نوافذ: ما بين ثيسجر والمنطاد الصيني
الأربعاء / 1 / شعبان / 1444 هـ - 20:05 - الأربعاء 22 فبراير 2023 20:05
أسقطت المقاتلات الأمريكية منطادا صينيا الأسبوع الماضي مدعية أنه منطاد تجسسي، بينما تدافع الصين بأنه منطاد للأرصاد الجوية، وأيا كان الأمر فقد استدعى الخبر عندي الكثير من الصور، منها صور للمنطاد الذي ركبه فيليس فوج ومرافقه بيسبارتو من لندن ليجوب العالم في ثمانين يوما.
بني الفيلم على رواية للفرنسي جو فيرني المنشورة عام ١٨٧٢ التي تعد أكثر رواياته نجاحا، ورغم أن البطل في الرواية لم يركب البالون بل سافر باستخدام القطار، إلا أن الفيلم الذي صور في ١٩٥٦، رسّخ صورة فيليس فوج وهو يحلق بالمنطاد، وهذه هي الصورة عينها التي علقت في ذاكرتي وذاكرة الملايين عن هذه الرواية.
لكن فكرة المنطاد كانت حاضرة بالطبع قبل هذا كله، فأول بالون هواء ينجح في الارتفاع عن سطح الأرض كان من صنع الأخوين الفرنسيين مونجولفييه عام ١٧٨٣، بينما اخترع المهندس الفرنسي هنري جيفارد عام ١٨٥٢ أول منطاد يعمل بالطاقة، واخترع الكونت فون زيبلين في نهايات القرن الثامن عشر منطادا مبنيا من مادة صلبة بإطار معدني، استخدم في نطاق واسع لحمل الركاب والسفر بهم إلى مدن مثل باريس ولندن والقاهرة وإسطنبول والقدس، حتى أنه قطع الأطلسي ووصل إلى الأمريكيتين.
استخدم منطاد زيبلين في الأغراض العسكرية أيضا، وقام برجم باريس ولندن بمئات القنابل في الحرب العالمية الأولى، مما دفع الحلفاء الموقعين على معاهدة فيرساي اشتراط تسليم ما تبقى من المناطيد كواحد من شروط الاتفاقية، أما الجيش الأمريكي فلم يتوقف عن استخدام المنطاد في عملياته العسكرية حتى عام ١٩٦٢.
قبل هذا كله، كان التجسس مهمة أشخاص يسافرون بالسفن ويقطعون الصحاري راكبين الجمال أو على أقدامهم، يستكشفون البلاد والثقافات ويدونونها، وما الجمعية الجغرافية الملكية في لندن برحالتها ومستشرقيها وعلمائها- ومنهم ألفرد ثيسجر- إلى مقر استخباراتي عريق، ولأن الإنجليز ومثلهم الأمريكان يدركون ذلك، فإن تطور وسائل جمع المعلومات عبر الأقمار الصناعية وغيرها من الوسائل الحديثة رغم نجاعته، لا يغني عن وجود الجواسيس.
ومن هنا، لن يغني جمع المعلومات والبيانات عن المعرفة المباشرة بالأشخاص، وإن نجحت الخوارزميات الخارقة في تبين الميول العامة وتوجيهها، سيبقى هناك دوما تلك الحاجة لصنع عنصر مخابراتية بشرية، تسير بيننا وتجلس معنا وتجمع المعلومات الأكثر عاطفية والأكثر دقة، دون أن ندرك ذلك وإن أدركناه فبعد فوات الأوان.
بشرى خلفان كاتبة وروائية عمانية
بني الفيلم على رواية للفرنسي جو فيرني المنشورة عام ١٨٧٢ التي تعد أكثر رواياته نجاحا، ورغم أن البطل في الرواية لم يركب البالون بل سافر باستخدام القطار، إلا أن الفيلم الذي صور في ١٩٥٦، رسّخ صورة فيليس فوج وهو يحلق بالمنطاد، وهذه هي الصورة عينها التي علقت في ذاكرتي وذاكرة الملايين عن هذه الرواية.
لكن فكرة المنطاد كانت حاضرة بالطبع قبل هذا كله، فأول بالون هواء ينجح في الارتفاع عن سطح الأرض كان من صنع الأخوين الفرنسيين مونجولفييه عام ١٧٨٣، بينما اخترع المهندس الفرنسي هنري جيفارد عام ١٨٥٢ أول منطاد يعمل بالطاقة، واخترع الكونت فون زيبلين في نهايات القرن الثامن عشر منطادا مبنيا من مادة صلبة بإطار معدني، استخدم في نطاق واسع لحمل الركاب والسفر بهم إلى مدن مثل باريس ولندن والقاهرة وإسطنبول والقدس، حتى أنه قطع الأطلسي ووصل إلى الأمريكيتين.
استخدم منطاد زيبلين في الأغراض العسكرية أيضا، وقام برجم باريس ولندن بمئات القنابل في الحرب العالمية الأولى، مما دفع الحلفاء الموقعين على معاهدة فيرساي اشتراط تسليم ما تبقى من المناطيد كواحد من شروط الاتفاقية، أما الجيش الأمريكي فلم يتوقف عن استخدام المنطاد في عملياته العسكرية حتى عام ١٩٦٢.
قبل هذا كله، كان التجسس مهمة أشخاص يسافرون بالسفن ويقطعون الصحاري راكبين الجمال أو على أقدامهم، يستكشفون البلاد والثقافات ويدونونها، وما الجمعية الجغرافية الملكية في لندن برحالتها ومستشرقيها وعلمائها- ومنهم ألفرد ثيسجر- إلى مقر استخباراتي عريق، ولأن الإنجليز ومثلهم الأمريكان يدركون ذلك، فإن تطور وسائل جمع المعلومات عبر الأقمار الصناعية وغيرها من الوسائل الحديثة رغم نجاعته، لا يغني عن وجود الجواسيس.
ومن هنا، لن يغني جمع المعلومات والبيانات عن المعرفة المباشرة بالأشخاص، وإن نجحت الخوارزميات الخارقة في تبين الميول العامة وتوجيهها، سيبقى هناك دوما تلك الحاجة لصنع عنصر مخابراتية بشرية، تسير بيننا وتجلس معنا وتجمع المعلومات الأكثر عاطفية والأكثر دقة، دون أن ندرك ذلك وإن أدركناه فبعد فوات الأوان.
بشرى خلفان كاتبة وروائية عمانية