عمان الثقافي

حلم عايل

 
حَلم عايل أنه التقى بالوزير. ركب معه في سيارته وكان الوزير يقود به. إنها نوع من السيارات الفارهة التي أدمن عايل على مشاهدتها في تلفونه ومتابعة أخبارها أولا بأول. كان متوترا قليلا ولكن بنسبة تقل عن توتره حين يطلبه مديره إلى مكتبه في دائرة الكهرباء. كان الوزير يقود السيارة باهتمام ويتحدث معه بأريحية، كأنهما أخوة ولكن الحياة فرقت بينهما. أنغام ناعمة تنبعث من أماكن مختلفة في السيارة، وهذا أيضا قد قرأ عنه عايل، أي عن الأجهزة الدقيقة لهذه السيارات، ولكنه الآن يسمعها بحق؛ يسمع الأنغام حتى وإن كان نائما. اقترح عليه الوزير أن يتفسحا في الشاطئ، فوافق عايل، وكان مستمتعا برفاهية المقعد. يمسح على الباب المغلف بالجلد ويشعر براحة حقيقية في يده، راحة من فرط لذتها تكاد أن توقظه من نومه.

حين وصلا إلى الشاطئ، انتبه عايل إلى أنهم في عز الصيف وأن الدنيا جحيم في الخارج. لكنه، عندما وجد الوزير يخرج من السيارة، فتح الباب وأغلقه خلفه حتى سمع اصطكاكه الناعم، الشبيه بنشوة الروح. مشيا على الرمل المصطلي بالحرارة واصطدما بتيار الهواء اللافح. الغريب أن الوزير كان مستمتعا بالأجواء. مشى وهو يسحب الهواء الساخن ويعبئ به رئتيه، مبتسما وكأن موسيقى السيارة لم تغادر سمعه. إنه الفرق بينه وبين الوزير؛ فهذا لا يعبأ بما حوله بينما ينزعج هو من حرارة الطقس، ويوشك أن يختنق بها. بل إن حلمه الذي يكاد أن يتحول إلى كابوس مخيف من قبيل: (يد المدير الضخمة تعتصر عنقه بسبب خطأ في تشغيله المحول الكهربائي... صاعق يدخل عينه ويخرج من أظافره... صيخ طباخة المطعم يعلق في دشداشته ويسحبه إلى جوف الطباخة ويجعله يدور مع الدجاج وينشوي معها... إلخ) لولا أنه قال شيئا جعل الوزير يقفل عائدا إلى السيارة. لا يتذكر ما قاله ولكن الوزير ضحك منه وعدل عن نزهته الحارقة، وهذا هو الأهم. ربما قال إنهما سينطبخا كسمك مشوي لو لم يعودا إلى السيارة فورا! ومع أنه كلام غير مسل، إلا أنه أضحك الوزير... وهذا فرق ثان بين العمال والمسؤولين.

«فلنذهب إلى المزرعة إذن» - قال الوزير وهو يدير مقود المرسدس أو البي إم دبليو، تدويرا لا يُسمع له سوى حفيف يتردد في عمق الأحلام الملونة. بسرعة وصلا إلى المزرعة. إنها تشبه ما يشاهده في المجلات والأفلام. جلس عايل في كرسي من كراسي الخيزران الكثيرة، بينما وقف الوزير يقلب اللحم على المشواة. لم يشمر عن ساعديه ولم يعبأ بالدخان، وكان يمسك بالأصياخ كأنه يمسك بقلم فاخر، وفوق ذلك كان مستمتعا بعمله يبتسم؛ وهنا يكمن الفرق الأساسي بينهما: الوزير يلتذ بكل ما يقوم به، حتى وإن كان متعبا، بينما يشقى به عايل. فجأة، وكأنه انبثق من العدم، ظهر رجل بجوار الوزير. انسدلت عِمّته وظللت وجهه حتى حطت بطرفيها على كتفيه. كان يقوم بمساعدة الوزير: يشك اللحم في الأصياخ ويرش عليها البهار ويدهنها بسائل بني كثيف، لم يتثبت منه عايل ولكنه شعر بطعمه الشهي.

كان الرجل المخفي يقوم بكل شيء تقريبا حتى خيل لعايل أنه يستنشق الدخان بدل الوزير. ولكن الهواء كشف عن وجه الرجل فرأى عايل أنه يشبه مدير دائرته. هل هو مديره أم غيره من مديري الوزارة؟ العيون تتشابه أم لا؟ ملامح الوجه، الشارب، الشفاه، لون البشرة، قامة الجسم وحجمه؟ ليس بمقدوره التأكد، ولكنه كان على يقين أن الروح التي تسكن الشخص الواقف في ظل الوزير شبيهة بروح مديره، إن لم تكن هي نفسها. بدون إرادة منه، بل وبعكس ما يرغب فيه تماما، راح عايل يركز على الوجه المظلل. شيئا فشيئا أخذ يستجلي الشبه بين الرجل ومديره، وكان كلما ازداد يقينا بذلك، سقطت عن عايل قطعة من ملابسه، وهكذا، قطعة بعد قطعة حتى تعرى تماما. كابوسٌ آخر من كوابيسه المعتادة يريد أن يفسد حلمه: (يمشي في السوق وفجأة يجد أن نصفه السفلي عارٍ... أو يكون واقفا على السلم المعدني لتصليح عطل في محول الحي، فجأة يتحلق الناس تحت السلم فيكتشف أنه فقد سرواله وأن الناس يركزون عيونهم عليه) إنه أكثر الكوابيس ورودا في منامه وأشدها رعبا: أن يكون عاريا. تكوّم في كرسي الحديقة محاولا إخفاء عورته. الوزير يلتهي بتقليب اللحم والمدير، أو روحه المتسلطة، ترميه بنظرة فاحصة. تريد أن تفضحه، في حين يحاول عايل مداراة عورته بيديه اللتين وجدهما، ويا للرعب، صغيرتين جدا. حاول أن يفعل شيئا لإبعاد الكابوس والاحتفاظ بالحلم. حاول أن يستر نفسه. دخل في صراع عنيف مع نظرة المدير وهي تنازعه الحلم وتريد استبداله بكابوس. حاول عايل أن يستجدي الوزير. «هل نسيت أخوّتنا القديمة؟ ألا تتذكر النكتة التي نسيتها أنا على الشاطئ ولكنها أضحكتك؟ فلماذا لا تساعدني إذن؟». ولكن الوزير ظل لاهيا بعمله.

أظلمت مزرعة الوزير وارتفعت أسوارها حتى تحولت إلى سجن أطبق على عايل. روح المدير تبحث عن عورته تارة وتارة أخرى تناول الوزير أصياخ اللحم المتبل. «إن لم تعطني الحلم فسأخصم من راتبك أو لعلني أفصلك من العمل. لن تجد ما تسدد به ديونك ولن تستطيع إطعام أولادك. أفلت الحلم أيها العاري». «ولكنه حلم، مجرد حلم». «حلم زائد حلم يساوي أحلام. هاته يا صغير اليد». «هل حقا ستورطني مع البنك؟ وتشرد أطفالي؟ هذا فظيع؛ يشبه اقتلاع الروح؛ أو كأن تكون عاريا في كابوس».

يشعر عايل بخوار قوته وبالدخان يكتم أنفاسه. يشعر بحرقة في حلقه وكأنه يبلع أمواسا. صار يرشح دما. تمنى لو يعود إلى المرسدس أو البي إم دبليو المكيفة. يغطي عورته بها وينام فيها طويلا، طويلا، حتى وإن صارت السيارة قبره. «افعل شيئا يا وزير فأنت الوزير». راح يصارع طويلا ويرزح تحت الكابوس الذي جثى عليه أخيرا ولم يترك له من الحلم سوى مرارة الفقدان.