ثقافة

مصطفى النفيسي: أنا مقل في النشر لأن القراءة لم تعد مغرية

جاء من قارة الشعر إلى أرض الرواية

 


  • مصطفى النفيسي:




- لم أمنح بطل روايتي اسما بحيث يبقى علامة دالة على انعدام الهوية

- لم يعد أحد يقيم اعتبارا لقيم الوفاء والإخلاص والاحترام والصدق والجيرة السليمة

- الشعر يغرس ورودا حمراء في الرواية ويخلصها من الصرامة

- تخصصي الأكاديمي لم يكن الأدب بل الفلسفة.. والرواية هي درس يمتلئ بالحكمة

- اتجهت للرواية لأنني أمتلك نفَسَا سرديا طويلا يتجاوز أحيانا وعاء كتابة القصة

- أقرب كاتب إلى ذائقتي هو أنيس الرافعي لأن نصوصه تتجه نحو التجريب

يعد الكاتب مصطفى النفيسي أحد الوجوه المغربية المتميزة رغم قلة إصداراته فبين مجموعته القصصية «تطريزات على جسد غيمة» 2010، وروايته الجديدة «طرقات بمزاج سيئ» مر أكثر من 12 عاما، والملاحظ من العنوانين أن هناك حالة شعرية تمتزج بكتاباته، خاصة وأنه بدأ شاعرا ثم اتجه إلى السرد.

بطل رواية مصطفى النفسيي هو حارس مرمى، وحراس المرمى غير مسموح لهم إلا بمنطقة جزاء محددة يتصرفون فيها على طبيعتهم أما إذا غادروها فسيصبحون غرباء غير مسموح لهم بما هو مسموح لغيرهم، وهذا البطل يقرر هجرة منطقته، أو بمعنى أدق بيته وزوجته البرجوازية إلى العالم المجهول.

في هذا الحوار يتحدث مصطفى النفيسي عن بطل روايته، كما يتحدث عن تنقَّله من الشعر إلى القصة إلى الرواية إلى الفلسفة وما يطمح إليه من وراء الأدب.

- هل اختيار حارس مرمى ليكون بطلا لروايتك «طرقات بمزاج سيئ» سببه أنه اللاعب الوحيد غير المسموح له بالتحرك من منطقته وهو ما حاول الثورة عليه بعد ذلك في حياته؟

اختيار حارس مرمى ليكون بطلا للرواية لم يكن أمرا اعتباطيا، ولم يُمنح له أي اسم، بحيث يبقى علامة دالة على انعدام الهوية. فهو بدون شك صورة لكل الكائنات الإنسانية المعاصرة التي أصبحت لا تختلف عن بعضها البعض، ثم صحيح أنه فعلا غير مسموح له بالحركة كحارس مرمى، لكن بشكل آخر هو مجرد نسخة. إنه صورة فقط للإنسان الذي يجد نفسه دائما في ورطة، وعادة تكون مآزق حارس المرمى غير قابلة للإحصاء داخل مباراة واحدة، وأيضا داخل مباريات كثيرة خلال مساره الرياضي، لذلك فاختيار حارس المرمى كبطل للرواية كان عبارة عن رغبة في القول: إن الإنسان في العصر الراهن هو قليل الحيلة، ومدفوع إلى أن يحل ورطاته الكثيرة والمستعصية، بل مستحيلة الحل كتلك التي يتعرض لها حراس المرمى، مما يدفع به في الختام إلى الاندفاع إلى الهاوية. وهذا تحديدا ما وقع لحارس المرمى، حينما وجد نفسه في طرقات سيئة المزاج تقوده إلى مصائر أكثر حُلْكَة من واقعه الذي كان يعيشه. وهذا واقع حال كل الكائنات الإنسانية التي لم يعد يعجبها أي شيء. فتسعى إلى التغيير، كالهجرة مثلا أو تغيير المهنة أو على الأقل تغيير السكن، لكن المعاناة تكبر والواقع يزداد ترديا.

- ما الأسباب التي دعت حارس المرمى ليهجر حياته بالكامل..؟ هل رتابة العلاقة الزوجية يمكنها تفسير حدث تنبني عليه رواية بالكامل؟

السبب الموضوعي في الحقيقة في هروب حارس المرمى هو أنه قد وجد نفسه وجها لوجه أمام زوجة متعالية، تتنمر عليه طيلة الوقت، وتهزأ به في غالب الأحيان. وهذا طبيعي لأنهما من طبقتين مختلفتين. فهو من طبقة الكادحين، وهي من الطبقة البورجوازية. ولكل طبقة تقاليدها وطرق عيشها وسلوكياتها داخل المنزل وخارجه. لذلك غالبا ما كان حارس المرمى يجد نفسه يقوم بسلوكيات مبتذلة، وغير متحضرة قياسا لسلوكيات زوجته التي تربت في وسط له طقوسه المخملية الخاصة، لكن هذه تبقى مجرد صورة لما يعيشه الإنسان المعاصر الذي لا يختار مصيره، بل يجد نفسه مدفوعا دفعا لأن يعيش حياة ليست حياته التي حلم بها. ويمتهن مهنة تصبح جزءا من معاناته، لأنها تتحول إلى جلاد يَقْتَصُّ منه في كل لحظة وحين. ولذلك فهذه الرواية هي تعبير عما قام به أناس كثر في الواقع من تغيير للزوجات أو تغيير للمهن أو ربما تغيير بلدان الإقامة هربا من مصيرهم ومن واقعهم.

- هناك أيضا حارس آخر هو حارس العقار الذي يتعرض كذلك لتعامل سيئ من الجميع.. هل اخترته ليكون أشبه بمرآة لحارس المرمى؟

طبعا هناك حارس آخر هو حارس العمارة الأقل شأنا من الجميع بنظر عامة الناس. إنه مجرد شبح في غالب الأحوال، ومعاناته أكثر وَخَامَة. وهو ينتمي إلى فئة أصبحت تتسع يوما بعد يوم. فحراس العمارات كُثُرٌ اليوم، وهم يجسدون في الحقيقة فعل المراقبة الذي يتعرض له الإنسان المعاصر. إنهم مخبرون صغار يعرفون كل شيء عن سكان العمارة، يعرفون كل صغيرة وكبيرة عن مهنهم ورواتبهم وأوقات شجاراتهم، ويعرفون كل شيء عن نجاحات أبنائهم أو فشلهم. وهم طيلة الوقت يمنون أنفسهم بعيش حياة الرفاهية التي يعيشها هؤلاء السكان، مثلما وقع لحارس العمارة في الرواية، والذي كان يمني نفسه بالحصول على زوجة حارس المرمى، وقد حصل له ذلك. لكن نهايته كانت مأساوية. ومن المفارقات أن لا أحد ينتبه لحارس العمارة. لا أحد ينتبه لمعاناته أو لأحلامه وطموحاته. فبماذا يحلم حراس العمارات؟ وما طموحاتهم؟

وبشكل عام تأتي هذه الرواية عبارة عن مساءلة للضمير الأخلاقي للإنسان المعاصر. فنحن نعيش ترديا أخلاقيا، بحيث لم يعد أحد يقيم اعتبارا لقيم الوفاء والإخلاص والاحترام والصدق والجيرة السليمة وكل القيم الإنسانية الجميلة.

- لم تقترب الرواية كثيرا من الزوجة ومشاعرها لماذا؟

كانت زوجة حارس المرمى الشخصية الثالثة في ترتيب الشخصيات الأساسية. وربما لم تنل شخصيتها من التحليل ما نالته شخصية حارس المرمى أو شخصية حارس العمارة. فشخصيتها كانت تقف دائما في الزاوية بكامل زينتها كلاعبة تنس فاشلة، ولكنها تحفظ كل تفاصيل الإتيكيت الخاص بطبقتها البرجوازية. ولذلك بدا واضحا في الرواية أن حظها هي الأخرى عاثر مثل أمها التي لم تعش حياة مثالية مع أبيها. وفي الختام لا أحد يعيش حياة مثالية، فحتى الأغنياء لهم معاناتهم ومآزقهم. فمصير الإنسان بشكل عام والإنسان المعاصر بشكل خاص هو أن يخطئ الطريق، وأن يمشي في طرقات ذات مزاج سيئ، أي طرقات لا تكون رحيمة به، ولا تسعى إلى الاحتفاء بعبوره، أو تحَمُّل تعثراته وحماقاته، بل تصبح أكثر قسوة، إذ تطوح به إلى حلبات نزال أكثر خطورة من سابقاتها، ذلك أن الحياة هي بدون شك مجرد حلبة كبيرة لنزالات يفشل فيها الجميع. فلا بطل في النهاية. كل المتبارين يصبحون منهزمين، أي أنهم لاعبون رديئون في مباريات حامية الوطيس. فلا أحد ينجو. والجميع يقع مغشيا عليه مثلما حدث لحارس المرمى وحارس العمارة أيضا.

لكن هناك حوارات دارت في الرواية بين زوجة حارس المرمى وحارس العمارة، وتضمنت تعبيرا صريحا من طرفها عن مشاعر المحبة التي تكنها له، وأيضا رغبتها في اللقاء به، وتلهفها للسفر معه إلى أمكنة أخرى. كما تمت الإشارة إلى الإحباط الذي أصابها حينما اعتقدت بأن الطارق الذي طرق بابها ذات يوم، كان حارس المرمى، الذي ربما عاد نادما، لكن في حقيقة الأمر كان الأمر يتعلق بساعي البريد. وبشكل عام لم تحتل الزوجة حيزا كبيرا لأن الغرض كان هو التركيز على الحارسين اللذين يشتركان في صفة الحراسة وهي مرادفة للمراقبة التي تطبع الحياة المعاصرة المدججة بالكاميرات المبثوثة في كل مكان، إضافة إلى إمكانية التلصص التي تتيحها.

- هناك روح شعرية في الرواية ظهرت في سيل التشبيهات.. ما رأيك؟ وهل سببها أن لك علاقة بكتابة الشعر؟

فعلا، لا يمكن إنكار أن فصول الرواية كلها جاءت مغلفة بأغلفة شعرية، هذا واضح جدا، فالصور الشعرية كثيرة. وهذا مبدأ في الكتابة بالنسبة لي. فكل كتابة سردية يجب أن تخرج من جلباب الصرامة التي يفرضها تسلسل الأحداث، وتعطي القارئ مساحات للحلم والتفكير في مسارات أخرى للحكي، والشعر تحديدا يغرس ورودا حمراء في حدائق السرد، ويجعل جنباته تتعطر وتتلون بألوان زاهية.

من جهة أخرى، وبخصوص علاقتي بالشعر، كانت بداياتي الأولى في الشعر فعلا. فقد جئت من قارة الشعر، وكانت نصوصي الأولى عبارة عن قصائد نشرها مشكورا الدكتور عبد الصمد بلكبير بمجلة «الملتقى» التي يصدرها بمراكش. وأعتقد أن الشعر مرة أخرى هو ما يمنح الحكاية تلك الروح التي تجعلها تجلس على كرسي الأدب جاعلة السرد عبارة عن سفر مُطَرَّز بالصور البلاغية التي تضفي نكهة محببة يستعذبها القارئ ويميل إليها. ففي الحقيقة الشعر كان مطيتي الأولى، وبعد ذلك جاء السرد ليأخذني في أسفار أخرى لتجريب مغامرات مختلفة. فالسرد أشبه ما يكون بالسفر الجغرافي أو الترحُّل.

- هناك اقتراب من الواقع في بعض الحالات ككتابة اسم مدينة وجدة وغيرها ومع هذا يتسرَّب شعور إلى القارئ بأن العمل غير واقعي.. هل قصدت هذا؟

كل تفاصيل الرواية هي من وحي الخيال، ولا علاقة لها بالواقع تماما، أي أن أحداثها لم تحدث بشكل حرفي في الواقع. قد تكون هناك أحداث مقتطفة من الواقع اليومي، ولكن بدون نية مبيَّتة للحديث عن واقع بعينه، وعن أشخاص بعينهم، أو حيوات أشخاص عاشوا الأحداث نفسها في الواقع.

- هناك ما يشبه روح الحكمة تظهر بامتداد الرواية.. هل هذا مرده إلى قراءات فلسفية أم قناعة بأن الرواية يجب أن تمتزج بالفلسفة؟

كانت الفلسفة دائما مجالي الحيوي. فما أحببته في الواقع هو الفلسفة، وتخصصي الأكاديمي لم يكن الأدب، بل درست الفلسفة في الجامعة. وطيلة مساري المهني اشتغلت على نصوص فلسفية كمدرس للفلسفة. لذلك فمن الطبيعي أن تكون الحكمة حاضرة في دروب الرواية خاصة لأطروحات بعينها أومن بها، وربما كي أمنح مسارات الحكي والأحداث شرعية معينة انطلاقا من إسقاط أفكار الفلاسفة عليها، ثم إني أعتبر أن الرواية كانت دائما عبارة عن درس يمتلئ بالحكمة التي يجدر بالقارئ التقاطها دائما.

- لك مجموعة قصصية.. ما الفارق بين كتابة القصة وكتابة الرواية وأين تجد نفسك أكثر؟

لقد كانت أول إصداراتي عبارة عن مجموعة قصصية بعنوان «تطريزات على جسد غيمة»، سنة 2010 عن دار «أزمنة» التي كان يديرها الأديب إلياس فركوح رحمه الله، وأعتبر أن الفرق بين كتابة الرواية وكتابة القصة هو أن كتابة الرواية عمل صعب حافل بالمغامرة، بل هو عمل مضنٍ.

فرواية «طرقات بمزاج سيئ» استغرقْتُ في كتابتها ست سنوات، وأعدت كتابة بعض فصولها مرتين، وغيرت فيها مجموعة من الحوارات، لكن كتابة القصة قد تستغرق أحيانا صبيحة في مقهى، ثم بعد ذلك تخضع لمراجعات يسيرة مقارنة بتلك التي تخضع لها الرواية، وربما أنا قاص بنفس روائي. فقصصي عادة هي عبارة عن نصوص طويلة، وإن كنت أعتبر أن السفر من القصة إلى الرواية أو العكس هو شيء يحدث عند الكثيرين من الكتاب.

- لماذا أنت مقل في إصدار الأعمال؟

أعترف أنني مُقِلٌّ في إصدار أعمالي. فحينما أصدرت مجموعتي القصصية الأولى كانت لديَّ مجموعتان قصصيتان جاهزتان للطبع، وهذا يعود طبعا لتراجع القراءة. فالقراءة لم تعد أمرا مغريا مثلما كان الأمر عليه في القرن الماضي على الأقل. لذلك فإنني أعتبر أن مسألة النشر هي مسألة مؤجلة إلى حين.

- ما جيلك في المغرب؟ ومن الأقرب إلى ذائقتك من جيلك؟ ولماذا؟

أعتبر أنني أنتمي إلى جيل التسعينيات باعتبار أنني نشرت نصوصا في عدة مجلات في تلك المرحلة. وبالنسبة لأقرب قاص إلى ذائقتي الأدبية من جيلي فهو القاص المغربي أنيس الرافعي، لأنني أجد أن نصوصه تنحو نحو التجريب والتجديد وتفتح أفق الكتابة القصصية على احتمالات سردية عديدة، مثلما تمنحها الغنى الذي تستحقه.

- وما الروايات العربية والعالمية التي شكلت وعيك؟ ولماذا؟

أدعي أنني قارئ جيد، ولذلك فمن الروايات العربية التي شكلت وعيي روايات مصطفى لطفي المنفلوطي، ورواية «آيلان أو ليل الحكي» لإدموند عمران المالح، ورواية «الزمن الموحش» لحيدر حيدر ورواية «شرق المتوسط» لعبد الرحمن منيف. ومن الروايات العالمية «البحث عن الزمن الضائع» لمارسيل بروست، و«يوليسيوس» لجيمس جويس، و«كافكا على الشاطئ» لهاروكي موراكامي، و«كائن لا تحتمل خفته» لميلان كونديرا، و«الصرخة الصامتة» لكنزابورو أوي، و«السيدة دالاوي» لفرجينيا وولف، وثلاثية جونتر جراس، «آلام فيرتر» لجوته ورواية «مائة عام من العزلة» لجارسيا ماركيز لأنها روايات كانت تجيب بشكل ما على الأسئلة الوجودية والجمالية الحارقة التي كانت تحاصر وعيي طيلة الوقت.

- هل اتجاهك إلى الرواية بعد هذه السنوات الطويلة على بدايتك بسبب ما تجده الرواية من اهتمام؟

اتجهت إلى الرواية لأنني أجد نفسي أمتلك نفسا سرديا طويلا يتجاوز أحيانا وعاء كتابة القصة القصيرة. فالرواية تمنحك مساحات واسعة للتعبير والحديث عن التفاصيل بينما القصة تنحو بك نحو التقشف في الحكي و تجنب الإطناب.

- وأخيرا.. ما مشروعك القادم؟

لديَّ الآن ثلاث مجموعات قصصية جاهزة للطبع، وطبعا هناك مغامرات سردية أخرى في مجال الرواية تلوح لي، ونداءاتها جد ملحة.