أفكار وآراء

فلسفة الوناسة والسهر

يحتاج بعضنا إلى تعلم كيف يستمتعون لاحقا في حياتهم، عندما تُصبح حياتهم أخيرا ملكهم بعد أن يتحرروا ويستقلوا، إن كان استقلالا ماديا أو اجتماعيا. المتع الطفولية كالركض واللعب وتسلق الأشجار والجدران والركض ما بينها تفقد فتنتها سريعا مع انتقالك إلى المراهقة، ولاحقا البلوغ، تُولع بعدها بأشياء متعلقة بالجلوس أكثر من تعلقها بالحركة، مثل: ألعاب الفيديو، القراءة، الاستماع للموسيقى أو عزفها. وككائن ناضج تنتظر نهايات الأسبوع بفارغ الصبر، سهرات الأصدقاء واحدة من المتع المتاحة والمُجادة بشكل واسع، متعة حدسية لا يحتاج الواحد منا تقريبا للتدرب عليها حتى يستمتع بها، بخلاف الشطرنج، أو السباحة، أو الحديث بلغة أخرى مثلا، تجتمع بتلك الثلة المصطفاة من الأصدقاء فتُبعث حيا من خدرك الأسبوعي الذي يُقرر فيه رب العمل ماذا تفعل؟ والأتيكيت ماذا تقول؟- وفوق ذلك- كيف تقوله؟ تُصبح السهرات وسيلة تشافٍ من الانتهاك اليومي، وأداة مقاومة ضد الاستلاب، وأسلوب تجريب لحدود ما تُشاركه مع الآخر، شيء خارج متناول التقييم واللوم وغيرها من العلل والوساوس التي تأكلك في أي مجال عام، لا يخجل السهران حين تفيض به المشاعر ويبكي، ولا يعتذر عن انفعاله، أو حين تجافيه الصوابية، ولا يخطر بباله أن يكون مثاليا، فهو يُشارك الخيبات، والإخفاقات، والفضائح الصغيرة باعترافية لا يبتغي بها تلميعا أو من ورائها مكافأة. يتحرر الكائن السهران من لامبالاته التي اتُخذت درعا ضد ما يسحق الروح، ترد السهرة للسهران معنوياته بل وهويته؛ أنا هنا حتى أُعرف قليلا، وحتى أعرف نفسي عبر مراياكم التي تنصّبونها أمامي بإخلاص وسخاء، أنا هنا لأنتعش عبر حديثكم، وأنا هنا -فوق كل شيء- لاستمتع. يُريد السهران أن يتبع النشوة حيثما تقوده إلى نهاية السهرة، «إلى أقصى التعب»، حين يُنهك الجسد ذلك الإنهاك الطيب، كمن جرى للتو ميلا بأقصى سرعته.

لا يبدو أن المنتمي للثقافة العربية-الإسلامية قادر على الفكاك من أسر فنتازيا جلسات الأُنس والطرب (حتى لا نقول المجون) أيا يكن حكمه الأخلاقي تجاهها، إن كان ثمة حكم، وإن كان هذا الحكم متعلقا بالممارسات نفسها، أو ما تقوله عن العدالة الاجتماعية في مجتمع طبقي تحظى فيه ثلة بالرفاه المتأتي من الازدهار الاقتصادي للدولة، وإن كان الترفه في العصور الإسلامية القديمة (خصوصا في بغداد خلال العصر العباسي كما تخبرنا الأدبيات) حكر -إلى حدٍ ما- على الطبقات العليا، فهو اليوم مُتاح بدرجات متفاوتة لكل بشري، أو أنه بالأحرى يُعتبر حقا لكل إنسان وإن لم يُحصل. ترفع البنات اليوم في مجالسهن الخاصة -خصوصا لا حصرا- صوت الموسيقى، وتستسلم أجسادهن للإيقاع وكأنهن يبعثن عبر حركتهن ذلك الرمز الأثير العتيق للهو، وهن بحركتهن يعدن لأجسادهن الصفة الصبيانية التي سرقها منهن الجلوس الطويل على المكاتب أو الوقوف أمام الكاونترات.

أما المجون فهو ينبع من موقف عدمي أشد راديكالية، العبث، الخواء، يجعلان الماجن عبدا مخلصا للذات وحدها، وهو على الغالب في قطيعة مع مجتمعه وأعرافه، أما السهرات التي تعنينا هنا ليست ماجنة بالضرورة، ليست طربية بالضرورة حتى، قد تدور حول شيء ما؛ مباراة في كرة القدم، حفلة مسجلة، فيلم مستقل، وقد يكون الاجتماع والأحاديث وحدها هي لب اللقاء. يصل بنا الشعور أحيانا إلى أن البقعة الأشد إشراقا في الحياة هي سهراتنا، حياتنا يُمكن أن تُختصر بسجل سهراتنا (من سهرة إلى السهرة التالية)، أما ما بينها فلا يستحق الذكر أو التذكر إلا من حيث كونه مادة للحكي، للمساءلة، للتندر.

يُمكن التفلسف حول أي موضوع تقريبا، بل وإعمال أدواتنا (على نحو يُحاكي الطريقة العلمية) لتعريفه، تحديد عناصره، والإتيان بالصيغة المثالية لتحقيقه، حتى وإن بدا هذا الموضوع -من خلال النظرة الأولى- غير قابل للتحليل كموضوعات الوناسة والتونّس، تُسمي الكاتبة وصحفية العلوم كاثرينا پرايس -على سبيل المثال- ثلاثة مكونات أساسية لصناعة الوناسة (having fun): أولا، الهرج (أو السلوك اللعوب، حيث لا يأخذ الفرد نفسه بجدية، ولا يهتم بالنتيجة النهائية لما يقوم به، في تغييب كامل للنفس الناقدة)، ثانيا، التدفق (حيث ينخرط الفرد فيما يفعله، موجودا في اللحظة، وخاسرا الشعور بمرور الوقت)، ثالثا، التواصل (الشعور بالقرب). وتجادل أن الوناسة صحية (فهي تقوي المناعة مثلا، وهي نافعة خصوصا على صعيد الصحة النفسية؛ لكونها علاجا ناجعا للتوتر مثلا)، والحيوية التي تمنحها تُسهم في الازدهار. لا أعلم لأي مدى يمكن تصديق سردية پرايس إلا أن فيما تقول شيء مثير للاهتمام. إنك تتأمله وتشعر أن فيما تحكيه شيء معقول.

لا نحتاج إلى كثير ذكاء لاستنتاج أن قتل الرقيب الذاتي هو الخطوة الأولى للتونّس، إنك إذا تتحرر عبر كبت النزعة للكمال، وإذا أمعنت النظر ستجد أنك لست بحاجة إلى الموارد أيضا - بعد أن تكون قد امتلكت حياتك بالطبع، وتحققت أسباب رفاهك الأساسية، ولأنك محاط بمن تهتم بهم، تجد أن الأفكار التي يطرحونها تشغلك، وتُلهمك، وتمهد الطريق لمشاريع جديدة، ومغامرات فكرية تخوضها.