رأي عُمان

دبلوماسية الكوارث

 
رغم ما تخلفه الحروب من ضحايا ودمار وعداء وتفتيت للروابط الإنسانية والوشائج التي يمكن أن تكون «راسخة» قبل انطلاق الشرارة الأولى لأي حرب، إلا أن الكوارث الطبيعية أكثر تدميرا وفتكا بالبشر وبالعمران والمعالم الحضارية المادية. وإذا كان الدمار يحدث في الحروب بإرادة بشرية، ولو كانت محصورة على من يتخذ قرار الحرب أحيانا، إلا أن البشر لا يتخذون قرار الدمار في الكوارث الطبيعية، إنهم جميعا ضحايا لتلك اللحظة التي لا تتجاوز الـ 60 ثانية وربما أقل خاصة في الزلازل. وأمام هذه اللحظة الصعبة والكارثية بكل ما تعنيه معنى الكارثة من فعل تدميري أو ما تعنيه من ألم إنساني، ترتفع الخلافات السياسية التاريخية أو الآنية المشتعلة حتى في لحظة الكارثة ويسود التكاتف العالمي بين الأخوة والأشقاء أو حتى بين الأعداء وتعود الطبيعة الإنسانية التي تتألم لمنظر الموت ورائحته ومن الدمار ومشاهده الفظيعة.. هذا ما نستطيع أن نقرأه، في كل الكوارث تقريبا، وهو ما نجده في الكارثة الطبيعية التي حلّت فجر الاثنين في سوريا وتركيا بعد أن خلّف زلزال مدمر أكثر من خمسة آلاف قتيل، وأكثر من ثلاثين ألف مصاب، ومئات الآلاف من الذين أصبحوا بلا مأوى في أصعب أوقات المنطقة طقسا، ومئات من الذين يمكن أن لا يجدوا من يقدم لهم العناية الطبية المستحقة في الوقت المناسب فيكونوا ضحايا الإهمال أو ضحايا عدم وجود مواد وموارد للإنقاذ، وكلها أرقام أولية ولو كان قد مضى على الكارثة أكثر من 40 ساعة إلا أن الكثيرين ما زالوا تحت الأنقاض. ورغم أن الجزء الأكبر من التكاتف في لحظة الكوارث ينبع من عمق إنساني، أو من عودة الإنسان إلى إنسانيته أمام صور الدمار الكبير إلا أننا لا نستطيع تجاوز الجانب السياسي والدبلوماسي في المشهد، والذي يطلق عليه في علم السياسية اليوم «دبلوماسية الكوارث»، ويخصصها البعض أحيانا بـ «دبلوماسية الزلازل» أو «دبلوماسية الأعاصير».

ورغم برجماتية المصطلح وأهدافه إلا أنه يوفر، حقا، مساحة آمنة يمكن لطرفين متباعدين أن يعبّرا فيها عن حسن النوايا إذا ما استخدمنا المصطلح الدبلوماسي، وهذه المساحة تتقارب فيها المصالح وقد تسقط فيها سنوات طويلة من الخلافات والصراعات.

ولأن الشمال السوري والجنوب التركي كانا لأكثر من عقد منطقة صراع له أبعاد دولية، وكذلك تاريخية، فإن هذه اللحظة التي يشترك فيها الجميع في الكارثة لحظة تستوجب تفعيل «دبلوماسية الكوارث» خاصة مع الجانب السوري الذي ما زال الأقل نصيبا من الهبّة العالمية لتقديم المساعدات.

وهذه مناسبة أخرى ليعيد العالم فيها رفع الكثير من القيود الظالمة عن الشعب السوري الذي هو الآن في أمسّ الحاجة إلى وقفة إنسانية دولية لانتشال الضحايا من تحت الأنقاض أو لتقديم الدعم الإنساني للآلاف الذين أصبحوا بعد 60 ثانية فقط بلا مأوى يضمهم ليضافوا إلى آلاف قبلهم كانوا يصارعون برد الشتاء القارص.

وإذا كان الأشقاء والأصدقاء لسوريا من العرب وغيرهم لا يحتاجون إلى «دبلوماسية الكوارث» لتقديم العون الواجب في هذه اللحظة فإن العالم أجمع مطالب بتفعيل هذه الدبلوماسية الآن سواء من سوريا أو حتى مع تركيا التي يمكن أن تُعتبر المستفيد الأكبر من هذه الدبلوماسية.

وهي مناسبة أيضا لتنتهي الكثير من الصراعات التي عصفت بسوريا وشظّت واحدة من أجمل البلاد العربية وأعرقها على الإطلاق ويعود العرب إلى جوار سوريا التي هي في أمسّ الحاجة الآن لهذا الجوار.