هاتف بايدن أفضل أداة لوقف تدهور العلاقات الأمريكية الصينية
الاثنين / 13 / شعبان / 1444 هـ - 22:20 - الاثنين 6 مارس 2023 22:20
ترجمة ـ قاسم مكي -
توجد طرق مختلفة لإظهار الشجاعة «الرئاسية». إحداها ركوب القطار والسفر لزيارة كييف وسط «أهوال» الحرب. هنالك طريقة أخرى وهي رفع الهاتف والاتصال «بالرئيس الصيني» شي جينبينج في وقتٍ يشهد تدهورا حادا للعلاقات الأمريكية الصينية.
التواصل مع الزعيم الصيني لن يضيف نقاطا لشعبية الرئيس بايدن في الداخل. وسيمنح الجمهوريين موضوعا للجدال لا شك أنهم سيستغلونه. لكنه الشيء الصحيح الذي يجب عمله بصرف النظر عن السياسة. وهو يجسد الإدارة الدولية الناضجة التي يجب أن تكون جزءا من صورة بايدن كزعيم.
أنا أعلم الاعتراضات «على مثل هذا المسعى». من بينها أن «الرئيس» شي سيعتبر تواصل بايدن تنازلا وعلامة على ضعف الولايات المتحدة. وواشنطن لن تحصل على منافع ذات معنى. ونظام شي الذي لا يضع بالا للآخرين في سعيه وراء مصالحه سيندفع بعزم أشدّ لتحقيق أهدافه. وسيعتقد الأوروبيون أن لديهم رخصة للمساومة مع الصين أيضا. لذلك لماذا على بايدن أن يشير إلى أنه يريد التواصل مع شي الآن؟
الإجابة البسيطة على هذا السؤال هي أن العلاقة بين واشنطن وبيجينج تقترب من أدنى مستوى لها. يدفعها إلى هذا التدني المتشددون في كلا العاصمتين الذين يعتقدون كما يبدو أن المواجهة بين البلدين حتمية. ربما المواجهة فعلا أمامنا. لكن بايدن كان محقا في الماضي في محاولة الحفاظ على حد أدنى من التعاون واستقرار العلاقة بين البلدين. ففي قمة «بالي» في نوفمبر بدا أن كلا من بايدن وشي على استعداد لخفض التوترات وتحسين الاستقرار الاستراتيجي.
قال بايدن لاحقا: «أنا أتطلع لإدارة هذه المنافسة «بين الولايات المتحدة والصين» بمسؤولية». وقال شي على نحو مماثل «يجب علينا كقائدين لهاتين القوتين العظميين الصين والولايات المتحدة أن نلعب دور تحديد اتجاه دفَّة القيادة».
لكن العلاقة انهارت منذ ذلك الوقت بسبب سوء السياسة الصينية وسوء رد الولايات المتحدة عليها وأيضا لمجرد سوء الحظ.
كان عبور المنطاد أجواء الولايات المتحدة مثالا لكل هذه العوامل الثلاثة. وعلى الرغم من أنه لم تكن له أهمية عسكرية أو استراتيجية تذكر إلا أنه قوَّض انفتاحا دبلوماسيا بعد قمة بالي كان من شأنه إرسال وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إلى بيجينج. وربما مهَّد لاجتماع قمة بين بايدن وشي.
الزعيم الصيني كان يرغب في زيارة بلينكن. بدا ذلك واضحا من خلال «شبه اعتذار» الصين بعد اكتشاف منطاد المراقبة وهو يندفع عبر الولايات المتحدة.
بلينكن ألغى الزيارة لكنه كان يأمل في ترميم العلاقات (والترتيب للرحلة مرة أخرى) في اجتماع بميونيخ الشهر الماضي مع وزير الخارجية الصيني وانج يي.
ذلك المسعى أيضا لم يحالفه التوفيق. أحد أسباب ذلك أن الولايات المتحدة قررت تسريب معلومات استخبارية لحلفائها بأن الصين تفكر في إرسال أسلحة إلى روسيا.
مع التحذيرات العلنية للصين من جهة ومحاولة بلينكن الخاصة للتواصل مجددا من جهة أخرى تتحرك الدبلوماسية الأمريكية في اتجاهين (مختلفين) في الوقت نفسه. لذلك ليس مفاجئا أنها لم تصل إلى أي مقصد.
في الأثناء ومع تصاعد هجمات الحزب الجمهوري على الصين والمعلومات الاستخبارية التي تحتل عناوين الأخبار ولكن غير الموثوقة بأن كوفيد-19 ربما نتج عن تسرب من مختبر (صيني) تواجه واشنطن إعصارا فريدا قد يغرق مساعيها للحوار.
لذلك لم يعد الحد الأدنى المرغوب لاستقرار العلاقة بين البلدين موجودا. وبؤرة التوترات الحالية تتعلق بإعلان الاستخبارات الأمريكية أن الصين ربما تزود روسيا بالذخيرة دعما لحربها في أوكرانيا.
يعتقد المسؤولون الأمريكيون أن بعض القادة تحت إمرة الرئيس شي متحفظون تجاه مضاعفة الرهان على روسيا ويعتبرون العلاقة المستقرة مع الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين رهانا أفضل للصين من دعم فلاديمير الخاسر والذي يميل إلى التصعيد. وذكر لي هؤلاء المسؤولون أن الصين لم ترسل الأسلحة بعد. وإذا فعلت ذلك سيلزم بايدن اتخاذ تدابير مضادة وصارمة.
ذلك هو السبب في وجوب اتصال بايدن هاتفيا ببيجينج لأننا على شفا تدهور آخر كبير في العلاقات الأمريكية - الصينية. ويجب أن تستمع «لهذه المكالمة» الصين وبلدانُ العالم الجنوبي كالهند وجنوب إفريقيا والبرازيل التي تشعر بالقلق من عدم الاستقرار في عالم تبدو فيه الولايات المتحدة مهووسة بصراع القوى العظمى لكنها غير قادرة على وقف التوترات المتصاعدة.
صحيح الصينيون يختبرون قوة الولايات المتحدة. لكن ليس هنالك داعٍ لأن تشعر الولايات المتحدة بالقلق من أن تبدو ضعيفة وهي التي تتضاءل قوة منافسيها أمام جبروتها العسكري.
لننظر إلى مصفوفة القدرات العسكرية في المنطقة الهندو-باسيفيكية بقيادة الولايات المتحدة. فقوات البحرية الأمريكية تنتشر إلى الأمام لتقديم دعم أفضل في مواجهة أي هجوم صيني ضد تايوان. واليابان التي أعادت تسلُّحها تنشر صواريخ كروز توماهوك الأمريكية الصنع. والفلبين تقدم للولايات المتحدة قواعد عسكرية قريبا من تايوان. ولاحقا في هذا الشهر سيدشن بايدن شراكة «أوكاس». وهي تحالف عسكري جديد وكبير مع أستراليا وبريطانيا. تحركات الردع القوية هذه لا تستبعد الدبلوماسية بل هي تمكين لها.
يجب أن يُنهي بايدن مكالمته الهاتفية بدعوة شي لاجتماع ثنائي وجها لوجه. مثل هذه القمم وسط توتر دولي مخاطرة كبيرة ومرتفعة العائد.
لقد اعتقد مستشارو الرئيس رونالد ريجان أنه «مجنون» إذ يقابل الزعيم الروسي ميخائيل جورباتشوف في آيسلندا في عام 1986. لكن ذلك الاجتماع كان نقطة تحول إيجابية.
ما الذي يجب أن يقترحه بايدن كموضوعات للقمة مع شي بخلاف تركيز الولايات المتحدة المعتاد على السيطرة على الأزمة والاستقرار الاستراتيجي؟
أرشح لهذه القمة أكبر تحديين يواجهان القوتين العظميين وهما إدارة حوار حول الذكاء الاصطناعي والتقنيات الأخرى الصاعدة التي تغير العالم. وهذا ما اقترحه وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر. والتحدي الثاني إجراء محادثات حول اتفاقية انتقال إلى «الطاقة الخضراء» لإنقاذ الكوكب من التغير المناخي الكارثي.
هل سيثير الجمهوريون ضجيجا حول أي انفتاح جديد مع الصين؟ أكيد. هل سيحقق اجتماع بين بايدن وشي أية نتائج ذات معنى؟ لا يمكن تأكيد ذلك. هل يستحق المحاولة؟ بالتأكيد.
ديفيد اجنيشس روائي وصحفي يكتب عن الشؤون الخارجية لصحيفة واشنطن بوست.
ترجمة خاصة لـ «عمان»
توجد طرق مختلفة لإظهار الشجاعة «الرئاسية». إحداها ركوب القطار والسفر لزيارة كييف وسط «أهوال» الحرب. هنالك طريقة أخرى وهي رفع الهاتف والاتصال «بالرئيس الصيني» شي جينبينج في وقتٍ يشهد تدهورا حادا للعلاقات الأمريكية الصينية.
التواصل مع الزعيم الصيني لن يضيف نقاطا لشعبية الرئيس بايدن في الداخل. وسيمنح الجمهوريين موضوعا للجدال لا شك أنهم سيستغلونه. لكنه الشيء الصحيح الذي يجب عمله بصرف النظر عن السياسة. وهو يجسد الإدارة الدولية الناضجة التي يجب أن تكون جزءا من صورة بايدن كزعيم.
أنا أعلم الاعتراضات «على مثل هذا المسعى». من بينها أن «الرئيس» شي سيعتبر تواصل بايدن تنازلا وعلامة على ضعف الولايات المتحدة. وواشنطن لن تحصل على منافع ذات معنى. ونظام شي الذي لا يضع بالا للآخرين في سعيه وراء مصالحه سيندفع بعزم أشدّ لتحقيق أهدافه. وسيعتقد الأوروبيون أن لديهم رخصة للمساومة مع الصين أيضا. لذلك لماذا على بايدن أن يشير إلى أنه يريد التواصل مع شي الآن؟
الإجابة البسيطة على هذا السؤال هي أن العلاقة بين واشنطن وبيجينج تقترب من أدنى مستوى لها. يدفعها إلى هذا التدني المتشددون في كلا العاصمتين الذين يعتقدون كما يبدو أن المواجهة بين البلدين حتمية. ربما المواجهة فعلا أمامنا. لكن بايدن كان محقا في الماضي في محاولة الحفاظ على حد أدنى من التعاون واستقرار العلاقة بين البلدين. ففي قمة «بالي» في نوفمبر بدا أن كلا من بايدن وشي على استعداد لخفض التوترات وتحسين الاستقرار الاستراتيجي.
قال بايدن لاحقا: «أنا أتطلع لإدارة هذه المنافسة «بين الولايات المتحدة والصين» بمسؤولية». وقال شي على نحو مماثل «يجب علينا كقائدين لهاتين القوتين العظميين الصين والولايات المتحدة أن نلعب دور تحديد اتجاه دفَّة القيادة».
لكن العلاقة انهارت منذ ذلك الوقت بسبب سوء السياسة الصينية وسوء رد الولايات المتحدة عليها وأيضا لمجرد سوء الحظ.
كان عبور المنطاد أجواء الولايات المتحدة مثالا لكل هذه العوامل الثلاثة. وعلى الرغم من أنه لم تكن له أهمية عسكرية أو استراتيجية تذكر إلا أنه قوَّض انفتاحا دبلوماسيا بعد قمة بالي كان من شأنه إرسال وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إلى بيجينج. وربما مهَّد لاجتماع قمة بين بايدن وشي.
الزعيم الصيني كان يرغب في زيارة بلينكن. بدا ذلك واضحا من خلال «شبه اعتذار» الصين بعد اكتشاف منطاد المراقبة وهو يندفع عبر الولايات المتحدة.
بلينكن ألغى الزيارة لكنه كان يأمل في ترميم العلاقات (والترتيب للرحلة مرة أخرى) في اجتماع بميونيخ الشهر الماضي مع وزير الخارجية الصيني وانج يي.
ذلك المسعى أيضا لم يحالفه التوفيق. أحد أسباب ذلك أن الولايات المتحدة قررت تسريب معلومات استخبارية لحلفائها بأن الصين تفكر في إرسال أسلحة إلى روسيا.
مع التحذيرات العلنية للصين من جهة ومحاولة بلينكن الخاصة للتواصل مجددا من جهة أخرى تتحرك الدبلوماسية الأمريكية في اتجاهين (مختلفين) في الوقت نفسه. لذلك ليس مفاجئا أنها لم تصل إلى أي مقصد.
في الأثناء ومع تصاعد هجمات الحزب الجمهوري على الصين والمعلومات الاستخبارية التي تحتل عناوين الأخبار ولكن غير الموثوقة بأن كوفيد-19 ربما نتج عن تسرب من مختبر (صيني) تواجه واشنطن إعصارا فريدا قد يغرق مساعيها للحوار.
لذلك لم يعد الحد الأدنى المرغوب لاستقرار العلاقة بين البلدين موجودا. وبؤرة التوترات الحالية تتعلق بإعلان الاستخبارات الأمريكية أن الصين ربما تزود روسيا بالذخيرة دعما لحربها في أوكرانيا.
يعتقد المسؤولون الأمريكيون أن بعض القادة تحت إمرة الرئيس شي متحفظون تجاه مضاعفة الرهان على روسيا ويعتبرون العلاقة المستقرة مع الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين رهانا أفضل للصين من دعم فلاديمير الخاسر والذي يميل إلى التصعيد. وذكر لي هؤلاء المسؤولون أن الصين لم ترسل الأسلحة بعد. وإذا فعلت ذلك سيلزم بايدن اتخاذ تدابير مضادة وصارمة.
ذلك هو السبب في وجوب اتصال بايدن هاتفيا ببيجينج لأننا على شفا تدهور آخر كبير في العلاقات الأمريكية - الصينية. ويجب أن تستمع «لهذه المكالمة» الصين وبلدانُ العالم الجنوبي كالهند وجنوب إفريقيا والبرازيل التي تشعر بالقلق من عدم الاستقرار في عالم تبدو فيه الولايات المتحدة مهووسة بصراع القوى العظمى لكنها غير قادرة على وقف التوترات المتصاعدة.
صحيح الصينيون يختبرون قوة الولايات المتحدة. لكن ليس هنالك داعٍ لأن تشعر الولايات المتحدة بالقلق من أن تبدو ضعيفة وهي التي تتضاءل قوة منافسيها أمام جبروتها العسكري.
لننظر إلى مصفوفة القدرات العسكرية في المنطقة الهندو-باسيفيكية بقيادة الولايات المتحدة. فقوات البحرية الأمريكية تنتشر إلى الأمام لتقديم دعم أفضل في مواجهة أي هجوم صيني ضد تايوان. واليابان التي أعادت تسلُّحها تنشر صواريخ كروز توماهوك الأمريكية الصنع. والفلبين تقدم للولايات المتحدة قواعد عسكرية قريبا من تايوان. ولاحقا في هذا الشهر سيدشن بايدن شراكة «أوكاس». وهي تحالف عسكري جديد وكبير مع أستراليا وبريطانيا. تحركات الردع القوية هذه لا تستبعد الدبلوماسية بل هي تمكين لها.
يجب أن يُنهي بايدن مكالمته الهاتفية بدعوة شي لاجتماع ثنائي وجها لوجه. مثل هذه القمم وسط توتر دولي مخاطرة كبيرة ومرتفعة العائد.
لقد اعتقد مستشارو الرئيس رونالد ريجان أنه «مجنون» إذ يقابل الزعيم الروسي ميخائيل جورباتشوف في آيسلندا في عام 1986. لكن ذلك الاجتماع كان نقطة تحول إيجابية.
ما الذي يجب أن يقترحه بايدن كموضوعات للقمة مع شي بخلاف تركيز الولايات المتحدة المعتاد على السيطرة على الأزمة والاستقرار الاستراتيجي؟
أرشح لهذه القمة أكبر تحديين يواجهان القوتين العظميين وهما إدارة حوار حول الذكاء الاصطناعي والتقنيات الأخرى الصاعدة التي تغير العالم. وهذا ما اقترحه وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر. والتحدي الثاني إجراء محادثات حول اتفاقية انتقال إلى «الطاقة الخضراء» لإنقاذ الكوكب من التغير المناخي الكارثي.
هل سيثير الجمهوريون ضجيجا حول أي انفتاح جديد مع الصين؟ أكيد. هل سيحقق اجتماع بين بايدن وشي أية نتائج ذات معنى؟ لا يمكن تأكيد ذلك. هل يستحق المحاولة؟ بالتأكيد.
ديفيد اجنيشس روائي وصحفي يكتب عن الشؤون الخارجية لصحيفة واشنطن بوست.
ترجمة خاصة لـ «عمان»