أو الأجهزة اللوحية، أو التلفزيونات الذكية، لذلك اتسعت مدارك المتلقي، فلم يعد يشده العمل التقليدي، فعندما يشاهد عملا مكررا في فكرته فإن العزوف عنه من أسهل ما يكون في ظل التنوع الكبير في تلك المنصات، فهناك أعمال من مختلف دول العالم تستطيع استفزاز الجمهور، وشد انتباهه من خلال الأفكار الفريدة والغريبة التي يتطلع لها المتلقي».
وتابع البريكي: «رأيي في النصوص التي ترد إلينا أنها نصوص عادية جدا، ومملة إذ بها تفاصيل، لذلك يلجأ غالب الجمهور إلى المواد المضحكة، ليس لكونها مضحكة فقط، بل هناك أمر أعمق، يتمثل في أن الكوميديا عبارة عن ابتكار لموقف أو جملة أو حركة غير مكررة، فنجد المقاطع الكوميدية القصيرة تحقق انتشارا كبيرا، بالإضافة إلى الهدف في الابتعاد عن الحزن وضغوط الحياة المتنوعة».
وعن أهمية وجود عنصر الكوميديا في الأعمال التراجيدية، قال الفنان خالد البريكي: «هي طبخة فنية، فلا يمكن أن نعطي العمل التراجيدي سوداوية مطلقة، فاللجوء إلى الوسطية مهم، واللجوء إلى الكوميديا التي تكسر السوداوية كذلك أمر مهم، يمكن أن أشبّه ذلك بتناول التمر حبة تلو الأخرى، يحتاج المرء إلى كسر هذا الطعم الحلو بالقهوة، وكذلك الأعمال التراجيدية تحتاج إلى هذا الكسر، ولكن بشرط أن يكون توظيفه صحيحا، وغالبا ما أرى أن الكوميديا في مثل هذه الأعمال التراجيدية يجب أن تكون كوميديا موقف».
فن فطري
وأخيرا شاركنا الحديث الفنان المسرحي العماني هشام بن صالح جميل، المعروف بأدواره الكوميدية في الأعمال المسرحية، إذ قال: «بطبيعة الحال تحقق الأعمال الكوميدية جماهيرية أكثر من الأعمال التراجيدية، ذلك لأنها بكل بساطة تصل إلى القلب سريعا، وتنسي المتفرج بعض ضغوطاته اليومية، لذلك عندما أتحدث عن الجماهيرية في الأعمال المسرحية الكوميدية فإنها واضحة ويمكن تلمسها وتلمس ردود الفعل الحية والمباشرة».
وتابع حديثه متطرقا إلى مقومات الفنان الكوميدي، فقال: «أهم المقومات التي يجب أن تتوافر بالفنان الكوميدي الفطرة الربانية، فهي أقوى مقومات الفنان الكوميدي بعيدا عن التصنع والمبالغة وجو التهريج، فالكوميديا فن فطري يحمله بعض الفنانين بعيدا عن جو التصنع».
وحول تقمص الشخصية الكوميدية، قال الفنان هشام صالح: «يعتمد على النص والإخراج وطاقم العمل، فكلما كان العمل فيه متجانسا نستطيع إخراج لوحات كوميدية جميلة تليق بالمتفرج، بعيدا عن جو الإسفاف، ويبقى هذا سهلا على الممثل للوصول إلى الدور الكوميدي».