كيف نمنع الإنترنت من التحول إلى عبث؟
الاثنين / 13 / شعبان / 1444 هـ - 22:18 - الاثنين 6 مارس 2023 22:18
ترجمة أحمد شافعي -
في قصة «مكتبة بابل» لخورخي لويس بورخيس، يصف الراوي مكتبة ذات حجم لانهائي في ما يبدو، مؤلفة من قاعات سداسية الشكل ملأى بالأرفف. تحتوي الكتب كل تكوين ممكن من اثنين وعشرين حرفا وثلاث علامات ترقيم. ويصف الراوي حياة من البحث فيها، راجيا أن يعثر على التماسك، وفي نهاية المطاف لا يعثر إلا على أسطر قليلة من المعنى.
«مكتبة بابل» قصة رعب. على الأرفف كل حقيقة يمكن تصورها، وعليها الحل لكل مشكلة، والإجابة لكل سؤال، ولكن عليها أيضا فساد تلك الحقائق، وأكاذيب يصعب تفرقتها عن الحقائق وعن كمٍّ يكاد يكون لا نهائيا من الهراء الخالص. وليس بالملاحظة الجديدة أن الإنترنت شبيه بمكتبة بابل هذه، فالأفراد منذ عقود ينشرون على الإنترنت كل ما يرون أن من المناسب عرضه، سواء أكان حقائق عميقة أم زيفا أم محض هراء عديم التماسك.
وتوشك مشكلة نفاية الإنترنت [junk] أن تزداد سوءا، وأن تتفاقم. أحدث ظهور محرك جوجل البحثي، في أواخر تسعينيات القرن الماضي، ثورة في كيفية وصول الناس إلى الغث والسمين، أي شبكة الإنترنت العالمية. والبحث في الإنترنت يقتضي استراتيجية مختلفة عن استراتيجية البحث في الكتب. قبل جوجل، كانت أغلب محركات البحث الرقمية تعتمد على إرشاد بسيط للبحث في صفحات الإنترنت التي تظهر فيها بكثرة المصطلحات المحددة للبحث من المستخدم. تريد أن تجد مراجعات للدراجات؟ ابحث عن وثيقة تستعمل فيها عبارة «مراجعات الدراجات»! لكن هذا لا يفلح في عالم يمكن أن ينشر فيه أي شخص، وفيه محفزات اقتصادية لجذب انتباه الناس. كانت تلك المحركات البحثية الأولى ضعيفة أمام نشر الأفراد لصفحات لا يرد فيها إلا عبارة «مراجعات الدراجات» آلاف المرات.
عدّل جوجل هذه العملية بإضافته فكرة «الثقة». فلكي تظهر صفحة قرب قمة النتائج، كان يلزم أن تشير إليها صفحات أخرى من خلال الروابط التشعبية [hyperlinks]. وقد توصل إلى النظرية القائمة وراء خوارزمية «تصنيف الصفحة» [PageRank] كل من لاري بيج وسيرجي برين ومفاد هذه النظرية أن الصفحات الموثوقة سوف تكون وجهة لكثير من الروابط العضوية، على الإنترنت، أما الصفحات التي تكرر الكلمات المفتاحية لآلاف المرات فلن يرتبط بها الكثيرون.عندما ظهر جوجل للمرة الأولى، كأن أشبه بإعجاز. أصبحت نتائج البحث أفضل بكثير. ثم لم يمض وقت طويل حتى توصل «زرَّاع الروابط» [link farmers] ـ الذين يسمّون أنفسهم في كثير من الحالات بـ«خبراء تحسين محركات البحث» ـ إلى طريقة لمخادعة جوجل أيضا، وذلك بإنشاء مزارع لصفحات يشير بعضها إلى بعض. فبوسع موقع Bobsbikereviews.com [اي موقع مراجعات الدراجات] أن يجد عشرة آلاف صفحة تشير إليه، ولكلٍّ من هذه الصفحات عشرة آلاف صفحة تشير إليه، وهكذا دواليك. وتطور جوجل، ولديه الآن وسائل مخصصة لتفادي هذا النمط من (تحسين المحركات البحثية) المزعوم. ولكن المهمة تزداد صعوبة على صعوبة، والتطورات الحديثة في الذكاء الاصطناعي جعلت الأمور أشق وأصعب.
تشات جي بي تي [ChatGPT] نظام لإنشاء نصوص يصعب تمييزها عن النصوص المؤلفة بشريا، وهذا النظام ينشئ عاصفة حقيقية للمحركات البحثية. على مدار سنين، يحاول الناس مخادعة جوجل بالنشر الكثيف للبريد الدعائي المكتوب بشريا. أغلبه يكون تكراريا ويسهل على جوجل ومنافسيه تجاهله. لكن الآن يسهل كثيرا إنشاء كميات هائلة من المحتوى رفيع الجودة ونشره على الإنترنت بهدف توجيه انتباه الناس إلى صفحات محملة بإعلانات أو عروض خداعية. ويعمل عمالقة المحركات البحثية بالفعل على حل هذه المشكلة، بالبحث عن توقيعات تفيد إنشاء الصفحات آليا، ثم معاقبتها. والأمر الأرجح وقوعا هو تصاعد الحرب بين الصفحات الناشئة عن الذكاء الاصطناعي والخوارزميات المصممة لمساعدة محركات البحث في فرز المعرفة البشرية من الهراء الاصطناعي.من سوء الحظ أنه حتى لو تعلم جوجل كيف يفرز الأصلي من الزائف، قد يبقى البشر يعانون. فهل تتذكرون (وكالة بحث الإنترنت) IRA؟ ذلك مبنى في سان بطرسبرج كان يمتلئ بأشخاص وظيفتهم هي إنشاء منشورات في مواقع التواصل الاجتماعي تروج أجندة بوتين وتفاقم التوترات السياسية في الولايات المتحدة. زعمت تلك الوكالة أن من جملة نجاحاتها إنشاء جماعتين متنافستين في تكساس: إحداهما جماعة شعبوية يمينية تضغط من أجل تحجيم الدولة وتناصر حقوق امتلاك السلاح، والأخرى جماعة إيمانية هي «المسلمون المتحدون في أمريكا»، وتناصر هيلاري كلينتون. وفي إنجاز مميز من التضليل المعلوماتي dezinformatsia، تمكنت الجماعتان المكونتان على فيسبوك والخاضعتان لسيطرة الروس، من إخراج عشرات من أبناء هاوستن الحقيقيين إلى الشوارع احتجاجا على بعضهم بعضا.
كانت إدارة (وكالة بحث الإنترنت) تقتضي دفع رواتب لمئات من الروس البارعين في التكنولوجيا والمجيدين للغة الإنجليزية لإنشاء شخصيات إلكترونية وإنشاء العديد من المنشورات كل يوم بأصوات تلك الشخصيات. هذه العملية كلها باتت آلية الآن. ولنا أن نتوقع منصات إعلام اجتماعي مثل فيسبوك وتويتر ممتلئة بمواد دعائية منشأة آليا لتعزيز وجهات نظر شخصيات سياسية خلافية.
من سوء الحظ أنه يصعب على الناس أن يتحركوا في أفق يجدون فيه أن كمًّا هائلا من المحتوى الذي يتعرضون له يناصر وجهة نظر واحدة. فالطبيعي عند التعرض لوابل من المنشورات الزاعمة بأن غزو أوكرانيا فعل مشروع هو أنك تتساءل إن كان دعمك لكييف قائما على معلومات مضللة أو أنه أصلا غير مدروس بالقدر الكافي، وأن تتساءل: هل هؤلاء الروس، وهؤلاء الأوربيون المناصرون لبوتين، والذين يبدون مواطنين عاديين، عندهم بعض الوجاهة؟
سيكون تحديا هائلا أن يتم الإبقاء على هذه الحسابات الهرائية الجديدة تحت السيطرة، ومن سوء الحظ أن المنصات لديها كل الحوافز الخاطئة عندما يتعلق الأمر بمكافحة المشكلة. فقد يرحب إيلون ماسك ـ الذي شهد تداعيات سوء إدارته لتويتر ـ بظهور هذه الروبوتات وإثارتها الجدل ونشرها من المحتوي ما يأتي بمشاركات كثيرة، ما دام المعلنون لا يشتكون من إهدارهم المال في بيع إعلان للروبوتات المدعومة من تشات جي بي تي.ما الذي ينبغي أن نفعله حيال إنشاء محتوى لا يستهدف منفعتنا، وإنما مخادعة محركات البحث أو تعزيز وجهات نظر متطرفة؟ لقد استعرضت أخيرا إجابة محتملة يمثلها نظام يطلق عليه «Otherweb» [الشبكة الأخرى] أنشأه مصمم الذكاء الاصطناعي أليكس فلينك. يحاول هذا النظام أن يفرز أخبار اليوم بحذف «الأخبار المضادة» [anti-news]، والأخبار المضادة هي المحتوى الذي تنشئه منظمات إخبارية احترافية لكنه عديم القيمة الإخبارية الفعلية ـ ومثاله المفضل عنوان من مصدر موثوق فيه نصُّه كالتالي «دعك مما تفعله مهما يكن وشاهد هذا الفيل إذ يلعب بالفقاقيع» ـ فهذا النوع من المحتوى ينشئه البشر لجذب الانتباه، وهو لا يقدم معلومات نافعة عن العالم برغم أنه قد يكون مسليا لبعض الوقت.
الأخبار المضادة هي العدو لفليلنك، وقد فكر كثيرا في إنشاء أخبار خالية من وسائل الجذبclickbait وغيرها من أشكال الأخبار المضادة. وإنني الآن أتلقى كل يوم رسالة من «الشبكة الأخرى» فيها تصفية لآلاف الأخبار وصولا إلى تسعة منتقاة لما يبدو فيها من حيادية وجدارة. والنظام يعمل بصورة جيدا للغاية، ففي غضون دقائق قليلة أتلقى استعراضا لعناوين مهمة دونما محاولات لجذب انتباهي أو توجيهه.ثمة مفارقة في طلب مساعدة الذكاء الاصطناعي لكي نشق طريقنا في أفق مليء بهراء أنشأته أنظمة منافسة من الذكاء الاصطناعي. ربما كان يمكن أن نجتنب تلك المشكلة لو أن (أوبن آي)، الذين أنشأوا تشات جي بي تي ـ كانوا أكثر مسؤولية في الطريقة التي أطلقوا بها أداتهم وأتاحوها للجمهور. يبدو مرجحا أن المستخدمين سوف يتمكنون من استعمال «تشات جي بي تي» أو شبيه له في المستقبل القريب للغاية، منشئين تيارا لا نهائيا من الهراء القابل للتسخير إما لتحسين المحركات البحثية أو توليد البروباجندا. ونرجو أن نرى عما قريب ابتكار أدوات تعيننا على المقاومة.
قد يفيدنا أيضا أن نعيد التفكير في الحوافز التي تجعل الإنترنت الحالي ناجحا. فالبريد الدعائي وظيفة من وظائف الإنترنت المدعومة إعلانيا والمتنافسة دائما على اهتمام المستخدمين. لو أننا عملنا على شيء أقرب إلى نموذج الاشتراك، سوف يتحتم أن تكون المواد أعلى جودة حتى يرغب المستخدمون في شرائها. ولو أن أنظمة من قبيل ريديت Reddit لم تكافئ المستخدمين لإنشائهم محتوى يرغب الناس في التفاعل معه، ستقل الحوافز إلى تضخيم منشوراتهم بهراء لا قيمة له.
ربما هناك طريقة لإقامة حوافز تكافئ الاشتباك عالي الجودة وتعاقب بشدة من ينشرون هراء الذكاء الاصطناعي. لكن في الوقت الراهن يبدو مرجحا أن المعركة على اهتمامنا سوف تمضي قدما إلى مناطق سريالية بورخيسية إذ نمخر عباب سلسلة لانهائية من القاعات السداسية الإنترنتية، مسلحين بأدوات لمساعدتنا في العثور على تلك الشذرات متزايدة الندرة من البصيرة البشرية الحقيقية.
إيثان زوكرمان أستاذ مشارك في السياسة العامة والمعلومات والاتصالات بجامعة ماساتشوستس أمهيرست. وهو من المخضرمين في صناعة الدوت كوم المبكرة وكان جزءًا من الفريق المؤسس لـ Tripod.com ، أحد مواقع المحتوى الأولى التي ينشئها المستخدمون على الإنترنت. وله العديد من الكتب في هذا المجال.
عن مجلة بروسبكت
في قصة «مكتبة بابل» لخورخي لويس بورخيس، يصف الراوي مكتبة ذات حجم لانهائي في ما يبدو، مؤلفة من قاعات سداسية الشكل ملأى بالأرفف. تحتوي الكتب كل تكوين ممكن من اثنين وعشرين حرفا وثلاث علامات ترقيم. ويصف الراوي حياة من البحث فيها، راجيا أن يعثر على التماسك، وفي نهاية المطاف لا يعثر إلا على أسطر قليلة من المعنى.
«مكتبة بابل» قصة رعب. على الأرفف كل حقيقة يمكن تصورها، وعليها الحل لكل مشكلة، والإجابة لكل سؤال، ولكن عليها أيضا فساد تلك الحقائق، وأكاذيب يصعب تفرقتها عن الحقائق وعن كمٍّ يكاد يكون لا نهائيا من الهراء الخالص. وليس بالملاحظة الجديدة أن الإنترنت شبيه بمكتبة بابل هذه، فالأفراد منذ عقود ينشرون على الإنترنت كل ما يرون أن من المناسب عرضه، سواء أكان حقائق عميقة أم زيفا أم محض هراء عديم التماسك.
وتوشك مشكلة نفاية الإنترنت [junk] أن تزداد سوءا، وأن تتفاقم. أحدث ظهور محرك جوجل البحثي، في أواخر تسعينيات القرن الماضي، ثورة في كيفية وصول الناس إلى الغث والسمين، أي شبكة الإنترنت العالمية. والبحث في الإنترنت يقتضي استراتيجية مختلفة عن استراتيجية البحث في الكتب. قبل جوجل، كانت أغلب محركات البحث الرقمية تعتمد على إرشاد بسيط للبحث في صفحات الإنترنت التي تظهر فيها بكثرة المصطلحات المحددة للبحث من المستخدم. تريد أن تجد مراجعات للدراجات؟ ابحث عن وثيقة تستعمل فيها عبارة «مراجعات الدراجات»! لكن هذا لا يفلح في عالم يمكن أن ينشر فيه أي شخص، وفيه محفزات اقتصادية لجذب انتباه الناس. كانت تلك المحركات البحثية الأولى ضعيفة أمام نشر الأفراد لصفحات لا يرد فيها إلا عبارة «مراجعات الدراجات» آلاف المرات.
عدّل جوجل هذه العملية بإضافته فكرة «الثقة». فلكي تظهر صفحة قرب قمة النتائج، كان يلزم أن تشير إليها صفحات أخرى من خلال الروابط التشعبية [hyperlinks]. وقد توصل إلى النظرية القائمة وراء خوارزمية «تصنيف الصفحة» [PageRank] كل من لاري بيج وسيرجي برين ومفاد هذه النظرية أن الصفحات الموثوقة سوف تكون وجهة لكثير من الروابط العضوية، على الإنترنت، أما الصفحات التي تكرر الكلمات المفتاحية لآلاف المرات فلن يرتبط بها الكثيرون.عندما ظهر جوجل للمرة الأولى، كأن أشبه بإعجاز. أصبحت نتائج البحث أفضل بكثير. ثم لم يمض وقت طويل حتى توصل «زرَّاع الروابط» [link farmers] ـ الذين يسمّون أنفسهم في كثير من الحالات بـ«خبراء تحسين محركات البحث» ـ إلى طريقة لمخادعة جوجل أيضا، وذلك بإنشاء مزارع لصفحات يشير بعضها إلى بعض. فبوسع موقع Bobsbikereviews.com [اي موقع مراجعات الدراجات] أن يجد عشرة آلاف صفحة تشير إليه، ولكلٍّ من هذه الصفحات عشرة آلاف صفحة تشير إليه، وهكذا دواليك. وتطور جوجل، ولديه الآن وسائل مخصصة لتفادي هذا النمط من (تحسين المحركات البحثية) المزعوم. ولكن المهمة تزداد صعوبة على صعوبة، والتطورات الحديثة في الذكاء الاصطناعي جعلت الأمور أشق وأصعب.
تشات جي بي تي [ChatGPT] نظام لإنشاء نصوص يصعب تمييزها عن النصوص المؤلفة بشريا، وهذا النظام ينشئ عاصفة حقيقية للمحركات البحثية. على مدار سنين، يحاول الناس مخادعة جوجل بالنشر الكثيف للبريد الدعائي المكتوب بشريا. أغلبه يكون تكراريا ويسهل على جوجل ومنافسيه تجاهله. لكن الآن يسهل كثيرا إنشاء كميات هائلة من المحتوى رفيع الجودة ونشره على الإنترنت بهدف توجيه انتباه الناس إلى صفحات محملة بإعلانات أو عروض خداعية. ويعمل عمالقة المحركات البحثية بالفعل على حل هذه المشكلة، بالبحث عن توقيعات تفيد إنشاء الصفحات آليا، ثم معاقبتها. والأمر الأرجح وقوعا هو تصاعد الحرب بين الصفحات الناشئة عن الذكاء الاصطناعي والخوارزميات المصممة لمساعدة محركات البحث في فرز المعرفة البشرية من الهراء الاصطناعي.من سوء الحظ أنه حتى لو تعلم جوجل كيف يفرز الأصلي من الزائف، قد يبقى البشر يعانون. فهل تتذكرون (وكالة بحث الإنترنت) IRA؟ ذلك مبنى في سان بطرسبرج كان يمتلئ بأشخاص وظيفتهم هي إنشاء منشورات في مواقع التواصل الاجتماعي تروج أجندة بوتين وتفاقم التوترات السياسية في الولايات المتحدة. زعمت تلك الوكالة أن من جملة نجاحاتها إنشاء جماعتين متنافستين في تكساس: إحداهما جماعة شعبوية يمينية تضغط من أجل تحجيم الدولة وتناصر حقوق امتلاك السلاح، والأخرى جماعة إيمانية هي «المسلمون المتحدون في أمريكا»، وتناصر هيلاري كلينتون. وفي إنجاز مميز من التضليل المعلوماتي dezinformatsia، تمكنت الجماعتان المكونتان على فيسبوك والخاضعتان لسيطرة الروس، من إخراج عشرات من أبناء هاوستن الحقيقيين إلى الشوارع احتجاجا على بعضهم بعضا.
كانت إدارة (وكالة بحث الإنترنت) تقتضي دفع رواتب لمئات من الروس البارعين في التكنولوجيا والمجيدين للغة الإنجليزية لإنشاء شخصيات إلكترونية وإنشاء العديد من المنشورات كل يوم بأصوات تلك الشخصيات. هذه العملية كلها باتت آلية الآن. ولنا أن نتوقع منصات إعلام اجتماعي مثل فيسبوك وتويتر ممتلئة بمواد دعائية منشأة آليا لتعزيز وجهات نظر شخصيات سياسية خلافية.
من سوء الحظ أنه يصعب على الناس أن يتحركوا في أفق يجدون فيه أن كمًّا هائلا من المحتوى الذي يتعرضون له يناصر وجهة نظر واحدة. فالطبيعي عند التعرض لوابل من المنشورات الزاعمة بأن غزو أوكرانيا فعل مشروع هو أنك تتساءل إن كان دعمك لكييف قائما على معلومات مضللة أو أنه أصلا غير مدروس بالقدر الكافي، وأن تتساءل: هل هؤلاء الروس، وهؤلاء الأوربيون المناصرون لبوتين، والذين يبدون مواطنين عاديين، عندهم بعض الوجاهة؟
سيكون تحديا هائلا أن يتم الإبقاء على هذه الحسابات الهرائية الجديدة تحت السيطرة، ومن سوء الحظ أن المنصات لديها كل الحوافز الخاطئة عندما يتعلق الأمر بمكافحة المشكلة. فقد يرحب إيلون ماسك ـ الذي شهد تداعيات سوء إدارته لتويتر ـ بظهور هذه الروبوتات وإثارتها الجدل ونشرها من المحتوي ما يأتي بمشاركات كثيرة، ما دام المعلنون لا يشتكون من إهدارهم المال في بيع إعلان للروبوتات المدعومة من تشات جي بي تي.ما الذي ينبغي أن نفعله حيال إنشاء محتوى لا يستهدف منفعتنا، وإنما مخادعة محركات البحث أو تعزيز وجهات نظر متطرفة؟ لقد استعرضت أخيرا إجابة محتملة يمثلها نظام يطلق عليه «Otherweb» [الشبكة الأخرى] أنشأه مصمم الذكاء الاصطناعي أليكس فلينك. يحاول هذا النظام أن يفرز أخبار اليوم بحذف «الأخبار المضادة» [anti-news]، والأخبار المضادة هي المحتوى الذي تنشئه منظمات إخبارية احترافية لكنه عديم القيمة الإخبارية الفعلية ـ ومثاله المفضل عنوان من مصدر موثوق فيه نصُّه كالتالي «دعك مما تفعله مهما يكن وشاهد هذا الفيل إذ يلعب بالفقاقيع» ـ فهذا النوع من المحتوى ينشئه البشر لجذب الانتباه، وهو لا يقدم معلومات نافعة عن العالم برغم أنه قد يكون مسليا لبعض الوقت.
الأخبار المضادة هي العدو لفليلنك، وقد فكر كثيرا في إنشاء أخبار خالية من وسائل الجذبclickbait وغيرها من أشكال الأخبار المضادة. وإنني الآن أتلقى كل يوم رسالة من «الشبكة الأخرى» فيها تصفية لآلاف الأخبار وصولا إلى تسعة منتقاة لما يبدو فيها من حيادية وجدارة. والنظام يعمل بصورة جيدا للغاية، ففي غضون دقائق قليلة أتلقى استعراضا لعناوين مهمة دونما محاولات لجذب انتباهي أو توجيهه.ثمة مفارقة في طلب مساعدة الذكاء الاصطناعي لكي نشق طريقنا في أفق مليء بهراء أنشأته أنظمة منافسة من الذكاء الاصطناعي. ربما كان يمكن أن نجتنب تلك المشكلة لو أن (أوبن آي)، الذين أنشأوا تشات جي بي تي ـ كانوا أكثر مسؤولية في الطريقة التي أطلقوا بها أداتهم وأتاحوها للجمهور. يبدو مرجحا أن المستخدمين سوف يتمكنون من استعمال «تشات جي بي تي» أو شبيه له في المستقبل القريب للغاية، منشئين تيارا لا نهائيا من الهراء القابل للتسخير إما لتحسين المحركات البحثية أو توليد البروباجندا. ونرجو أن نرى عما قريب ابتكار أدوات تعيننا على المقاومة.
قد يفيدنا أيضا أن نعيد التفكير في الحوافز التي تجعل الإنترنت الحالي ناجحا. فالبريد الدعائي وظيفة من وظائف الإنترنت المدعومة إعلانيا والمتنافسة دائما على اهتمام المستخدمين. لو أننا عملنا على شيء أقرب إلى نموذج الاشتراك، سوف يتحتم أن تكون المواد أعلى جودة حتى يرغب المستخدمون في شرائها. ولو أن أنظمة من قبيل ريديت Reddit لم تكافئ المستخدمين لإنشائهم محتوى يرغب الناس في التفاعل معه، ستقل الحوافز إلى تضخيم منشوراتهم بهراء لا قيمة له.
ربما هناك طريقة لإقامة حوافز تكافئ الاشتباك عالي الجودة وتعاقب بشدة من ينشرون هراء الذكاء الاصطناعي. لكن في الوقت الراهن يبدو مرجحا أن المعركة على اهتمامنا سوف تمضي قدما إلى مناطق سريالية بورخيسية إذ نمخر عباب سلسلة لانهائية من القاعات السداسية الإنترنتية، مسلحين بأدوات لمساعدتنا في العثور على تلك الشذرات متزايدة الندرة من البصيرة البشرية الحقيقية.
إيثان زوكرمان أستاذ مشارك في السياسة العامة والمعلومات والاتصالات بجامعة ماساتشوستس أمهيرست. وهو من المخضرمين في صناعة الدوت كوم المبكرة وكان جزءًا من الفريق المؤسس لـ Tripod.com ، أحد مواقع المحتوى الأولى التي ينشئها المستخدمون على الإنترنت. وله العديد من الكتب في هذا المجال.
عن مجلة بروسبكت