ثورة الخدمات العامة.. نحو حكومات استباقية
الأربعاء / 8 / شعبان / 1444 هـ - 19:11 - الأربعاء 1 مارس 2023 19:11
«في عالمنا الجديد لا يأكل السمك الكبير السمك الصغير، بل السمك الأسرع يأكل الأبطأ»، بهذه العبارة الموجزة عبر رئيس ومؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي كلاوس شواب في كتابه «الثورة الصناعية الرابعة» عن أقرب تَصوّر لواقعنا المُعاش في ظل التسارع الكبير التي باتت التقنية فيه لاعبا رئيسا، هذا الواقع الذي تتملكه السرعة وتُحدد فيه المُنتصر، باستثناء أننا لا يجب أن نأكل بعضنا البعض. إن ثورة التقنية التي نعيشها اليوم لم تقتصر على إنتاج سلع وأجهزة متطورة، بل شملت تطوير نماذج الأعمال الإدارية وخدمة المتعاملين عبر التحول الرقمي ومنها أسلوب عمل الحكومات وطريقة تفاعلها وفاعليتها وكيفية تقديم خدماتها العامة للمستفيدين. لقد أفضى هذا التطور إلى بروز شكل جديد للحكومات، فبعدما كان دورها ينحصر في تقديم الخدمات، أصبح العالم يتحدث عما يسمى بـ (الحكومة الاستباقية)، ونقصد هنا بالحكومة الاستباقية هي ذلك الكيان الكلي المُنظّم للدولة، والذي يمتلك ذهنية تتسم بالسرعة والكفاءة في تحديث هياكله الإدارية والنظم والقوانين والتشريعات، ويتصف بالمرونة في التوجهات والسياسات العامة، وخِفَّة في آليات اتخاذ القرار واقتناص الفرص، والقدرة على توقع المخاطر واستباق معالجتها، ودعم الابتكار والإبداع في مختلف المجالات.. وهو ككيان فاعل ومتفاعل فهو في اطلاع عالمي دائم بالمستجدات، ومواكبا لكل جديد نافع، فالتسابق اليوم على القيادة والريادة يتطلب تغييرا جذريا في العمل المؤسسي، فلم يعد الاكتفاء بوضع الخطط ورسم الأهداف كافيا، ويمكن القول إن الاستباقية (توقع الاحتياجات) هي عنوان المرحلة. وحيث لم تعد كفاءة الأداء كما كانت سابقا ترتبط ارتباطا وثيقا بالتوسع والضخامة، فالعالم الرقمي الذي يُتِم عملياته في الهواء عن طريق موجات إلكترونية (الإنترنت) لم يعد يَأبَه بأبعاد المكان وحجم الكيانات، فالرقمية تتطلب منا اليوم الخِفَّة والمرونة، فالثقل والضخامة في الحكومات مدعاة للبطء ومنه إلى البيروقراطية.
إن الحديث عن الحكومة الاستباقية لا بد أن يحيلنا بصورة حتمية إلى العالم الرقمي، هذا العالم الذي تتمحور حوله متغيرات التحديث والتطوير بما فيه المجال الإداري للمؤسسات الحكومية، لكن الأمر واقعيا أعمق من ذلك بكثير، حيث لا يجب أن نتصور بأنه لمجرد نقل الخدمات إلى العالم الافتراضي الإلكتروني ستتكشف لنا خيرات العالم ونِعمه، فالحكومة مهما طورت من خدماتها وظلت ثقيلة وبطيئة، فلن تتقدم إلا بقدر انتقالها من نظام تقليدي إلى آخر محدث، إذ إن تكوين حكومة استباقية أساسها التحول الرقمي يمر بأربع مراحل ضرورية:
- تبدأ المرحلة الأولى بإيجاد استراتيجية رقمية وطنية، يتبعها البنية التحتية الممكنة لتبادل البيانات والتحول الرقمي وقنوات الحكومة الموحدة، ودليل شامل لمعلومات الخدمة، وحذف ودمج الخدمات الحكومية المتقاطعة، ورقمنة المستندات الورقية.
- تأتي المرحلة الثانية في هيكلة مسار رحلة المتعاملين مع الخدمات، وتحديد سياسات تبادل البيانات وحمايتها، وتمكين الخدمات العامة عبر إنشاء المنصات الرقمية، وحوكمة سياسة تقديم الخدمات.
- في المرحلة الثالثة تتحول جميع الخدمات إلى خدمات رقمية، تمكن المستفيدين من إنجاز جميع معاملاته عبر منصات إلكترونية.
- في المرحلة الرابعة يكون جمع البيانات وتحليلها والاستفادة من تقنيات الذكاء الصناعي في تجويد الخدمات وتقديم حلول فورية للمستفيدين هو صميم وصف الحكومة الاستباقية، التي تتعامل بديناميكية مع المتغيرات والمستجدات، وقادرة على توقع احتياجات المتعاملين، حيث يمكن وصف هذه العملية بإدارة المعرفة الخدمية.
يقود التحول الرقمي تغيرا كبيرا في سلوك الأفراد والشركات، حيث إن استخدام التكنولوجيا في الحياة اليومية بشكل واسع لما توفره من راحة ورفاهية وسرعة في التواصل والإنجاز، يتطلب من الحكومات مواكبة التغير في احتياجات العملاء بل وتوقع احتياجاتهم قبل طلبها، وهذا ما أفضى إلى التنافس بين الحكومات في جميع أنحاء العالم في تهيئة البيئة المناسبة للوصول بأفضل ممارسة في خدمة المستفيدين خاصة المستثمرين منهم، كون أن سهولة إنجاز المعاملات أحد العوامل الحاسمة في جذب رؤوس الأموال والاستثمار، وهذا اقتضى الانتقال من حكومات موفرة للخدمات إلى حكومة تستبق المتطلبات والاحتياجات.
على المستوى المحلي، تخطو سلطنة عمان خطوات جبارة في التحول الرقمي عامةً وفي تطوير نموذج عمل الخدمات الحكومية بشكل خاص، من خلال تحسين بيئة الأعمال وتسهيلها وتكاملها وتسريع إنجازها، وتحديث العديد من القوانين والتشريعات التي تتواكب مع التطورات العالمية والمحلية، ويعد افتتاح صالة «استثمر في عُمان» هو أحد نماذج العمل الحكومي الجديد الذي تسعى السلطنة من خلاله إلى إحداث ثورة في عملية تقديم الخدمات، وإلى توفير مناخ محفز وجالب للاستثمار محليّا ودوليّا، ولتكون صالة «استثمر في عُمان» المرجع الأول للمستثمر لينجز من خلالها كافة الإجراءات والمتطلبات لتأسيس وتشغيل وإنهاء إجراءات استثماره في سلطنة عُمان، كما تسهم الصالة في تعزيز مبدأ تكامل الأدوار مع الشركات في القطاعين الحكومي والخاص؛ من خلال وجود الجهات الداخلة في المنظومة الاستثمارية، إضافة إلى توفير قاعدة بيانات وطنية عن المستثمرين مع خارطة استثمارية متكاملة ومدروسة، وتسلط الضوء على القطاعات والقوانين والتسهيلات للمستثمرين لتكون سلطنة عُمان واحدة من أفضل وجهات الاستثمار.
إن مواكبة التطورات في مجال تقديم الخدمات العامة يؤكد تماما أنَّ عُمان حاضرة بقوة على خارطة التقدم والازدهار، وأن الوجهة المرسومة لرؤية عمان 2040 ستتحقق بفضل السياسات الحكيمة التي تنفذها القيادة السامية وترصد لها الموازنات وتهيئ لها البيئة الخصبة لتطورها وتقدمها.
ماجد الخروصي باحث اقتصادي
إن الحديث عن الحكومة الاستباقية لا بد أن يحيلنا بصورة حتمية إلى العالم الرقمي، هذا العالم الذي تتمحور حوله متغيرات التحديث والتطوير بما فيه المجال الإداري للمؤسسات الحكومية، لكن الأمر واقعيا أعمق من ذلك بكثير، حيث لا يجب أن نتصور بأنه لمجرد نقل الخدمات إلى العالم الافتراضي الإلكتروني ستتكشف لنا خيرات العالم ونِعمه، فالحكومة مهما طورت من خدماتها وظلت ثقيلة وبطيئة، فلن تتقدم إلا بقدر انتقالها من نظام تقليدي إلى آخر محدث، إذ إن تكوين حكومة استباقية أساسها التحول الرقمي يمر بأربع مراحل ضرورية:
- تبدأ المرحلة الأولى بإيجاد استراتيجية رقمية وطنية، يتبعها البنية التحتية الممكنة لتبادل البيانات والتحول الرقمي وقنوات الحكومة الموحدة، ودليل شامل لمعلومات الخدمة، وحذف ودمج الخدمات الحكومية المتقاطعة، ورقمنة المستندات الورقية.
- تأتي المرحلة الثانية في هيكلة مسار رحلة المتعاملين مع الخدمات، وتحديد سياسات تبادل البيانات وحمايتها، وتمكين الخدمات العامة عبر إنشاء المنصات الرقمية، وحوكمة سياسة تقديم الخدمات.
- في المرحلة الثالثة تتحول جميع الخدمات إلى خدمات رقمية، تمكن المستفيدين من إنجاز جميع معاملاته عبر منصات إلكترونية.
- في المرحلة الرابعة يكون جمع البيانات وتحليلها والاستفادة من تقنيات الذكاء الصناعي في تجويد الخدمات وتقديم حلول فورية للمستفيدين هو صميم وصف الحكومة الاستباقية، التي تتعامل بديناميكية مع المتغيرات والمستجدات، وقادرة على توقع احتياجات المتعاملين، حيث يمكن وصف هذه العملية بإدارة المعرفة الخدمية.
يقود التحول الرقمي تغيرا كبيرا في سلوك الأفراد والشركات، حيث إن استخدام التكنولوجيا في الحياة اليومية بشكل واسع لما توفره من راحة ورفاهية وسرعة في التواصل والإنجاز، يتطلب من الحكومات مواكبة التغير في احتياجات العملاء بل وتوقع احتياجاتهم قبل طلبها، وهذا ما أفضى إلى التنافس بين الحكومات في جميع أنحاء العالم في تهيئة البيئة المناسبة للوصول بأفضل ممارسة في خدمة المستفيدين خاصة المستثمرين منهم، كون أن سهولة إنجاز المعاملات أحد العوامل الحاسمة في جذب رؤوس الأموال والاستثمار، وهذا اقتضى الانتقال من حكومات موفرة للخدمات إلى حكومة تستبق المتطلبات والاحتياجات.
على المستوى المحلي، تخطو سلطنة عمان خطوات جبارة في التحول الرقمي عامةً وفي تطوير نموذج عمل الخدمات الحكومية بشكل خاص، من خلال تحسين بيئة الأعمال وتسهيلها وتكاملها وتسريع إنجازها، وتحديث العديد من القوانين والتشريعات التي تتواكب مع التطورات العالمية والمحلية، ويعد افتتاح صالة «استثمر في عُمان» هو أحد نماذج العمل الحكومي الجديد الذي تسعى السلطنة من خلاله إلى إحداث ثورة في عملية تقديم الخدمات، وإلى توفير مناخ محفز وجالب للاستثمار محليّا ودوليّا، ولتكون صالة «استثمر في عُمان» المرجع الأول للمستثمر لينجز من خلالها كافة الإجراءات والمتطلبات لتأسيس وتشغيل وإنهاء إجراءات استثماره في سلطنة عُمان، كما تسهم الصالة في تعزيز مبدأ تكامل الأدوار مع الشركات في القطاعين الحكومي والخاص؛ من خلال وجود الجهات الداخلة في المنظومة الاستثمارية، إضافة إلى توفير قاعدة بيانات وطنية عن المستثمرين مع خارطة استثمارية متكاملة ومدروسة، وتسلط الضوء على القطاعات والقوانين والتسهيلات للمستثمرين لتكون سلطنة عُمان واحدة من أفضل وجهات الاستثمار.
إن مواكبة التطورات في مجال تقديم الخدمات العامة يؤكد تماما أنَّ عُمان حاضرة بقوة على خارطة التقدم والازدهار، وأن الوجهة المرسومة لرؤية عمان 2040 ستتحقق بفضل السياسات الحكيمة التي تنفذها القيادة السامية وترصد لها الموازنات وتهيئ لها البيئة الخصبة لتطورها وتقدمها.
ماجد الخروصي باحث اقتصادي